الفصل 375: منزل إيفينوس [3]
“…. لقد وصلت أخيرا.”
كان من استقبلني عند مدخل القصر هو والد جوليان.
كان يرتدي نفس الملابس الرسمية التي ارتداها في الحفل الختامي قبل بضعة أيام، وكان يحمل هالة من الهدوء.
“كنا نتوقع أن تصلان في وقت أبكر، لكن لا بأس بهذا أيضًا.”
استدار لينظر إلى العديد من الخدم الذين اصطفوا خلفه.
نظرت إليهم، لكن لم يجرؤ أحد منهم على النظر إلي.
كان الأمر وكأنهم يتعمدون تجنب نظراتي.
“ربما هذا صحيح.”
كان ليون قد حذرني مسبقًا أن سمعتي داخل العائلة ليست جيدة.
“من الجيد أنني توقعت هذا مسبقًا.”
منذ اللحظة التي أغلق فيها الستائر ونحن نعبر المدينة، كنت أعلم.
“لينوس غير موجود حاليًا. إنه يتدرب في مكان ما استعدادًا لامتحان القبول في أكاديمية هافن.”
لينوس هو شقيق جوليان الأصغر.
على الأقل، هذا ما أتذكره مما قاله لي ليون.
“إذاً هو ينوي الانضمام لأكاديمية هافن؟”
لم يؤثر هذا الخبر علي كثيرًا.
في أفضل الأحوال، كان مزعجًا لأنني سأضطر للتعامل معه في الأكاديمية.
“اجعلوا أنفسكم مرتاحين. لدينا العديد من الأشياء المهمة لمناقشتها في الأيام القليلة المقبلة.”
تلك كانت الكلمات الأخيرة التي قالها والد جوليان قبل أن يغادر مع عدد من الخدم.
منذ البداية، لم يمنحني سوى نظرة واحدة.
كان يخاطب إيفلين طوال الوقت.
ساد صمت غريب بعد رحيله.
وقفنا محرجين لبضع ثوانٍ قبل أن أفتح فمي أخيرًا.
“ما الذي تفعلينه هنا؟”
“….أنا نفسي أريد معرفة ذلك.”
أجابت إيفلين بابتسامة مريرة.
“تمت دعوتي فجأة، ولم أستطع الرفض لأن والدي أمرني بالحضور.”
“انتظري، هل يمكن أن يكون…؟”
ارتفعت حاجباي فجأة حين راودتني فرضية ما.
“لا يمكن أن يكون الأمر هو—”
“لا تقلها.”
قاطعتني إيفلين قبل أن أكمل كلماتي.
بدت وكأن لديها نفس التخمين، لكن من تعبير الإحباط على وجهها، عرفت أنها ليست سعيدة بالموقف.
لا أستطيع أن ألومها، فقد بدأ قلبي ينقبض.
“تحالف زواج…”
على الرغم من أنه كان مجرد تخمين، إلا أنه كان التخمين الأكثر احتمالا.
عائلة إيفلين كانت قوية جدًا، ومع تاريخ العلاقتين بين العائلتين ومحاولاتهما السابقة لترتيب زواج بين جوليان وإيفلين، لن يكون من المفاجئ أن يحاولوا ذلك مرة أخرى بعد إنجازاتي الأخيرة في القمة.
كان هذا تطورًا مزعجًا يجب أن أضع له حدًا في أسرع وقت ممكن.
لحسن الحظ، لم يبدو أن الأمور قد تطورت بعد.
ما زالت في بدايتها، وبالتالي يمكن إيقافها بسهولة.
“س-سيدي الشاب.”
تردد صدى صوت ناعم أمامي.
رفعت رأسي، فإذا بفتاة شابة ذات شعر بني ناعم ونظارات، وملامح خجولة، ترحب بي.
لم تجرؤ على النظر في عيني، وكانت ترتدي الزي نفسه الذي يرتديه بقية الخدم.
نظرت إلى ليون.
“من هذه…؟”
“خادمتك الشخصية.”
“آه.”
“أمم.”
أومأت لها بخفة، وارتجف جسدها قليلًا.
تشنج وجهي عند هذا المشهد.
بدت حقًا وكأنها خائفة مني.
ما الذي فعله جوليان بها بحق السماء…؟
“س-سأرشدك إلى غرفتك… إذا ت-تبعتني.”
كان من الصعب سماع صوتها وهي تتحدث في همس ناعم. اضطررت إلى إجهاد أذني بعناية من أجل سماعها بشكل صحيح.
ومع ذلك، لم أضايقها.
….فقط أومأت لها ببرود، ويبدو أن ذلك منحها بعض الراحة، إذ استدارت وتوجهت نحو داخل القصر.
نظرت إلى ليون وإيفلين للحظة قبل أن أغادر.
“لا بأس… سأغتنم هذه الفرصة للراحة قليلاً.”
وقف ليون وإيفلين بصمت، يشاهدان جوليان وهو يدخل القصر بهدوء.
كانا يشعران بالتوتر المحيط به، حيث بدا أن كل من حوله كان على حافة التوتر.
كانت هالته خانقة.
ولم يهدأ الجو إلا بعد أن غاب عن الأنظار.
كان بعض الخدم شاحبين، بينما مسح آخرون جباههم وتنفسوا بارتياح.
نظرت إيفلين إلى هذا المشهد، ثم حولت نظرها نحو ليون.
“…يبدو أن الجميع هنا يكرهه حقًا.”
“أنتِ لم تكوني مختلفة كثيرًا عنهم منذ وقت ليس ببعيد.”
“أمم، صحيح.”
كان ذلك صحيحًا.
فهي كانت مثلهم تمامًا.
….ولا يمكنها أن تلوم نفسها.
فجوليان… “الحقيقي” كان مختلفًا كثيرًا عن جوليان الحالي.
كان شخصًا يصرخ لأتفه الأسباب.
سواء لأنه لا يحب الطقس، أو لأن شخصًا نظر إليه، كان دائمًا ما يجد عيوبًا في الآخرين.
كان طاغية.
“صحيح…”
ظلت عينا إيفلين مركزة على ليون الذي تهرب من نظرتها.
وكأنه كان يعلم بالفعل ما كانت ستقوله.
لكنها لم تكن ستتغاضى عن ذلك هذه المرة.
هي… لم تكن ستسمح لنفسها بأن تُخدع من جديد.
ولهذا السبب، أمسكت بذراعه وسحبته معها نحو منطقة أكثر عزلة في القصر.
ولأنها نشأت في هذا المكان، كانت تعرفه ككف يدها، وسرعان ما وصلا إلى غرفة مألوفة.
كانت صغيرة، تحتوي فقط على سرير وخزانة خشبية.
لكنها كانت غرفة يعرفانها جيدًا.
كانت غرفة طفولة ليون.
بانغ!
أغلقت إيفلين الباب بقوة خلفها، ثم أفلتت ذراع ليون.
“قل لي الحقيقة.”
كان صوتها منخفضًا، وعيناها ضيقتان.
“هذا ليس جوليان الحقيقي، صحيح؟”
“لقد قلتها من قبل. عامليه كما لو أن جوليان الذي أعرفه قد مات. لم أفهم كلماتك حينها، لكنني الآن أدرك. إنه “ذلك” جوليان.”
“…ذلك؟”
“أنت تعرف ما أتحدث عنه.”
ضاق بصر إيفلين أكثر.
“كنت ستقتله مباشرة لولا ذلك الأمر.”
عض ليون شفته وبقي صامتًا.
لم يؤكد كلامها ولم ينفه.
لكن صمته كان كافيًا بالنسبة لإيفلين، فتنهدت وجلست على السرير.
أصبح صوتها أكثر رقة.
“منذ متى؟ هل ظهرت عليه علامات العودة إلى طبيعته السابقة؟ هل… هل…”
عضّت إيفلين شفتها.
“هل تغير حقًا؟”
ظل ليون صامتًا.
لم يكن يعرف ما يقوله.
هل تغير فعلًا…؟
الإجابة كانت واضحة.
هي تعرف الإجابة بنفسها.
ربما لم تستطع الوثوق تماما بما رأته.
خاصة أن جوليان قد تغير مرات عديدة في الماضي.
ربما كانت المرة الأولى مفهومة، لكن الثانية؟ والثالثة؟ والرابعة؟ والخامسة…؟
أي شخص سيبدأ بالتساؤل: هل هذا تغيير مؤقت، أم حقيقي؟
ليون نفسه عانى لقبول الأمر في البداية.
لكن بعد مراقبته لجوليان طويلاً، أصبح واثقًا.
جوليان “القديم” لم يعد موجودًا.
لقد تغير.
….ولن يعود.
“هل يمكنك أن تجيبني…؟”
أخيرًا، وجه نظره نحو إيفلين ورأى تعبير وجهها.
أغلق عينيه للحظة قصيرة.
ثم، بعد صمت طويل، أومأ برأسه.
“نعم.”
أجاب،
“…لقد تغير.”
“و-وصلنا.”
انفتح الباب الخشبي الكبير، كاشفًا عن غرفة مزينة بشكل رائع.
كان هناك سرير فاخر في المنتصف، محاط بنوافذ واسعة تسمح بدخول ضوء ناعم.
تطايرت الستائر برقة مع نسيم منعش، وإلى الجانب، كان هناك مكتب خشبي متين بجوار مكتبة طويلة ممتلئة بالكتب.
(إذاً هذه غرفة جوليان…)
لابد أن أقول.
كانت فخمة.
….رغم أنها ليست بجمال الغرفة التي قدمتها لي الأكاديمية، لكنها ما تزال جيدة جدًا.
كافية لتجعلني أشعر بالراحة.
“إذا كان هناك أي مشاكل… ف-أخبرني فقط.”
وبعد بضع كلمات إضافية، استدارت الخادمة وغادرت مباشرة.
“هوك!”
وأثناء خروجها اصطدمت برأسها بجانب الباب، واضطررت لأن أمنع نفسي من الضحك بينما بدأت الدموع تنزل من عينيها.
“أوووووه.”
نظرت إلي ثم إلى الباب قبل أن تندفع خارجة.
“….هوو.”
استغرق الأمر دقيقة كاملة لتهدئة كتفي المرتجفين من الضحك، قبل أن يدخل خادم آخر حاملاً أمتعتي.
“يمكنك وضعها هنا.”
“…نعم.”
انتهى التبادل بسرعة، حيث أنزل أمتعتي وغادر مباشرة.
كلانك!
عندها فقط، خيّم الصمت على الغرفة، ولم يعد أحد يزعجني بعد ذلك.
“هاه.”
سقطت على السرير، ورفعت رأسي لأنظر إلى السقف.
لم أكن مرهقًا كما كنت بعد انتهاء البطولة، لكني كنت لا أزال متعبًا إلى حد ما.
خاصة وأن رحلة العربة كانت طويلة جدًا.
فكرت في النوم، وكنت على وشك أن أفعل ذلك، حين وقعت عيناي على رف الكتب بجانب المكتب الخشبي المقابل للسرير.
راودتني فكرة وأنا أنظر إلى رف الكتب.
“….ما نوع الكتب التي كان يقرأها جوليان؟”
هل يمكنني أن أتعرف أكثر على شخصيته إن تصفحتها؟ كانت مجرد فكرة، ونظرًا لأن الشمس لا تزال ساطعة في الخارج، قررت أن ألقي نظرة.
كان لدي بعض الوقت لأضيّعه على أي حال.
“لنرى.”
أول كتاب التقطته كان عن فنون السيف.
“….فنون السيف؟”
عبست لكنني لم أفكر كثيرا في الأمر حتى أخرجت الكتاب التالي.
“مرة أخرى عن فنون السيف…”
توقفت لوهلة، ثم وضعت الكتاب جانبًا وأخذت الكتاب الذي يليه.
وكان أيضًا عن فنون السيف.
واحدًا تلو الآخر، كانت كل الكتب تدور حول فنون السيف.
وكلما تفحصت القائمة أكثر، كلما أدركت الحقيقة أكثر.
جوليان…
كان مهووسًا بفنون السيف.
رغم أنني رأيت بعض التلميحات لذلك في الماضي، إلا أنني لم أكن قد أوليت الأمر اهتمامًا من قبل.
كانت هناك أمور كثيرة تشغل انتباهي بالكامل.
“هذا…”
بحلول الوقت الذي سحبت فيه الكتاب العشرين عن فنون السيف، لم يكن لدي خيار سوى أن أتوقف.
بهذا المعدل، لن أجد سوى كتب عن فنون السيف.
“….هل هذا كل شيء؟”
نظرت إلى الأغلفة الصلبة للكتب أمامي، ثم هززت رأسي.
“حسنًا، أعتقد أنني اكتشفت شيئًا على الأقل.”
وهو أن جوليان السابق كان مهووسًا بأن يصبح مبارزًا.
كنت على وشك أن أعيد جميع الكتب إلى مكانها عندما توقفت فجأة.
“همم؟”
كان هناك كتاب آخر مدسوس في الزاوية البعيدة من رف الكتب.
كان ذا لون أحمر ويبدو مختلفًا بعض الشيء عن البقية.
عرفت الكتاب من أول نظرة… أو بالأحرى، لم يكن كتابًا، بل كان أقرب إلى دفتر يوميات.
“أليس هذا…؟”
هناك دفاتر يوميات معينة يمكن شراؤها، تحتوي على قفل خاص لا يُفتح إلا باستخدام موجة المانا الفريدة الخاصة بصاحبها.
لكل شخص بصمته الخاصة في المانا، وإذا حاول شخص مختلف فتح الدفتر، فسيحترق على الفور.
كنت قد رأيت العديد منها تُباع في مدينة بريمر، بما أن اليوميات كانت شائعة جدًا بين الأسر النبيلة، و…
الآن، وجدت واحدًا منها في هذه الغرفة.
“هذا…”
“أعتقد أنني وجدت دفتر يوميات جوليان.”
با … ضرع! با… ضرع!
شعرت بنبضات قلبي تتسارع بثبات، بينما التقطت دفتر اليوميات وحدقت فيه للحظة قبل أن آخذ نفسًا عميقًا.
ثم بدأت بتوجيه المانا الخاصة بي إليه.
“آمل أن ينجح هذا.”
كنت متوترًا من احتمال عدم نجاح الأمر، لكن ما إن أوصلت المانا إلى دفتر اليوميات، حتى انبعث منه وهج ناعم.
وبعد لحظات، سُمع صوت “نقرة ” هادئ في الجو، مشيرًا إلى أن القفل قد انفتح.
لم أضيع لحظة وفتحت الدفتر.
وفي اللحظة التي فعلت فيها ذلك، اتسعت عيناي وتجمد قلبي.
“آه.”
ما هذا بحق السماء…؟
_____________________________________
ترجمة : TIFA