الفصل 339: ماضي مختوم [4]
“م-ماذا…!؟”
لم أكن أرغب في تصديق ذلك.
لم يكن للأمر أي معنى، ولكن أثناء تحديقي في الرسم، كنت أعلم دون أدنى شك… أنه كان أخي.
من ملامح وجهه إلى عينيه الخضراوين الفريدتين اللتين جعلتاه يبرز بين الجميع كلما خرجنا.
لم يكن هناك شك في أنه هو.
“مورتوم”
الشكوك القليلة التي كانت تراودني بشأن كون “مورتوم” هو أخي… تلاشت في تلك اللحظة.
كان هذا دليلاً لا يمكن إنكاره على أنه لا يزال حيًّا.
وإلا، لماذا كانت سترسمه؟
أم هل كان هناك سبب آخر؟
“…..”
راقبت الفتاة العمياء في صمت.
كانت يدها الصغيرة لا تزال تواصل الخربشة على الرسم، تضيف له المزيد والمزيد من اللمسات.
لم يكن في الرسم أي ألوان، لكن أثناء تحديقي به، شعرت وكأن الحياة قد دبت فيه.
شعرت وكأنه… حي داخل الرسم.
“من هي هذه الفتاة الصغيرة؟”
كلما نظرت إليها أكثر، زاد فضولي.
كنت قد خطوت خطوة للأمام لأراها بوضوح أكبر… حين توقفت فجأة.
“….!”
حولت انتباهي بعيدا عن يدها، وإلى وجهها، ولاحظت عينيها.
كانتا سابقًا مجوفتين، ولكن هذه المرة… كانتا فارغتين تمامًا، وكأن البؤبؤ قد اختفى.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي وأنا أحدق في تلك الطفلة الصغيرة.
كان هناك شيء مريب فيها لا أستطيع تفسيره.
كلانك —
انفتح الباب فجأة، ودخل عدد من الأشخاص يرتدون ملابس سوداء إلى الغرفة.
وراءهم، رأيت نفس الحارسة التي رأيتها سابقًا، بملامحها الجامدة وهي تنظر نحو يسارها حيث ظهر رجل ذو شعر أبيض طويل وشارب.
كان له حضور مهيب، ومن طريقة تعامل الجميع معه، بدا وكأنه ذو مكانة عالية.
“الملك، ربما…”
لم أكن متأكدًا، لكن المشهد أمامي بدا غاية في الأهمية.
“تيريزا.”
ابتعد الرجال ذوو الملابس السوداء، مفسحين المجال للملك ليتقدم.وحين فعل، ألقى نظرة سريعة نحوهم.
كان كل رجل منهم يحمل صليبًا أبيض في منتصف صدره، وتصرفاتهم الهادئة أوحت بأنهم سحرة.
خربشة ~ خربشة ~
رغم كلمات الملك، لم تجب الطفلة، وواصلت وضع اللمسات الأخيرة على الرسم.
نظر الملك إلى الرسم، وتغيرت ملامحه قليلًا، قبل أن يعود بنظره إلى الرجال.
“افعل ذلك.”
بأمره، تحرك الرجال في أنحاء الغرفة، محاصرين الطفلة التي بدت غافلة عما يحدث.
وبينما تموضعوا، تشكلت دائرة سحرية أرجوانية كبيرة تحت السرير، وبدأت تملأ الغرفة بضوء خافت.
انتشر نسيم لطيف عبر الغرفة بينما كان شعر الفتاة الصغيرة متناثرا على وجهها.
خربشة ~
يدها استمرت في الانزلاق فوق الورقة.
بدا وكأن لا شيء في هذا العالم يهمها سوى الرسم.
وقفت أراقب المشهد في صمت، وشعرت وكأنني أغرق في أعماق المحيط، والتنفس أصبح أكثر صعوبة.
شعرت بالاختناق.
فوووم!
كسر صوت خافت التوتر الذي خيم على المكان، وأضاءت الدائرة السحرية بشكل أكثر قوة.
امتلأت الغرفة فجأة بضوء ساطع اجتمع كله نحو الطفلة الصغيرة.ملابسها وشعرها تطايرا بعنف داخل النور الشديد، كما لو أن عاصفة اجتاحت المكان.
وبمجرد أن هدأت الرياح وعاد كل شيء إلى طبيعته، كانت الغرفة في فوضى، الأثاث مقلوب، والأوراق متناثرة.
وقف الرجال ذوو الملابس السوداء بوجوه شاحبة، وتم كسر رباطة جأشهم السابقة، واستُبدل بنظرات قاتمة.
التفتوا نحو الملك الذي نظر إليهم بقلق.
“لا…”
قال أحدهم بصوت مبحوح.
ارتجف بؤبؤاه وهو يحدق في الفتاة التي لم تظهر أي تأثر بما حدث.
“هـ-هوا…”
تنفس بعمق وتراجع خطوة إلى الوراء.
رفع يده المرتجفة، وأشار نحو الفتاة.
“ج-جلالتك…”
توتر صوته بينما انتفاخت الأوردة على جانب رقبته.
اقتربت لأسمع بوضوح أكبر، كان لدي إحساس بأن كلماته القادمة ستكون مهمة جدًا.
ربما دليل على ما يحدث لأخي الصغير.
ربما—
“…إنه كما كنا نخشى…! إ-إنها ممسوسة.”
لم أكن مستعدًا للكلمات التي خرجت من فمه.وكأن صاعقة ضربت عقلي، نظرت إلى الفتاة التي توقفت أخيرًا عن الرسم.
توترت ملامح الملك ولوّح بيده.
“الكهنة!”
دوّى صوته، وتراجع الرجال السود بسرعة.
وانفجرت طاقة هائلة من جسد الملك بينما نظر نحو الطفلة الصغيرة بقلق وغضب شديدين.
“من أنتِ…؟”
رن صوته العميق في أرجاء الغرفة، حتى أن النوافذ الزجاجية اهتزت من شدته.
كلماته قوبلت بلحظة قصيرة من الصمت.
كان التوتر في ذروته، ورأيت كل من في الغرفة يتصلب مكانه بينما رفعت الطفلة رأسها، وكشفت عينيها المجوفتين وغير المركزتين.
“ما رأيك؟”
أخيرًا، نطقت.
صوتها الطفولي تردد في الغرفة.
كانت تنظر مباشرة إلى الملك الذي بدا متوتراً، لكنه رغم ذلك بقي متماسكًا.
فهو لم يكن ملكًا عبثًا.
“….ماذا فعلتِ بابنتي؟”
“هذا ليس ما سألتك عنه.”
بدت الفتاة الصغيرة خائبة الأمل وهي تضع الورقة جانبًا وتهم بالنزول من السرير. ولكن، ما إن تحركت، حتى اندفع الجميع حولها بتوتر.
توهجت الدوائر السحرية، واستُلت السيوف، جميعها موجهة نحوها.
“لا تتحركي.”
قال الملك بصوته العميق من جديد.
وانفجرت هالة ضغط رهيبة من جسده، غمرت الغرفة بالكامل.
راقبت المشهد في صمت، وعيناي مثبتتان على الملك.
“إنه قوي إلى حد ما.”
لكنه لم يكن بمستوى ديليلا أو بعض الأساتذة.
لكنه كان لا يزال قويا إلى حد ما.
وبما أن هذا من الماضي، فالأمر منطقي.
فأقوى شخص في الماضي، غالبًا ما يكون أضعف بكثير من أقوى شخص في الحاضر.
“…..”
وسط الدوائر والسيوف، لم يكن أمام الفتاة سوى التوقف.
تحدث الملك مجددًا،
“سأسأل مرة أخرى، من أنت؟ ماذا تريدين؟ …وماذا فعلتِ بابنتي؟ أجيبي وأنا أتكلم بلطف، وإلا فهناك طرق أخرى لمعرفة الحقيقة.”
“…..”
وقفت الفتاة الصغيرة في صمت للحظة، تتفحص ملامح الحضور.
وبشكل عابر، شعرت وكأن نظرتها توقفت عندي، وتسلل البرد إلى جسدي بالكامل.
رغم أنني لم أكن بجسد مادي، شعرت بعرق بارد يتساقط على أطرافي.
وانقبض قلبي.
“لقد جئت لأسترد.”
قالت الطفلة أخيرًا، بصوت هادئ بشكل مخيف، وارتسمت ابتسامة على وجهها الناعم.
تحولت براءتها إلى شيء مشوّه ومقلق، أرسل قشعريرة عبر الغرفة.
“تستردين…؟”
ضاقت عينا الملك، وكأنه يحاول تذكّر شيء ما.
بدا ضائعا في البداية، ولكن سرعان ما تغير تعبيره بشكل كبير.
“آه، يبدو أنك تذكّرت.”
ضحكت الفتاة الصغيرة، ضحكتها كانت ناعمة… لكنها مزعجة، تتردد أصداؤها في الغرفة.
“آه، ولكن…”
“لا يوجد لكن.”
جلست على طرف السرير، ووضعت ساقًا فوق الأخرى.
“أين هو؟”
بدأت ابتسامتها تتلاشى ببطء، بينما ازدادت عيناها شفافية.
“الدم… أين هو؟”
شحب وجه الملك، وبدأ جسده يرتجف.
بدا تائهًا تمامًا ولا يعرف ماذا يقول، وبينما كنت أحدق به، بدأت لدي فكرة عما كان يحدث.
لقد رأيت مشهدًا مشابهًا من قبل.
“…إمبراطورية العدم.”
هل يُعقل…؟
اتسعت عيناي بينما قفزت الفتاة الصغيرة أخيرًا من السرير.
“لا تتحر—!”
حاول الكهنة والحراس إيقافها، ولكن كل ما فعلته هو نظرة واحدة نحوهم… فتوقفوا تمامًا.
طقطقة!
انكسرت أعناقهم إلى الخلف.
تجمدت الغرفة بالكامل عندما اقتربت الفتاة من الملك، الذي بدأ يتراجع إلى الخلف.
“ه-ذا…”
بدا وكأنه يريد قول شيء، لكن الكلمات علقت في حلقه.
رغم أن حجمها أصغر بكثير منه، بدت أطول وأقوى حضورًا من الملك، الذي أصبح وجهه شاحبًا ومبللًا بالعرق.
عيناه تهتزّان، وشفاهه فاقدة للون.
“ك-كان من أجل… ابنتي.”
“آه، أعلم.”
توقفت الفتاة الصغيرة.
“أردت أن تعالج ابنتك المحتضرة.
في يأسك، أخذت الدم… وحاولت إعطاءه لها.”
توقف الملك، وفمه جف من الكلمات.
وقفت في صمت، واستمعت إلى كل هذا وتوصلت إلى فهم مفاجئ.
هذا عندما التفت لأنظر إلى الفتاة الصغيرة.
“جامع…؟”
كنت أعلم عن هذا، وشعرت بالتوتر حين تذكرت أن في داخلي قليل من دم مورتوم.
هل سيأتون من أجلي أنا أيضًا؟
“الأفعال لها عواقب.”
قالت الفتاة الصغيرة، وقد بدأ صوتها يبرد.
“آه…”
صدر صوت غريب من فم الملك وهو يستجمع صوته أخيرًا.
وبوجه شاحب، قال:
“أنا… أستطيع إصلاح هذا.”
“هل يمكنك؟”
أمالت الفتاة رأسها، وظهرت ابتسامة مجددًا على وجهها.
“كيف؟”
“هـ-ذا…”
“إذاً لا تستطيع.”
“أنا…!”
“هشش.”
وضعت الفتاة الصغيرة إصبعها على شفتيها، وساد الصمت في الغرفة.
كأن كل الأصوات قد امتصّت منها.
استدارت الفتاة، ووضعت يديها خلف ظهرها، ثم سارت نحو النافذة، حيث حدقت في الشمس البيضاء المعلقة في السماء.
طوال حديثها، بقي الجميع متجمدًا في مكانه، غير قادرين على الحراك.
راقبت المشهد بعبوس.
“…هل هي حقًا من جامع؟”
لسبب ما، بدت مختلفة قليلًا عن أطلس.
هيييييك—
صرخة مفاجئة أخرجتني من أفكاري.
فزعت، ونظرت خارج النافذة، وهناك رأيته.
هيييييك—
رجل يخنق امرأة مارة.
كانت عيناه مجنونة، والجميع من حوله يحاول إبعاده عنها.
“…كما قلت، الأفعال لها عواقب.”
اهتزت عينا الملك عند كلماتها.
تحرك فمه، لكن لم يخرج منه أي صوت.
بدا أن الغرفة قد جُرّدت تمامًا من الأصوات.
هيييييك—
صرخة أخرى اخترقت الهواء، وتبعتها صرخات متتالية، حتى غرق العالم في جوقة من الصراخ المؤلم.
تجمّع الدم على الأرض، وصبغها بلون أحمر قاتم.
وقفت في صمت، أراقب كل هذا يحدث… دون أن أعرف كم مضى من الوقت.
لم أعد إلى وعيي إلا عندما لاحظت مجموعة من الناس مصطفين أسفلي، أجسادهم متيبّسة، ورؤوسهم ممدودة للأمام، وكل واحد منهم يحمل رأسه المقطوع بيديه المرتجفتين.
كان مشهدًا أرسل قشعريرة عبر جسدي.
“همم؟”
إحساس غريب قبض على صدري وأنا أحدق في المشهد.
“ما هذا بحق الجحيم؟”
ثم أدركت ما هو…
لماذا كنت أشعر… بالفرح؟
راقبت الفتاة الصغيرة كل شيء في صمت، وتعبير وجهها غير قابل للقراءة.
ببطء، رفعت رأسها وحدّقت في الشمس البيضاء المعلقة في السماء.
تحولت عيناها المجوفتان إلى فراغٍ أعمق، وفتحت فمها مستعدة للكلام مجددًا.
اقتربت لا شعوريًا، مشدودًا بكلمتها القادمة.
شعرت أنني بحاجة لسماع هذا.
كان يجب أن—
“ماذا أريد؟”
رمشت بعينيها، وتلاشت بؤبؤاها بالكامل.
“…أريد أن أقلب السماء.”
__________________________________