الفصل 346: ماذا يعني أن تكون الأفضل؟ [3]
كم من الوقت مضى منذ بداية المعركة…؟
“هاه… هاه…”
رغم كل محاولات جوليان للحفاظ على تنفسه ثابتًا، لم يستطع ذلك. ذهنه كان مشوشًا ورؤيته بدأت بالتشوش قليلًا.
لقد كان مرهقًا أكثر بكثير مما توقع في البداية.
احتياطي المانا لديه كان لا يزال جيدًا، لكن الإرهاق الجسدي هو ما جعله عاجزًا.
استخدمت “المفاهيم” الكثير من القدرة على التحمل.
وليس ذلك فقط، بل إن الضغط الذي تسببه على جسده لم يكن بسيطًا أبدًا. ساقاه وعضلات فخذيه كانت ترتعش، وعضلات ذراعيه كانت تهتز.
كان هذا نتيجة الإفراط في استخدام جسد ينتمي في الأصل إلى ساحر.
“لا يمكنني استخدام الجرم السماوي الأخضر سوى مرة واحدة بعد.”
الوضع كان بعيدًا عن المثالية.
لم يكن أمامه خيار سوى تقليل استخدامه للمفاهيم.
“تبدو مرهقًا.”
رفع جوليان رأسه، فرأى كايوس وهو يهز ذراعيه. بدا هادئًا على السطح، لكن الارتجاف الخفيف في ذراعيه كشف أنه هو الآخر قد تلقى إصابات.
حاول التظاهر بأنها لا تؤذيه، لكن جوليان رآها بوضوح.
وربما بعدما أدرك ذلك، ابتسم كايوس ولوّح بيده نحو جوليان.
قوة هائلة أمسكت بذراع جوليان، ودفعته جانبًا. وقبل أن يتمكن من الرد، سُحبت ذراعه الأخرى أيضًا، كاشفةً عن صدره مرة أخرى.
“أوخ.”
حاول جوليان المقاومة، لكن قبل أن يفعل شيئًا، امتدت يد من خلفه وأمسكت بكتفه.
“متى…!؟”
اهتز عقل جوليان.
لم يكن هناك وقت للتفكير.
أخذ نفسًا عميقًا وركّز على مكان اليد التي امتدت نحوه.
ثم اتخذ خطوة صغيرة إلى الأمام.
[خطوة القمع]
ازدادت الجاذبية حول الذراع، وأوقفتها في مكانها. عندها لفّ جوليان جذعه وشدّ ظهره، وظهرت كرة حمراء في ذهنه.
ومع تدفق القوة خلال جسده، وجه لكمة مستقيمة.
سووش!
الهواء التف حول قبضته.
صفير صامت شق الهواء بينما ظهر كايوس أمامه مباشرة.
كان يبدو هادئًا بشكل غريب.
…ولم يكن ذلك غريبًا. ففي اللحظة التي استدار فيها جوليان، اختفى جسد كايوس وظهر خلفه.
الجمهور صرخ بدهشة، وبعضهم وقف من مقاعده فجأة.
“آه..!”
مدّ كايوس يده نحو عنق جوليان المكشوف.
من المؤسف أن جوليان لم يستدير أبدا منذ البداية.
ففي اللحظة التي اختفى فيها كايوس، اختفى جوليان كذلك، ليظهر على بعد خطوات من مكان كايوس.
كل ذلك كان خدعة بصرية.
جوليان لم يكن في حالة تسمح له باستخدام مفاهيمه بشكل متهور.
ما فعله كان فقط ليربك كايوس ويبعده عنه.
وفي الوقت نفسه، كسب بعض الوقت لاستعادة جزء من طاقته.
“هوو.”
أخذ جوليان نفسًا عميقًا.
ظهرت صورة في ذهنه.
كانت صورة فتاة تقف وحدها أمام تنين ضخم، بينما كان المئات يقفون خلفها بصمت، عاجزين عن قول أي كلمة.
ومع تطاير ثيابها كاشفة عن وجهها الشاحب، بدأ صدره يؤلمه.
جمع المشاعر التي تراكمت في صدره، وأخذ نفسًا عميقًا وهو يحدّق في كايوس، الذي بدا عليه تعبير مشابه.
على الرغم من أن كايوس فضل كثيرا استخدام مفهومه، في هذه الحالة، لم يكن لديه خيار سوى أن يفعل الشيء نفسه.
“سأحضرك إلى عالمي…”
في اللحظة نفسها، تحدث الاثنان، وتداخلت أصواتهم.
“الحزن.”
“الخوف.”
وسرعان ما خيّم الصمت على المدرج.
كل الأنظار اتجهت نحو جوليان وكايوس، وبدأ الجمهور ينهض واحدًا تلو الآخر.
وذلك لأن…
كلا الطرفين كانا متجمدين في مكانهما، لم يتحرك أي منهما.
“ما الذي يحدث؟”
“لماذا لا يتحركان؟”
الهمسات انتشرت في كل أرجاء المدرج، وكل العيون كانت تحدق بذلك المشهد الغريب فوق المنصة. لم يفهم أحد ما كان يحدث، حتى كارل الذي وقف بدوره.
“ما الذي يجري؟ لماذا تجمدا؟ هل هي نتيجة تعادل؟”
“لا.”
هزّت يوهانا رأسها، وكان وجهها جادًا وهي تنقل نظراتها بين جوليان وكايوس.
“… إنهما يقاتلان.”
“هاه؟”
استدار كارل نحوها بدهشة. يقاتلان؟ كيف؟ إنهما لا يتحركان أبدًا…
“لا يوجد الكثير من السحرة العاطفيين، لذا فالمعلومات عنهم غير منتشرة. لكن في حالات نادرة حين يتقاتل اثنان من هذا النوع، فإن أسلوب القتال يتغير.”
“بأي معنى؟”
“همم.”
جعدت يوهانا شفتيها، وحدّقت بجوليان وكايوس للحظة.
ثم تنفست ببطء وأشارت إلى جانب رأسها.
“هنا.”
قالتها بصوت منخفض.
“… إنهما يقاتلان هنا. ومن هذه اللحظة، من ينهار أولًا… سيخسر.”
“أين أنا…؟”
تموج~
الأرض من تحتي تموجت، مشكلة دوائر صغيرة من الموجات انتشرت في جميع الاتجاهات.
عندما نظرت إلى الأسفل، لم أستطع رؤية انعكاسي.
كنت محاطًا بالبياض من كل جانب.
تموّج~
من بعيد، سمعت تموجًا آخر. وعندما رفعت رأسي، ظهر كايوس، موجات صغيرة تشع إلى الخارج من جسده في استجابة معكوسة. التقت موجاتنا، وألغت بعضها البعض.
نظرت حولي بحيرة.
في الجهة المقابلة، بدا كايوس هادئًا.
“تبدو وكأنك مرتبك مما يحدث.”
كان صوته لطيفًا، ومع ذلك، بدا كأنه يدوّي في كل مكان.
“أوخ.”
رفعت يدي لأمسك رأسي النابض بالألم.
نظرت إلى كايوس، الذي بدا مدركًا تمامًا لما يحدث، فشدّدت على ساقي وانطلقت نحوه.
أياً كان ما يحدث، لم أرد إضاعة الوقت بالكلام.
تموّج~ تموّج~
تشكل تموّج مع كل خطوة أخطوها.
في بضع أنفاس، ظهرت أمام كايوس، الذي نظر إليّ بابتسامة هادئة. وبسبب هدوئه، بدأت أجراس الخطر تدق في ذهني.
لكن الوقت كان متأخرًا جدًا لأجري أي تعديل.
شدّدت ظهري وقبضت يدي بقوة، وتخيلت كرة حمراء في ذهني.
“هاه؟”
ذهني خلى من كل شيء، فلم تأتِ القوة التي اعتدت استقبالها. لا، بل لم أتمكن من تصور الكرة الحمراء على الإطلاق.
“ما الذي يجري—”
اهتز العالم من خلفي، وتوهج ضوء أحمر باهت من ورائي.
من شدة الصدمة، تباطأت حركتي.
“أوه؟”
نظر كايوس خلفي، ومال رأسه قليلًا باهتمام.
“…هذا مثير للاهتمام.”
فوووش!
ازدادت صدمتي عندما اخترقت قبضتي جسده دون أن تصيبه. ترنحت للأمام، وتشكلت عدة تموجات تحت قدمي، وعندما استعدت توازني ونظرت خلفي، انحبس نفسي.
“هذا…”
ظهرت كرة حمراء حيث كنت أقف. كانت تطفو في وسط هذا العالم الأبيض.
رمشت بعيني عدة مرات، غير قادر على استيعاب ما يحدث.
“كيف يمكن أن…”
“الغضب، هاه؟”
كان كايوس يدير ظهره لي، وكان تركيزه بالكامل على الكرة الحمراء الطافية في هذا العالم الأبيض.
لم أرَ وجهه، لكني شعرت بالاهتمام في صوته.
“مفهومك، إنه جميل.”
فتحت فمي، لكن أوقفت الكلمات من الخروج. راقبت العالم الأبيض حولي، وهدأت مشاعري، وأخذت نفسًا صغيرًا.
“أين نحن…؟”
عندها فقط، وبعد أن هدأت وراقبت محيطي جيدًا، أدركت شيئًا مهمًا.
“…أنا لست في جسدي الحقيقي.”
كنت قادرًا على الحركة والكلام، لكن لم أستطع جمع أي قوة في جسدي. وبنفس الوقت، لم أستطع استخدام أي تعويذات.
هذا لم يترك لي سوى استنتاج واحد…
“نحن داخل عقولنا.”
“صحيح.”
قال كايوس، وأخيرًا أدار رأسه ناحيتي.
ضغط بإصبعه على صدغه، ثم أكمل:
“عادة لا أتكلم أثناء القتال، لكن بما أننا هنا، يمكننا التحدث قدر ما نشاء. فبعد كل شيء…”
ابتسم ابتسامة باهتة.
“…كل شيء من الآن فصاعدًا هو لعبة ذهنية.”
رررمبل! رررمبل—!
اهتز العالم، وبدأت الشقوق تتكون في المساحة التي تحيط بنا. الكرة الحمراء في الطرف البعيد بدأت تومض، بينما شقوقٌ أكثر فأكثر شقت نسيج هذا العالم الأبيض المحيط.
امتدت الشقوق كشبكة عنكبوت، وبلغت كل زاوية من زوايا هذا العالم حتى…
كراااك!
تحطم كقطعة زجاج مكسورة.
وحلّ مكان العالم الأبيض… عالم مظلم.
“ررررررررررراااااااه—”
زئير مرعب اندفع بقوة بعد ذلك، مخترقًا ذهني بالألم، جعلني أترنح للخلف.
ظهر ظل هائل فوقي، وسرعان ما ظهر مخلوق طويل ونحيف.
كان رأسه أكبر من الطبيعي، بعينين خاويتين لا تحويان شيئًا، وفم واسع مليء بالأسنان المكشوفة المسننة، تلمع بشكل مخيف وهو واقف أمامي.
“هاه… هاه…”
أصبحت أنفاسي أثقل عند المنظر الذي استقبلني.
“ما هذا…”
با… ثامب! با… ثامب!
خلفه، رأيت عدة جثث.
رؤيتهم سببت ألمًا في صدري، وأغرقت ذهني، وبدأت أعاني في التنفس. لكن الأهم من ذلك، أنني لاحظت أن جسدي أصبح أصغر.
خاصة يداي…
بدتا صغيرتين… كيدي طفل.
يقطر! يقطر…!
كان اللعاب يتساقط من فم ذلك المخلوق وهو يقترب مني.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وقلبي ينبض بعنف في ذهني.
حاولت أن أطرد المشاعر بعيدًا، بذلت جهدًا كبيرًا لأغلقها، لكنني لم أستطع.
الخوف استمر في التسرب إلى داخلي، بلا رحمة، خانقًا، بينما العالم حولي ابتلعه صمت غريب.
اقترب المخلوق خطوة أخرى، ونظره الخاوي مركّز عليّ كما لو كنت وجبته التالية.
شعور غريب بالعجز اجتاحني، والألم في صدري ازداد كلما نظرت إلى الجثث خلفه.
يقطر!
سمعت صوت سقوط شيء آخر.
لكنه لم يكن من المخلوق.
شعرت بشيء دافئ ينزل على خديّ، وعرفت أنه مني.
الألم الذي رافق تلك الدمعة أكّد ذلك.
“لا… لا أريد لهذا أن يحدث…”
غطّيت فمي، محاولًا بكل جهدي إبعاد المشاعر.
كان الأمر صعبًا، وذهني بدأ يضعف.
لكن وسط هذا كله، فهمت ما الذي يحدث. وهذه الحقيقة جعلتني أرتجف.
“أنا…”
هذا العالم… إنه العالم داخل عقولنا.
كايوس أكّد ذلك مسبقًا.
لكن ما لم يقله هو…
أن في هذا العالم… أول من ينهار، هو أول من يخسر.
وأنا…
يقطر!
انهمرت الدموع على وجهي.
وهذه المرة، كانت أكثر بكثير من ذي قبل.
صدرى خفق، وألم شديد اجتاح ذهني فجأة. سرق أنفاسي، وسحب كل طاقتي.
شعرت بالضعف، وشفتي بدأت ترتجف.
وفي تلك اللحظة…
كراااك!
تحطم العالم الأبيض، مدمّرًا كل ما كان أمامي.
بييب… بييب! بييب… بييب!
ما جاء بعد ذلك كان أصواتًا خفيفة، منتظمة.
أصوات أيقظت أعمق الصدمات في داخلي.
“…لا أريد أن أحطمك.”
__________________________________