الفصل 337: ماضي مختوم [2]
على عكس الماضي، لم يقترب الملاك مني بحذر.
ركض نحوي بسرعة في اللحظة التي لاحظته فيها.
يداه النحيفتان لم تعودا مضمومتين في حركة توسل؛ بل رفعهما فوق رأسه، وأصابعه ملتوية على شكل مخالب بينما اندفع نحوي.
“….!”
شعرت بقشعريرة بينما اقتربت اليدان، جاهزتين للقبض على عنقي في أي لحظة.
قلبي خفق بقوة في صدري بينما اقترب الملاك، وعيناه الجوفاء مثبتتان على عينيّ بجوع مرعب.
تراجعت للخلف لكن أدركت أنني عالق.
‘ماذا…!؟’
اقترب الملاك أكثر.
كان وجهه الآن على بعد أمتار قليلة مني.
كافحت من أجل التنفس، وشعرت أنني محاصر في عقلي.
كان الأمر وكأن الهواء قد تم امتصاصه من رئتيّ.
أدخلتني هذه الحالة في ارتباك ذهني، لكن لحسن الحظ، كنت أعلم كيف أتعامل مع مواقف كهذه.
أخذت نفسًا عميقًا، وظهرت عدة سلاسل في عقلي.
كانت تصطك بينما يقترب الملاك، لكن تعابير وجهي هدأت، وبدأت كل المشاعر التي كنت أشعر بها تتلاشى.
“….!”
وصل الملاك إليّ بسرعة.
مدّ يداه نحو عنقي، وأمسكه بقوة.
لم أستطع التنفس.
بدأ عنقي يؤلمني.
بدا وكأن الملاك سيخنقني حتى الموت.
لكنني بقيت ثابتًا، ولم أشيح بنظري عنه لحظة واحدة.
انهمرت دموع سوداء من عينيّ الملاك.
تساقطت على الظلام تحته، وامتزجت به دون اكتراث.
بدا أن الملاك يريد رؤية ردة فعل مني، لكن…
قلبي كان ثابتًا.
عقلي كان ثابتًا.
أنا كنت ثابتًا.
كراك—
ظهر شق خافت على عنق التمثال.
ببطء، توسع الشق، وزحف عبر الحجر البارد الذي شكل التمثال.
في غضون ثوانٍ، تحرك رأس التمثال مع التواء، يصدر صوت طحن بين الحجارة.
ضغط التمثال على عنقي أكثر بينما استدار رأسه ليكشف عن وجه—
وجه كنت أعرفه جيدًا.
‘س-ساعدني…!’
كأنني استطعت أن أتخيلها تتوسل إليّ وهي تنظر إليّ بتلك العيون الجوفاء.
كانت كيرا.
كان وجهها مليئًا بالحزن وهي تحدق بي.
كراك—
تحرك التمثال مرة أخرى، كاشفًا عن وجه جديد.
فليــك.
ظهر وجه جديد بعد قليل.
فليك. فليك. فليك.
كان التمثال يدور، ويعرض وجهًا تلو الآخر.
مع رؤية الوجوه المألوفة التي بدأت تظهر أمامي، بدأت الأقفال في ذهني تهتز.
لكنها كانت مجرد حالة مؤقتة.
كنت أفهم نية التمثال.
‘يريد إنهاك ذهني قبل أن يستحوذ عليه.’
وبما أنني كنت قد خضت قتالًا صعبًا قبل لحظات، كانت هذه فرصة مثالية له للتسلل إلى ذهني.
دفاعاتي كانت منهكة، وجسدي كان متعبًا ومرهقًا.
الجدران الذهنية التي بنيتها على مدار العام بدأت تظهر فيها تشققات، وكنت أشعر بحضوره يتسلل من خلالها.
لكن هذا لم يكن كافيًا أبدًا.
‘ستحتاج لأكثر من ذلك لتتمكن مني.’
شيء كهذا لا يمكن أن يهزني.
حاول التمثال التوغل أعمق في ذهني، لكنني قاومت.
“حسنًا…”
تحدثت أخيرًا، أحدق بعمق في التمثال.
بادلني النظرة بعينيه الجوفاء، وللحظةً قصيرة، اعتقدت تقريبا أنني رأيت شيئا داخل تلك العيون.
لكنه كان مجرد وهم عابر.
رفعت يدي، وضغطت بها على اليدين الحجريتين القاسيتين اللتين كانتا تخنقان عنقي.
ومن دون أن أشيح بنظري، أخذت نفسًا عميقًا، ومررت إصبعي على ذراعي اليمنى، حيث ظهر وشم مألوف.
‘لم أكن أرغب في فعل هذا، ولست متأكدًا من أنه سينجح بما أنك لست شخصًا حقيقيًا…
لكن إن سمحت لي…’
“…سأرى حزنك.”
ضغطت على الورقة الثانية.
تحول العالم المظلم حولي إلى ظلام أعمق، واختفى الملاك من أمامي.
خرج جسدي عن سيطرتي بينما اجتاحني إحساس مألوف.
كأنني فجأة تم سحبي خارج جسدي، وبدأت أفقد كل حواسي.
‘هذا الشعور المألوف… لقد مر وقت طويل.’
استمتعت بالإحساس لثوانٍ إضافية قبل أن يبدأ العالم من حولي بالتغير.
تصلّبت الأرض من تحتي، وبدأت مبانٍ شامخة ترتفع، تحيط بي.
وعلى الجانب الآخر، كانت هناك شمس بيضاء تطفو في السماء، تلقي ضوءًا باهتًا وباردًا على السماء الرمادية.
وتحتها، ظهرت مجموعة من المباني الضخمة، تصميمها مستوحى من “الإمبراطورية الرومانية”، لكنها مبنية بالكامل من الرخام الأسود.
كان الحجر الداكن يلمع تحت الشمس البيضاء، مما أعطى الهندسة المعمارية حضورا مشؤوما وقاتما تقريبا يتطابق مع الأجواء العامة للعالم.
كانت الشوارع مكتظة بالناس، وجميعهم يرتدون الستر وأردية غريبة، يسيرون على الطرق الحجرية غير المرتبة.
راقبت كل هذا بصمت.
وهنا، أخيرًا، لمحتها.
كانت فتاة صغيرة تجلس على أحد المقاعد في المدينة، شعرها الأسود مربوط على شكل ذيل حصان يتدلى على كتفها الأيسر.
كانت وجنتاها ممتلئتين وترتجفان بلطافة بينما تقضم من فطيرة صغيرة، وعيناها متسعتان بالفرح وهي تتذوق الطعام.
بدت وكأنها لم تتجاوز العاشرة من عمرها، وبجانبها وقفت امرأة طويلة وجادة، بشعر أشقر قصير وعيون زرقاء.
من طريقة وقوفها والدروع الخفيفة التي كانت ترتديها، بدا أنها حارسة للفتاة.
فحصت الحارسة المكان بعينيها، ثم نادت على الفتاة الصغيرة:
“لنذهب.”
“….نعم؟”
“لنذهب.”
“….؟”
أمسكت الحارسة بيد الفتاة وسحبتها برفق لتساعدها على النهوض.
“لنذهب.”
سحبتها مبتعدة.
وأثناء ذلك، لاحظت شيئًا.
تلك الفتاة…
كانت عيناها غير مركزة.
‘يبدو وكأنها عمياء.’
لكن لا، لم يكن ذلك هو المشكلة الأساسية.
حولت انتباهي إلى الحارسة، فرأيت الرمز المنقوش على ظهر درعها.
البرسيم ذو الأربع أوراق.
كانت المنصة مليئة بالحفر، وسطحها مغطى بشظايا محطّمة لما كانت عليه في السابق.
تصاعدت خيوط من الدخان من بين الحطام، وكانت درجة الحرارة المحيطة بالمنصة أعلى بدرجة من العالم الخارجي.
كان المانا المتبقية تتطاير في الجو بينما وقف أميل وليون على طرفين متقابلين.
“هااا… هاا…”
كانت أنفاسهما ثقيلة بنفس القدر.
لم يظهر على أي منهما علامات الإصابة، لكن ملابسهما وشعرهما كانا في حالة فوضى.
عينا ليون كانتا سوداوين تمامًا، بينما كانت عينا أميل بلون رمادي داكن.
“واو….”
همهم كارل بهدوء وهو يراقب المشهد من الاستوديو.
كان شعر ذراعه منتصبًا بالكامل، بينما جفّ فمه.
القتال… لم يكن معقولًا.
“من كان يظن أن ليون وأميل قادران أيضًا على استخدام مجال؟ هذا حقًا—”
“مفهوم، وليس مجال.”
صحّحت يوهانا لكارل بسرعة وهي تفيق من شرودها.
وعندما أدركت ما قالته، شرحت قائلة:
“المجال لا يزال بعيدًا عنهما. لكي يتمكنوا من تجسيد أفكارهم وتجاربهم، يحتاجون إلى كمية مانا كافية.
إذا لم يستطع الجسد التحمّل، فلن يتمكنوا أبدًا من تطوير مجال حتى لو استطاعوا خلق مفهوم.”
هزّت يوهانا رأسها، متذكرةً كل من عرفتهم واضطروا للتوقف لأن أجسادهم وصلت لحدودها.
إذا لم يستطع الجسد تحمل كمية المانا المطلوبة لتجسيد المجال، فسيبقون عالقين في المستوى الرابع إلى الأبد.
وبتنهد، شرحت كل هذا للجمهور:
“لهذا لا يمكن تحقيق المجال إلا في المستوى الخامس.
لأن الشخص يحتاج إلى مانا أكثر ليجسّد أفكاره بشكل صحيح.”
ولسوء الحظ، كان كل الانتباه مركزًا على ليون وأميل، ولم ينتبه أحد لما قالته.
وكل ما استطاعت فعله هو أن تبتسم بابتسامة يائسة، وتخفض رأسها لتنظر إلى ليون وأميل.
رمش ليون مرة، وظهرت نقطة بيضاء في عينيه.
بدأت الطاقة تتدفق إلى جسده.
كان مفهومه هو “السماء”.
وحيدًا في اتساع وظلمة الليل، كل ما يضيء هو القمر والنجوم.
كان مفهومه لا يزال غير مكتمل، يعكس فقط جانب “الليل” من “السماء”.
لكن هذا وحده كان كافيًا لتعزيز قدراته بشكل كبير.
وعندما ظهرت نقطة أخرى في عينيه، رمش مرة أخرى، واختفت النقطة.
بدأت الطاقة تتدفق في كامل جسده.
شعر ليون بالقوة تنتشر في كل جزء من جسده بينما بدأ ذهنه يستعيد انتعاشه.
لم يكن التأثير بقوة كايليون، ولم يكن شبيهًا به.
بينما انتعش ذهنه، لم ينتعش جسده أو طاقته.
كان كل ما شعر به هو تيار خفيف يجري في جسده، يسمح له بمواصلة القتال.
“هووو.”
جلب سيفه إلى الأمام، وأخذ نفسًا عميقًا، وضبط قدميه مع جسده وهو يخطو خطوة.
وقف أميل على الجانب المقابل دون أن ينطق بكلمة.
هو أيضًا كان مشغولًا بضبط نفسه.
مع أصوات “طقطقة” و”فرقعة”، بدأ جسده يخضع لتحولات كبيرة. ومع تغير جسده، تغير أيضًا الغشاء الرقيق المحيط بسيفه.
أصبح أكثر نحافة، لدرجة أنه كاد يختفي.
تصاعد زخمه، وعندما رفع رأسه، رأى أميل ليون يستعد للهجوم.
شعر بشفتيه ترتسمان بابتسامة خفيفة عند رؤية ليون.
‘حسنًا.’
وكأن هناك اتصال ذهني بينهما، تحرك الاثنان في اللحظة ذاتها. انطمست صورة ليون واختفى من المشهد، بينما بقي أميل ثابتًا وهادئًا، موجّهًا سيفه إلى الأمام.
تموّج الفضاء حول السيف.
ظهر ليون خلف أميل. كان سيفه مرفوعًا، مستعدًا لقطع رقبته،لكن، في اللحظة التي همّ فيها بالهجوم، ارتجفت عيناه.
سيف أميل…
كان موضوعًا مباشرةً بجانب رقبته.
في تلك اللحظة، تسارع ذهن ليون وهو يفكر في طريقة لتفادي الضربة…
لكنه توقف حين لاحظ أن سيف أميل مرّ عبر رقبته دون أن يمسّه.
رمش بعينيه، فأدرك أن كل ما رآه كان مجرد وهم.
كان ظهر أميل لا يزال أمامه.
لم يتردد ليون.
أحضر سيفه للأمام، مستعدًا للطعن، عندما…
توقف جسده مرة أخرى.
“…آه…!”
تراجع ليون عدة خطوات دون وعي.
‘ما الذي أفعله هنا…؟’
‘لماذا أقاتل؟’
‘لقد وصلت إلى هذا الحد، وأنا واثق أن جوليان يمكنه إنهاء الأمر. يمكنه الفوز من أجلي.’
‘نعم، أعتقد أن هذا يكفي.’
‘حظًا موفقًا، جوليان.’
بدأت الأصوات تتسلل إلى روحه، تهمس في ذهنه بشكل مستمر. كانت كلماتهم مزعجة، وأشعرته بالتعب.
شعر أن ذهنه فارغ، جسده فارغ، وقلبه فارغ.
ليون لم يشعر برغبة لفعل أي شيء.
‘أريد أن—’
تراجع خطوة أخرى، ورفع رأسه لينظر إلى أميل، الذي ابتسم له وتمتم قائلاً:
“مفهومي…”
تحوّلت عيناه إلى درجة أعمق من الرمادي.
“…هو الوحدة.”
____________________________________