الفصل 410: التأمل [3]
بقيت رائحة البخور المحترق في الهواء.
“شكرًا لكم جميعًا على الحضور. أنا الكاردينال فرانسيس، وسأقود القداس.”
وقف الكاردينال فرانسيس بجانب القاعة الكبيرة، يحدق في العديد من الطلاب الذين يجلسون مقابله.
مرتديًا سترة بيضاء، ابتسم ابتسامة خفيفة.
“أود أولًا أن أشكر أولئك من أكاديمية هافن الذين سمحوا لهذا القداس أن يتم. لولا مساعدتهم ومساهمتهم، لما كان أي من هذا ممكنًا…”
رغم هدوء صوته، إلا أن كلماته وصلت إلى كل زاوية في القاعة.
تلألأت أعين عدد من الطلاب عند رؤيتهم للكاردينال، الذي بدا وكأنه شعاع من النور وسط الظلام الذي خيم على الأجواء المعتمة.
وبجانبه، من كلا الطرفين، وقف رجال يرتدون الأبيض ويمسكون بقلاداتهم بإحكام.
كانوا كهنة كنيسة كلورا.
وقفوا جميعًا بصمت وهم يشاهدون الكاردينال يتحدث.
ومن بينهم، كان هناك رجل نحيل بعينين ضيقتين وشعر بني، اندمج جيدًا وسط الكهنة.
كان ينصت إلى القداس بأكمله باهتمام.
ومع ذلك، لو دققت النظر، للاحظت أن نظراته كانت تنحرف أحيانًا نحو طالب معين جالس في الصف الأمامي.
بشعره الأشقر وعينيه الصفراء الشاحبة، كان من السهل التعرف على كايوس.
“… إذن هذا هو الهدف.”
كان يوهان قد حصل بالفعل على ما يكفي من المعلومات حول الهدف.
كان يعرف كل ما يحتاج معرفته من أجل القبض عليه. على الرغم من أنه لم يكن أقوى من مجرد طالب، إلا أنه كان واثقا من القبض عليه.
فذلك كان تخصصه.
ومع وميض في عينيه، أحس بإحساس غريب يزحف على يده. نظر لأسفل فرأى خيوطًا سوداء صغيرة تلتف حول ذراعه.
“ليس بعد…”
وضع يده الأخرى فوقها.
“… ليس بعد.”
تمتم بهدوء، ودفع نفسه للخلف إلى الصف، عائدًا للاستماع إلى القداس من جديد.
“هناك هدف آخر علي أن أراقبه.”
“… هممم.”
وأنا أدلك وجهي، جلست على أحد المقاعد المنتشرة داخل حرم الأكاديمية.
في الوقت الحالي، كان من المفترض أن أكون في منتصف القداس.
… كان إلزاميا، ومن المحتمل أن أقع في مشكلة بسبب تغيبي، لكن لم يكن لدي رفاهية التفكير في ذلك.
“ما الذي حدث بالضبط في الرؤية؟”
كنت حائرًا بشأن الموقف.
لم أكن أعرف أي سيناريو كان السيناريو الصحيح. جوليان يسيطر على جسدي ويقتل شخصا مهما، أم أنني أنا من قتلت الهدف الذي حدده أطلس.
“منطقيًا، يجب أن يكون الخيار الأول.”
في الرؤية، سمعت بوضوح الكلمات: “هو من…”
علاوة على ذلك، من غير المرجح أن أواجه المشاكل إن كنت قد قتلت شخصًا تريده المنظمة ميتًا.
بفضل نفوذهم، ومساعدة أطلس، لم يكن من المفترض أن أتعرض لمشكلة في مثل هذا الموقف.
… ومع ذلك، ذكر أطلس أن أتباع كنيسة كلورا يرتدون الأبيض.
“هل من الممكن أن شيئًا ما قد سار بشكل خاطئ في المهمة؟”
“آه.”
خطر ببالي احتمال.
“كلا السيناريوهين حصلا. أنا قتلت الكاهن، وجوليان استولى على جسدي. هو من قتل الكاهن.”
نظرًا لأنني تم القبض علي ووقعت في ورطة، فلا بد أن جولين ارتكب جريمته في أحد الأماكن التي لم يصنفها أطلس على أنها “آمنة”.
بدأت تتشكل صورة واضحة في ذهني عن الموقف بأكمله.
رغم وجود بعض التفاصيل التي لم تكن منطقية، إلا أن هذا السيناريو كان الأكثر واقعية.
“هممم، هذا جيد.”
نهضت من على المقعد، أشعر بأنني أكثر نشاطًا.
الآن وقد حددت اتجاهي، أصبحت أعرف بالضبط ما علي فعله.
لم أعد تائهًا، ولم أضيع ثانية واحدة أخرى.
مددت يدي للأمام، وظهرت هيئة فوق ذراعي، وأخرى أسفل قدمي مباشرة.
“البومة -العظيمة ، حصاة.”
“ماذا هناك؟”
“… لماذا استدعيتنا؟”
كان حصاة يبدو ناعسًا وهو يلعق كفّه. وكلما نظرت إليه، كلما بدا أنه يتصرف مثل القط.
من ناحية أخرى، كانت عينا البومة-العظيمة أكثر عمقًا مما كانت عليه من قبل.
كان هناك فرق واضح تقريبًا.
“هل مر البومة-العظيمة باختراق؟”
هذا مثير للاهتمام…
“أحتاج مساعدتكما. أريد من أحدكما مراقبة شخص معين.”
“مراقبة؟”
“… نعم.”
كان الاثنان هما العينان المثاليتان بالنسبة لي.
“أريد أن أعرف موقعه في كل الأوقات، وما الذي يفعله. هذا ممكن، صحيح؟”
“هممم، نعم.”
أجاب البومة-العظيمة بنبرته الرتيبة المعتادة. حينها نظرت إلى حصاة.
“أحتاجك أن تبقى معي.”
لم أكن أستطيع التواصل مع البومة-العظيمة وحصاة إذا كانا بعيدين عني. أما هما، فيمكنهما التواصل مع بعضهما البعض مهما كانت المسافة.
وهذا كان في صالحي.
يمكنني استخدام أحدهما لنقل المعلومات لي.
“انتظر، لماذا اخترته؟”
احتجّ حصاة فجأة، مشيرًا إلى البومة-العظيمة.
“لأنه يستطيع الطيران.”
“آه؟ لكنني أستطيع الدخول إلى الأماكن الضيقة.”
“… نعم، لكنك أيضًا أسهل في الملاحظة.”
لم يكن من الصعب ملاحظة أن البومة-العظيمة وحصاة لم يكونا حيوانات حقيقية، إن ركزت كفاية.
رغم أنني لم أظن أن يتم رصدهما، إلا أن البومة-العظيمة كان الخيار الأكثر أمانًا.
“هذا لا ي—”
“بل يفعل.”
“لك—”
“نعم.”
حاول حصاة الاعتراض، لكن البومة-العظيمة قاطعه سريعًا وأغلق عليه كل محاولاته.
ظننت أن حصاة سيفقد أعصابه، ويقفز على البومة-العظيمة كما يفعل عادة، لكن، ولدهشتي، خفّض رأسه باستسلام.
“حسنًا…”
تمتم حصاة بهدوء، وهو يركل الأرض بقدمه.
أذهلني هذا المشهد.
منذ متى…
“لقد عرف مكانته.”
قال البومة-العظيمة وهو يقف بجانبي، وعيناه تضيقان.
“… حصاة لن يسبب لنا المشاكل بعد الآن.”
ثم قام البومة-العظيمة بربت رأسي بجناحيه، بينما انحنى منقاره في ما بدا وكأنه ابتسامة.
“لقد اهتمت بالمشكلة.”
“؟؟؟”
ما هذا بحق الجحيم…
لم أكن أعرف حتى كيف أتفاعل.
فوووب—
لم أستفق إلا عندما بدأ البومة-العظيمة يرفرف بجناحيه.
رمشت بضع مرات، وسرعان ما عرضت له صورة الرجل الذي طلب مني أطلس قتله.
“من المفترض أنه في قاعة بيرمين مع أولئك الذين يعبدون الحاكم كلورا. جميعهم يرتدون الأبيض، لذا ستعرف بالضبط أين تذهب إن ارتفعت عاليًا بما فيه الكفاية. انتظر حتى ينتهي القداس قبل أن تتبعه. وابقني على اطلاع دائم بالوضع.”
“حسنًا.”
رفرف البومة-العظيمة بجناحيه وبدأ يطير مبتعدًا. راقبت هيئته وهي تندمج تدريجيًا مع السماء، قبل أن ألتفت إلى حصاة الحزين.
“هل أنت بخير؟”
“… لا.”
بدا صوت حصاة مليئًا بالضيق.
“كيف سقط الأقوياء…”
… من حيث القوة، كان حصاة في الواقع الأقوى بيننا نحن الثلاثة.
لم يكن من المفترض أن يكون شكله شبيهًا بالقطط، لكن بسبب ما فعلته به أورليا في إلنور، ضعفت روحه كثيرًا، ولم يعد قادرًا على مجابهة البومة-العظيمة.
“ناهيك عن أنه عندما تم ختمه، كان لا يزال حديث الولادة.”
كانت حياة بيبل مثيرة للشفقة إلى حد ما.
لم يتم قمع حصاة من قبل فتاة صغيرة فحسب، بل بواسطة شجرة أيضا.
من المؤكد أن كبرياءه قد تحطم تمامًا.
“ستتعافى قريبًا.”
طمأنت حصاة بينما أنظر إلى يدي.
“كلما أصبحتُ أقوى، ستتعافى أكثر. وسينقلب الوضع عندما يحدث ذلك، لا تقلق.”
وليس هذا فقط…
لكنني سأصبح أقوى أيضا.
بعد كل شيء، كلما أصبح أقوى، كلما أصبحت [خطوة القمع] أقوى.
… وهي لا تزال في مرحلتها الأساسية فقط.
صرير——
صرير الباب الخشبي بينما دوّى صوت “نقرة” الكعب في أرجاء غرفة صغيرة.
توقفت خطوات ديليلا مباشرة بعد دخول الغرفة، وسقطت عيناها على شخصية جلست على الطرف الآخر، عيناه البيضاء الغائمة تحدق في الفراغ.
“هم؟”
شعر بوجودها، فاستدار البابا برأسه.
“آه.”
ابتسم.
“يبدو أنك شعرتِ بوجودي، أيتها المستشارة.”
“…..”
لم تجبه ديليلا، بل حدقت بالرجل العجوز بنظرة خالية من التعابير.
كانت قد استشعرت وجوده منذ لحظة دخوله حرم الأكاديمية، وكانت تراقبه منذ ذلك الحين.
قوته، رغم أنها بدأت تضعف، إلا أنها كانت كافية لجعلها حذرة.
لم يكن أقوى منها، لكنه بالتأكيد قادر على التسبب في الكثير من المشاكل إن أراد.
ربما، بعدما لاحظ التوتر الغريب الذي كان يخيّم على ملامح ديليلا، ضحك البابا.
“هاها، لا داعي لكل هذا التوتر يا مستشارة. لست هنا لإحداث المتاعب.”
ظلت ديليلا صامتة.
ولم تتكلم إلا بعد أن تأكدت من أن لا شيء مريب في الأرجاء.
“ما هو هدفك؟”
كانت نبرتها صريحة، وخالية من أي احترام أو تقديس.
فهي لا تؤمن بهم.
وكان كل هذا مملًا للغاية بالنسبة لها.
ولهذا السبب، لم تكن ترى أي داعٍ لأن تُقلّل من شأنها أمام شخصيات مثل هذه.
“هدفي؟”
ابتسم البابا بلُطف.
“… ليس شيئًا كبيرًا. أنا هنا فقط لأتفقد أمبروز وأرى كيف سيتصرف.”
“إذن لماذا تخفي وجودك؟”
“سيجلب ذلك الكثير من المتاعب أكثر مما هو مطلوب.”
ضيقت ديليلا عينيها.
لم تُصدّق كلماته على الإطلاق.
“لو كنت ترغب في فعل ذلك بهدوء، كان يمكنك إخبارنا بوجودك. كنا سنبقي الأمر سرًا. بالإضافة إلى ذلك، كان ذلك سيساعدنا على الاستعداد بشكل أفضل.”
بدأت عيون ديليلا في أن تصبح أكثر قتامة.
كانت تدور بهدوء، وكأنها تحاول ابتلاع البابا.
“… أعلم.”
ظل البابا هادئًا، ونبرته ازدادت لطفًا.
“أنا آسف على ذلك. فقط أنني…”
أغلق البابا عينيه، وانحنى إلى الخلف على الكرسي.
“ليس لدي الكثير من الوقت.”
أمالت ديليلا رأسها.
“سأموت قريبًا.”
عادت عيناها إلى طبيعتهما.
“هل أنت—”
“هذه على الأرجح آخر مرة أرى فيها أمبروز وهو يؤدّي القدّاس. لم أقل شيئًا مسبقًا لأن لا أحد يعلم بهذا. حتى أمبروز نفسه. وبمجرد انتهاء القمّة، سأكون قد…”
توقّف البابا، لكن كلماته كانت واضحة.
تغيّرت ملامح ديليلا قليلًا.
لم تعد حذرة كما كانت من قبل.
بالطبع، هذا لا يعني أنها ستتركه وشأنه.
“سأُبقي عيني عليك.”
وبينما خرجت هذه الكلمات من فمها، انجرف بصرها نحو زاوية الغرفة اليمنى وازداد عبوسها.
ثم هزّت رأسها وغادرت الغرفة.
“… لا تتجاوز حدودك.”
كلنك!
أُغلق الباب، تاركًا الغرفة في سكونٍ وصمتٍ تام.
أغلق البابا عينيه، وأمال رأسه للخلف.
كانت يداه ترتجفان.
… لكن لم يكن ذلك بدافع الخوف.
لا، كان ذلك من الإثارة.
قريبًا…
سوف يلتقي بـ “هو”.
لم يعد يستطيع الانتظار.
____________________________________