الفصل 338: ماضي مختوم [3]
فارغ، لكنه ثقيل.
تبع ذلك ألم فارغ..
ضغط على صدره، وتحول العالم من حوله إلى اللون الرمادي.
شعر ليون أن كل شيء بدأ يتباطأ في تلك اللحظة.
وبينما كان يسمع كلمات أميل، رفع رأسه ليلتقي بنظراته. عندها فقط لاحظ ليون تغيرًا في ملامحه.
لقد بدا… مريرًا.
لماذا…؟
ترنّح ليون إلى الأمام، بالكاد تمكن من الحفاظ على قبضته على السيف.
السيف في يده بدأ يشعر وكأنه يزداد ثِقلًا مع كل ثانية تمر.
ومضت صور في ذهنه.
العرق كان يقطر من جسده بينما يقف في غرفة التدريب، يتدرّب وحده.
كان يلوّح بسيفه بعدد لا يحصى من المرات.
سووش! سووش—
كان يتذكر بوضوح الألم في ذراعيه وجسده وهو يواصل التلويح بالسيف.
حتى بعد أن امتلأت يداه بالبثور، لم يتوقف عن التأرجح لحظة واحدة.
استمر فقط بالتلويح، مرة تلو الأخرى.
…كان كل ذلك من أجل السيد الصغير.
من أجل السيد الصغير الذي كان بحاجة إلى حارس شخصي.
صفعة!
“ما الذي تفعله بحق الجحيم؟”
دفعت الصفعة جسده إلى الخلف. وعندما نظر إلى السيد الصغير الذي يعرفه، وهو يحدّق به باشمئزاز، شعر ليون أن قبضته على السيف تضعف أكثر.
…وكان هذا واضحًا خصوصًا بعدما أدرك أن الشخص الذي كان يعمل جاهدًا من أجله، لم يقدّر جهده.
“قمامة.”
رنّت الكلمة في ذهن ليون بصوتٍ عالٍ.
كلانك!
حتى بعدما غادر جوليان الغرفة، بقي ليون واقفًا في مكانه، والعرق يتصبب من جسده، وسيفه يهبط شيئًا فشيئًا.
كانت مشاعره مضطربة فجأة، شعر أنه لا يساوي شيئًا.
الصمت كان خانقًا.
لم يكن لديه أحد سوى السيد الصغير.
لم يكن يملك عائلة أو أصدقاء.
كان صغيرًا حين تم تبنيه من قبل عائلة إيفينوس.
لكن حتى هذا التبني كان فقط ليكون داعمًا للسيد الصغير.
هذا كان هدفه، لكن…
تقطير!
كان عديم القيمة.
وهذا ما جعله يدرك…
في هذا العالم، هو وحيد.
سووش!
شعر ليون بشيء يلمس جانب وجهه. رفع رأسه قليلًا، ورمش بعينه عدة مرات، يراقب ما أمامه.
شعر بشيء حاد يتجه نحو جانب وجهه، وفي المسافة، رأى آلاف العيون تحدق نحوه.
“أين هذا…؟”
رمش ليون بعينيه في حيرة، وعقله يحاول أن يستعيد ما حدث.
ظهر وجه أمامه فجأة.
بعينين رماديتين بدتا وكأنهما تشبهان عينيه بشكل غامض، رمش ليون مرة أخرى.
“آه.”
بدأ أخيرًا في التذكر.
حينها، بدأ جسده يتحرك، وعاد اللون إلى عقله.
استعاد أنفاسه، وأخيرًا عاد إلى وعيه، لكن صدره كان يشعر بثِقلٍ هائل. لم يكن يعرف ما الذي يحدث، لكنه وثق بإحساسه الثقيل، فانحنى للأسفل بسرعة.
سووش!
الوميض البارد للسيف شق الهواء، ومرّ في المكان الذي كان فيه رأسه للتو.
ركل الأرض، وابتعد عن أميل الذي توقف عن الحركة.
“هااا… هاا…”
أنفاس ليون كانت ثقيلة جدًا.
والعرق البارد انساب من جانب وجهه وهو يتذكر ما حدث قبل لحظات.
“…مجال العقلي.”
ارتجف ليون بمجرد أن فكّر فيما حدث.
المجال يمكن أن يتكوّن من أي شيء. يُخلق من “تجارب” الشخص طوال حياته، ويمكن أن يكون [عقلي] أو [جسدي] أو [عنصري].
لا توجد قيود حقيقية، ففي مجال الشخص، هو الحاكم.
وكان مجال أميل مخيفًا لأنه مجال [عقلي]، يركّز بالكامل على تشويش العقل واستدعاء المشاعر والذكريات الدفينة.
“…..”
قبض ليون على قلبه، ينظر بحذر نحو أميل.
كان قريبًا بشكل خطير من الخسارة، ولولا “حدسه”، لكان قد خسر بالفعل.
“لا يمكنني الاعتماد على الحدس.”
فالحدس لا يعمل دائمًا. هناك أوقات يخذلك فيها. وقد أوصله لما هو عليه الآن بعد الكثير من التدريب.
ومع ذلك، لا يزال بعيدًا عن أن يكون موثوقًا.
كان عليه أن يفكر بطريقة مختلفة لمواجهة “مفهوم” أميل.
عقله كان يعمل بسرعة.
رَمَش بعينيه، ثم اختفى أحد النجوم.
لم تعد قوته تنفجر كما في السابق، بل هدأت، وهدّأت عقله.
بدأت الآثار المتبقية من مجال أميل في التلاشي.
أمسك بسيفه، ودار بجسده نحو اليمين، ووجّه ضربة قوية للأسفل.
كلانك!
تطايرت شرارات في الهواء بينما ظهر أميل فجأة من العدم.
انفجرت موجة من الرياح المضغوطة من نقطة التقاء السيفين، قبل أن يبتعد الاثنان عن بعضهما ويهاجما مجددًا.
كلانك، كلانك!
استمرت الشرارات في الطيران بالهواء مع كل تبادل ضربات بينهما.
لم يتراجع أي منهما، بل واصلا التقدم بشراسة.
أصبحت حركاتهما ضبابية، والجمهور الجالس كان على أطراف مقاعدهم، وأعينهم لا ترمش.
لم يرغبوا في تفويت أي لحظة.
كلانك—
تبعثرت شرارة قوية في الهواء بينما كان ليون يضرب بكل ما أوتي من قوة.
أميل قابل شدة ليون، وأنزل نصل سيفه بكل قوته.
كان الاصطدام شرسًا، وقوتاهما اصطدمتا بتوازن مثالي.
النتيجة كانت تبادلًا متساويًا، دون أن يحرز أحدهما أي تقدم على الآخر.
كلانك! كلانك!
استمر القتال على هذا المنوال، حيث كان ليون وأميل يطابقان تحركات بعضهما تمامًا.
طمست شخصياتهم مع كل خطوة يخطوها، وتجسدت مباشرة عندما تبادل الاثنان الضربات.
كان تبادلًا شرسًا هزّ كامل المنصة.
بدأت النقاط داخل عيني ليون تتراكم مع تقدم القتال، بينما أصبحت عينا أميل أكثر قتامة، بلون رمادي أعمق.
كلانك!
تبادلا ضربة أخرى، شدّ ليون جذعه وهمّ بمتابعة الهجوم، لكن فجأة… شعر أن قلبه قد فرغ.
“…هاه؟”
لم يكن قلبه فقط، بل عقله وجسده أيضًا.
عينيه أصبحتا ثقيلتين، والعالم من حوله أصبح ضبابيًا، كل شيء يظهر مزدوجًا.
‘م-ما الذي يحدث؟’
مرتبكًا قليلًا، حاول ليون جاهدًا أن يصفّي ذهنه.
لكن، كلما حاول أكثر، أدرك أن الأمر يزداد سوءًا.
ما الذي…
أنفه اهتز.
شعر بشيء في الهواء، فرفع رأسه. ركّز على محيطه، ولم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى لاحظه.
…كانت رائحة حلوة ممزوجة بالحموضة، تملأ الجو، وتختلط برائحة الحرق والرماد الناتجين عن قتالهما.
عندها فقط… استوعب ليون الحقيقة.
‘اللعنة…!’
لقد وقع في فخ أميل المحبوك بعناية.
وجدت نفسي، دون وعي، أتابع حارس الفتاة من الخلف.
لم أستطع أن أُبعد ناظري عن الرمز المنقوش على ظهر درعها الفضي اللامع.
‘مصادفة…؟’
كان البرسيم ذو الأربع أوراق رمزا يدل على “الحظ”.
لم يكن من الضروري أن تكون مرتبطة بـ “السماء المقلوبة”…
صحيح؟
حبست أنفاسي وواصلت تتبع الاثنين.
وبينما أراقب، أدركت أمرًا مفاجئًا. رغم سيرهما وسط شوارع مزدحمة، إلا أن كليهما تحركا دون أن يلاحظهما أحد، ينسجمان تمامًا مع الضوضاء دون أن يلفتا النظر.
كان هذا غريبًا جدًا، خاصة بالنظر إلى ملابس الحارس الشخصي.
كانت ملفتة للنظر بشكل واضح.
”…آه.”
لم أستغرق وقتًا طويلًا لفهم ما كان يجري.
بينما انعطف الاثنان ودخلا أحد الأزقة، بدأت أشكال تظهر تدريجيًا من الظلال، محيطة بهما.
الفتاة الصغيرة بدت غافلة عمّا يجري، منشغلة بأكل وجبتها الخفيفة.
أما الحارسة، فقد حدّقت في الأشكال لوهلة، ثم أومأت برأسها بخفة.
خرج الاثنان من الزقاق، وتم اقتيادهما إلى قصر ضخم.
كان القصر شامخًا، يعلو فوق كل ما حوله. توجت قبة ضخمة الهيكل، تتلألأ تحت الضوء، وأعمدة شاهقة دعمت الجدران الخارجية، مما زاد من هيبته.
عند بوابة القصر، ظهر البرسيم ذو الأربع أوراق.
وتحته، كُتبت كلمتان:
“ملكية ريلغونا.”
قرأت الكلمات في صمت، وحفرتها في ذهني بعمق، ثم تابعت السير خلف الشخصين داخل البناء.
رغم ضخامة القصر، إلا أن داخله كان هادئًا جدًا.
لم يخرج أحد لاستقبال الفتاة الصغيرة عند دخولها، وكان صوت خطوات الحارسة يرنّ على الأرضية الرخامية وهي تصعد الدرج الطويل.
تابعا المسير بصمت، حتى وصلا إلى باب خشبي ضخم.
توقفت الحارسة، ووضعت يدها على كتف الفتاة الصغيرة.
“تيريزا، ادخلي. سأعود لاحقًا لأخذك.”
لم ترد الفتاة، فقط رمشت بعينيها، قبل أن تفتح الحارسة الباب وتدخلها إلى الغرفة.
كلانك!
ساد صمت غريب في الغرفة بمجرد أن خرجت الحارسة.
وقفت بصمت، أراقب الفتاة الصغيرة وهي تمدّ يديها وتمشي بحذر، حتى وصلت إلى السرير.
“كما توقعت، إنها عمياء.”
كان هذا واضحًا لي.
ما لم أفهمه، هو الطريقة التي تُعامل بها.
مكانتها بدت عالية، خصوصًا أنها تعيش في قصر بهذا الحجم. لكن لشخص بهذا المقام… لماذا تُعامل وكأنها غير موجودة؟
باستثناء الحارسة، لم يبدو أن أحدًا يعترف بوجودها.
هذا جعلني أشعر بالفضول.
خربشة~ خربشة~
بلغ فضولي ذروته عندما سمعت صوت قلمٍ يخط على الورق.
التفتُّ برأسي، فعادت الفتاة إلى مجال رؤيتي.
عيناها كانتا شاردتين، ويدها تمسك القلم كأنها تقبض عليه.
وفي حجرها، كانت ورقة صغيرة ترسم عليها.
“هل… ترسم؟”
كنت أتوقع أن تكون خربشات، لكن في اللحظة التي انحنيت فيها لرؤية ما كانت ترسمه، تجمّد جسدي بالكامل.
“آه، هذا…”
شعرت وكأن يديْن قيدتا عنقي فجأة، وبدأت أجد صعوبة في التنفس.
حدّقت في الرسم… تفاصيله الدقيقة كانت متقنة جدًا، وكأنها عمل محترف.
تعلّقت عيناي بصورة الشخص المرسوم، غير قادرة على النظر بعيدًا.
بشعرٍ بني منسدل، وعينين خضراوين… كان يشبه تمامًا من أتذكره.
لا، هناك نضج خفيف في ملامحه، لكنه بالتأكيد هو.
لم يكن هناك شك.
كيف يمكنني أن أنسى…
____________________________________