الفصل 300: قبر أوراكلوس [3]
“هيآك!”
صرخت جوزفين بأعلى صوتها، ويديها تمتدان إلى الأمام للإمساك بالذراعين اللتين كانتا تمتدان نحوها. كان الظلام يحيط بها، ولم تستطع الرؤية، لكن القوة خلف القبضة جعلت من الصعب عليها التنفس، بينما كانت ساقاها ترفسان بعنف في صراع يائس.
“هوك… هوك!”
في تلك اللحظة القصيرة، اجتاحها شعور مفاجئ بالخوف، مع تزايد صعوبة تنفسها، وكل شهقة تزداد يأسًا عن سابقتها.
“ال-المساعدة !”
حاولت أن تنادي طلبًا للمساعدة، آملة أن يصل صوتها إلى كيرا، لكن لا شيء.
كان المكان من حولها صامتًا.
هل يمكن أن تكون كيرا قد…؟
جعلتها الفكرة تتجمد، وملامحها شحب لونها. اندفع الذعر في جسدها بينما كانت ترفس بساقيها بجنون، وتضغط على أسنانها، وحشدت كل قوتها الممكنة ضد الأذرع التي كانت تخنقها.
رغم أنها لم تكن الأقوى في دفعتها، إلا أنها كانت من بين الأقوى، وصبت كل ذرة من تلك القوة في محاولة تحرير نفسها من القبضة التي لا ترحم.
بعد الصدمة الأولية، تمكنت جوزفين من تهدئة نفسها والتفكير بوضوح.
“خخك!”
كانت مستخدمة لقوة الجسد. تذكرت تدريباتها مع والدها، فحدقت عيناها بحدة بينما التوى جذعها، ورفعت ساقيها في الهواء، مستهدفةً رأس المهاجم خلفها.
كانت تخطط لخنقه بساقيها.
“وووش!”
تحركت بسرعة خاطفة، والهواء يصفّر حولها وهي تلتف في الهواء. بفضل جسدها الرشيق والمرن، وصلت إلى الوضعية المطلوبة في غضون ثوانٍ. لكن تمامًا عندما كانت على وشك إحكام قبضتها بساقيها، صُدمت حين لمست قدماها…
الفراغ.
“أه؟”
بدهشة، استدارت جوزفين.
على يديها وركبتيها، حدّقت بعينيها المتسعتين.
حقيقة مرعبة بدأت تتضح أمامها.
“هذا… مستحيل…”
الشخص الذي كان يخنقها… لم يكن موجودًا.
وعندما أدركت ذلك، اتسعت عيناها أكثر.
“هاه… هاه… هاه…”
بأنفاس ثقيلة، حدّقت جوزفين في السقف الأسود المألوف.
كان ظهرها مبللًا بالكامل بالعرق. استدارت بسرعة وسحبت كرة صغيرة، لتقوم بتنشيطها ونشر الضوء في أرجاء المكان.
“ذلك…”
غطت جوزفين فمها.
كل شيء كان طبيعيًا. كيرا كانت نائمة بسلام في كيس نومها، وباستثناء بعض الفوضى، لم يكن هناك أي شيء غير مألوف.
“كابوس؟”
فركت جبهتها بأسنان مشدودة.
مدّت يدها نحو زجاجة ماء وأخذت رشفة صغيرة.
“لقد بدا حقيقيًا جدًا.”
كان قلبها لا يزال ينبض بسرعة هائلة، وصور الكابوس تعيد نفسها في ذهنها مرارًا وتكرارًا. كل شيء كان واضحًا جدًا، وكأنها اختبرت عملية الخنق حقًا.
ليس ذلك فحسب، بل إن الانزعاج في رقبتها كان لا يزال موجودًا.
حكت عنقها وابتلعت ريقها بصمت.
“جنون.”
أبعدت شعرها عن وجهها، ثم انحنت قليلاً لتطمئن على كيرا.
حتى مع وجود الضوء، بدت كيرا نائمة بعمق، وتنفسها هادئًا ومنتظمًا.
تنهدت جوزفين بارتياح عندما رأت ذلك، خشية أن تكون قد أيقظتها.
“من يدري ما الذي قد تفعله هذه المجنونة إن أيقظتها.”
ضحكت جوزفين مع نفسها، لكن ضحكتها تجمدت فجأة عندما لاحظت شيئًا على عنق كيرا.
”…..”
ابتلعت ريقها بصمت، ومدّت يدها للأمام للحصول على نظرة أوضح.
كانت تتذكر بوضوح أنه كان أحمر عندما جاءت، لكن الآن…
كان لونه أرجوانيًا.
”…..”
في الصمت المخيف، مدّت جوزفين يدها ببطء وسحبت كيس النوم للخلف.
تحولت تعابيرها إلى الذعر عندما اكتشفت السبب الحقيقي للون الأرجواني على عنق كيرا.
توقف قلبها للحظة، وغادر الهواء رئتيها.
لكن قبل أن تتمكن من قول أي شيء، فتحت كيرا عينيها فجأة، ومدّت يدها بسرعة ممسكةً بذراع جوزفين بقبضة كالإطباق.
بعيون محتقنة بالدماء، نظرت إلى جوزفين.
“ماذا؟”
كان صوتها أجش، يكاد يكون غير مألوف. ولم يكن الأمر مقتصرًا على نبرتها فقط، بل حتى حضورها بدا مختلفًا تمامًا، كما لو أنها أصبحت شخصًا آخر تمامًا.
وهذه الحقيقة وحدها جعلت قلب جوزفين يرتعد.
وضعت كيرا مزيدًا من الضغط على ذراع جوزفين، وصوتها أصبح أكثر خشونة.
“لماذا أيقظتني؟”
“أوخ…!”
عندما استعاد ليون وعيه، وجد نفسه مستلقيًا على شيء ناعم.
وصل إلى مسامعه صوت خافت لحفيف العشب، بينما احتضن دفء لطيف جسده بالكامل، مما دفعه لفتح جفونه ببطء.
”…..”
ما استقبل نظره كان سماءً مألوفة وشمسًا ساطعة.
كان ذلك تناقضًا صارخًا مع الشمس البيضاء الكئيبة والسماء المظلمة لعالم المرآة.
“أين أنا؟”
جلس ليون ونظر حوله بدهشة.
وجد نفسه في مرج أخضر شاسع، تهب الرياح بهدوء عبر الأعشاب الطويلة.
انتشر في الهواء عبق أشجار الصنوبر، مما أضفى على المكان جوًا من الصفاء والسكينة.
لقد كان يبدو وكأنه جنة.
لم يكن يريد النهوض، أراد فقط الجلوس هناك والاستمتاع بالمشهد أمامه.
لكنه كان يعلم أنه عليه المغادرة.
هذا المكان…
لم يكن حقيقيًا.
“تراتا! تراتا! تراتا! تراتا! تراتا!”
”….؟”
أيقظ صوت خفقان إيقاعي مفاجئ ليون من أفكاره، متبوعًا بهبة ريح قوية اجتاحت المكان نحوه.
اتسعت عيناه بصدمة وهو يرفع رأسه، ليشاهد جسمًا ضخمًا يحلق في الهواء.
كان شيئًا لم يره من قبل—مصنوعًا من المعدن، بثلاث شفرات طويلة وحادة تدور بسرعات هائلة.
تحولت تعابيره من الارتباك إلى الذهول وهو يحدق في الآلة الغريبة التي كانت تحلق في السماء.
“ما هذا…؟”
حاول ليون مدّ يده نحوها، لكنه تفاجأ عندما رأى أن جسده بالكامل كان خياليًا، كما لو كان مجرد جزء من الرياح التي تجرف المكان من حوله.
“أه؟”
لكن صدمته لم تنتهِ عند هذا الحد.
ضيّق عينيه، وشعر بدهشة وذهول عندما رأى عدة أشخاص يظهرون داخل تلك الآلة الغريبة.
كانوا يبدون كالبشر، ومع ذلك… لم يسمع قط عن بشر قادرين على استخدام مثل هذه الآلات.
تتبع ليون الآلة الغريبة بعينيه وهي تعبر من أمامه.
ثم رأى ذلك المشهد.
مبانٍ ضخمة شاهقة نحو السماء، تتغلغل هياكلها المهيبة عبر الغيوم.
“آه…”
شعر ليون بأن أنفاسه تتوقف.
”…كيف يكون هذا ممكنًا؟”
كانت المباني مختلفة عن أي شيء رآه من قبل. كانت هندستها المعمارية غريبة، وارتفاعها تجاوز حدود الإدراك. الحجم الهائل لوجودها كان مهيبًا بشكل مخيف.
بدأ رأس ليون يؤلمه.
لم يستطع استيعاب ما كان يحدث.
نظر حوله، ثم عضّ شفتيه وقرر الركض إلى الأمام.
كان ذلك في نفس الاتجاه الذي سارت فيه الآلة الغريبة، حيث كانت المباني الشاهقة.
أراد أن يفهم ما الذي كان يجري.
وهكذا، ركض.
ركض وركض وركض.
بينما كان يشعر بنسيم الهواء البارد يضرب جسده، استمر في الجري، وعيناه مثبتتان على المباني الغريبة التي اقتربت أكثر فأكثر.
وفي الوقت نفسه، فكر في جوليان.
هل كان يرى ما كان يراه؟
مكانٌ غريبٌ كهذا… كان متأكدًا أن جوليان سيكون مصدومًا مثله.
لكن، بما أنه كان يُرى مثل هذا المكان، فقد كان ليون واثقًا من أنه مرتبط بـ أوراكلوس بطريقة ما.
“هوووه.”
استمر ليون في الجري لساعات، حتى وصل أخيرًا إلى طريق مستوٍ يحتوي على رموز وخطوط غريبة.
“فروووم—!”
لكن الأمر الأكثر إثارة للصدمة لم يكن الخطوط الغريبة، بل الآلات العجيبة التي تتحرك فوقها.
بسرعات لم يستطع ليون تصديقها، راقب تلك الأجسام المعدنية وهي تندفع عبر الطريق، متجهة مباشرة نحو المدينة.
“أوخ.”
شعر ليون بصداع ينبض في رأسه.
حدّق في الآلات الغريبة والمكان غير المألوف، وشعر بأنه تائه.
مسح رأسه، ثم تقدم نحو المدينة المضيئة التي بدت وكأنها تبتلعه بالكامل.
كان شعورًا ساحقًا.
كان محيّرًا.
خاصة عندما رأى ملابس الناس الغريبة، والأجهزة العجيبة التي يحملونها بين أيديهم.
كان الجميع ملتصقين بها، يستخدمونها أثناء الجلوس، والمشي، وحتى عند قيادة الآلات الغريبة.
“بيب! بيب!”
لكن هذا لم يكن كل شيء.
كان المكان صاخبًا جدًا.
سواء من الناس أو من الآلات العجيبة.
ظن ليون أن الضجيج في بريمير كان سيئًا، لكنه مقارنةً بهذا… لم يكن شيئًا يُذكر.
”…..”
وهكذا، تجوّل ليون بلا هدف.
لم يكن لديه أي فكرة عن وجهته.
كان فقط يراقب محيطه بصمت ويمشي بلا هدف.
كان يبحث عن طريقة للخروج من هذا العالم، لكن كيف يمكنه ذلك؟
بينما كان يحاول فهم الوضع، عاد الألم يضرب رأسه من جديد.
“أووخ…!”
كان الألم أقوى من ذي قبل، مما أجبره على التوقف للحظة.
أمسك رأسه، وشعر بأن وجهه أصبح ساخنًا من شدة الألم.
“أه؟”
إلى جانب الألم، شعر بشيء آخر.
“سوووش!”
استدار ليون لينظر في اتجاه معين.
هناك…
شعر بوجود شخص مألوف.
كان بعيدًا، لكنه عرف من هو.
جوليان.
كان هناك في ذلك الاتجاه.
لم يتردد ليون، وسرعان ما بدأ يتحرك نحوه.
لم يستطع فهم ما كان يجري، لكن ربما كان لدى جوليان إجابة لا يملكها.
حتى لو لم يكن كذلك، لم يشعر ليون بالراحة في التجول بمفرده في هذا المكان.
كان مزدحمًا وصاخبًا بشكل مزعج.
بهذه الأفكار، زادت سرعته، وشق طريقه عبر المدينة الغريبة.
مرّ بجوار مبانٍ ضخمة تحمل شاشات عرض عملاقة، تعرض أشخاصًا يمسكون بمنتجات وأجهزة غريبة.
لم يكن هذا مختلفًا تمامًا عن بريمير، لكن كل شيء بدا أكثر تعقيدًا.
لم يعرف كم من الوقت استمر في الجري.
لكنه وجد المباني تصبح أقل كثافة وأصغر حجمًا.
رغم أنها كانت موجودة، إلا أنها كانت أقل بكثير مما كانت عليه في وسط المدينة.
أصبحت الطبيعة أكثر انتشارًا، وأصبح الهواء أنقى.
عندما اقترب من بوابة بعيدة، شعر وكأن شيئًا ما أصبح أخف داخل صدره، وتباطأت خطواته تدريجيًا.
وقفت بوابات معدنية واسعة مفتوحة أمامه، وكأنها تدعوه للدخول.
لكن… كان هناك شيء خاطئ.
توقفت خطواته فجأة، وأمال رأسه في حيرة.
“مقبرة؟ لماذا قد يكون جوليان هنا…؟”
لقد جاء إلى هنا بحثًا عن جوليان، لكن لماذا قد يكون في مقبرة؟
حك ليون جبينه، ثم دخل عبر البوابة.
“هسهس ~”
استقبله صمت غريب وسلمي عند دخوله.
كان ذلك على النقيض التام من الضوضاء الفوضوية في الخارج.
امتدت أمامه صفوف من شواهد القبور البيضاء التي بدت وكأنها لا نهاية لها.
نظر ليون سريعًا إلى أقرب شاهدة قبر أمامه.
[جون ميدلستون]
[1990 – 2055]
“1990؟ 2055؟”
شعر ليون بالارتباك بسبب الأرقام الغريبة.
هل كانت هذه تواريخ؟
جفّ حلقه، ثم أدار رأسه إلى اتجاه معين.
وهناك… أخيرًا رأى شخصًا مألوفًا.
كان يقف بظهره نحوه، أمام شاهدة قبر معينة.
“جوليان!”
ناداه ليون، لكنه لم يتلقَ أي رد.
“جوليان…!”
حاول مرة أخرى، لكن الصمت ظل مسيطرًا.
بدا الأمر غريبًا، فقرر ليون الاقتراب منه.
ربما لم يسمعه…
“جوليان!”
لكن حتى مع اقترابه أكثر فأكثر، لم يرد جوليان.
قطّب ليون جبينه وسرّع خطواته، حتى أصبح على بعد بضعة أمتار منه.
“جوليان…”
ناداه مرة أخرى، لكن جوليان لم يتحرك.
ظلّ ينظر إلى شاهدة القبر بلا تعبير.
عندها… بدأ الفضول يشتعل في ليون.
نظر إلى شاهدة القبر.
على عكس الشواهد الأخرى، كانت هذه مختلفة.
أكبر حجمًا، وأكثر زخرفةً، ومزيّنة بالزهور الطازجة، وصورة صغيرة.
دفعه الفضول ليقترب أكثر، وضاقت عيناه وهو يقرأ الاسم المنقوش عليها.
“إيميت…”
شعر ليون بأن صدره يضيق، وإحساسًا غريبًا يسيطر عليه.
بدأ قلبه يخفق بقوة، والهواء حوله أصبح ثقيلاً، وكأن العالم كله كان يضغط عليه.
شيء ما لم يكن صحيحًا.
ومع ذلك… تابع ليون النظر إلى شاهدة القبر.
فتح شفتيه ببطء، وقرأ الجزء الأخير من الاسم.
”…رو.”
“وووم!”
غطى الظلام رؤيته بالكامل.
كانت لحظة قصيرة، وعندما عاد وعيه…
كان لا يزال واقفًا أمام نفس شاهدة القبر.
لكن هناك اختلاف.
كانت البيئة مختلفة، والشاهدة تقف وحدها.
كان جوليان لا يزال يحدّق فيها بلا تعبير.
لكن… ظهرت كلمات جديدة عليها.
كانت تتوهج بضوء أرجواني.
قرأ ليون الكلمات بعناية.
“هنا يرقد قبر أوراكلوس.”
”——الرائي.”
_________________________________
الأحداث بدأت تشتعل 🔥🔥🔥
المئوية الثالثة 🔥🔥🔥