الفصل 404: تجمع الكنائس السبع [1]
“هل أنت تابع إلى كنيسة أوراكلوس؟؟”
أدركت خطأي على الفور تقريبا. لم أكن متأكدا مما كنت أفكر فيه، لكن الكلمات تدفقت من فمي قبل أن أتمكن حتى من التفكير بشكل صحيح.
“…هل هذا ما هو عليه؟ حسنا، سأبدأ—”
“في الواقع، هذا ليس صحيحًا.”
“أم؟”
رفع البروفيسور نظره ونظر إلي.
“هذا ليس صحيحًا؟”
“نعم.”
أومأت برأسي بخفة وأنا أضع تعبيرًا متضايقًا.
“…تلك هي الكنيسة التي يعبدها أفراد عائلتي. لكن في الحقيقة، أنا أتبع حاكماً آخر.”
“أوه!”
تومض نظرة الإدراك على وجه البروفيسور.
“أفهم. لا داعي للقلق. يحدث ذلك في كثير من الأحيان.”
“نعم، أعتذر.”
“لا بأس، لا بأس.”
شطب البروفيسور ما كتبه لي، وضغط بالقلم على اللوحة.
“من هو الحاكم الذي تتبعه إذًا؟”
“…سيثروس.”
“سيثروس؟ أستطيع أن أرى ذلك.”
ضحك البروفيسور بخفة، وكتب المعلومات المتعلقة على الورقة، ثم صرفني.
“ستتلقى دعوة خلال الأيام القادمة. يمكنك المغادرة الآن. استمتع بيومك.”
“حسنًا.”
لم أمكث أكثر وغادرت بعدها بفترة قصيرة.
لحق بي ليون بعد قليل، وهو ينظر إلي بعبوس.
“أي حاكم اخترت؟”
“سيثروس.”
توقفت خطوات ليون. لاحظت التغير الطفيف في تعابيره، فاستدرت لأنظر إليه.
“ما الأمر؟”
ليون لم يرد.
كان على وجهه عبوس مرتبك قبل أن يهز رأسه.
“في الواقع، لا بأس.”
“عائلة إيفينوس تابعة لمورتوم.”
مورتوم…؟
رغم أنني كنت أشك بذلك… إلا أن الأمر فاجأني بعض الشيء.
لم تكن هناك إشارات كثيرة تدل على ذلك.
“العائلة تتبع مورتوم منذ زمن طويل. كونك غيرت حاكمك فجأة سيبدو مريبًا. لكن ليس من الغريب أن يغير بعض أفراد العائلة حاكمهم . فقط نادر.”
“لا تعتقد أن هذا سيسبب لي مشاكل، أليس كذلك؟”
“همم.”
فكر ليون قليلًا، ثم هز رأسه.
“ليس في الوقت الحالي. عليك فقط أن تكون حذرا.”
“…أفهم.”
أومأت برأسي بخفة.
لو كان الأمر بيدي لاخترت أوراكلوس على الفور. أردت أن أفهم هذه الكنائس وأتباعها أكثر.
كنت أعلم بالفعل أن السبب وراء عبادتهم للحكام ومعرفتهم بوجودهم يعود إلى الدم.
…في هذه الحالة، هل كان لديهم المزيد من الدم؟ وماذا سيحدث عندما يستهلك أحدهم هذا الدم؟
في حالة مورتوم، يتم شفاء الشخص.
لكن ماذا عن حالة أوراكلوس؟
“…لا زال لدي القليل من الدم الذي جمعته من الكأس. ربما يمكنني تجربته لاحقًا.”
لينوس، الأخ الأصغر لجوليان، تم تقديم الدم له من قبل.
لكن، بقدر ما أعلم، لم يزد ذلك إلا من قوته قليلًا. نفس الشيء حصل مع جوليان.
“ربما هناك ما هو أكثر مما أعلمه.”
على وجه الخصوص، فكرت مرة أخرى في مشهد معين شاهدته خلال الورقة الثالثة.
كان ذلك خلال الوقت الذي فجر فيه جوليان المتفجرات.
في اللحظة التي فعل فيها ذلك وركض مبتعدًا، أتذكر بوضوح رؤية جسده مغطى بطبقة سوداء غريبة.
لم أستطع التفكير في الأمر كثيرًا حينها بسبب الظروف، لكن التفكير فيه الآن… يبدو غريبًا…
لماذا لا أميلك مهارة كهذه بنفسي؟
لم تبدُ كأنها سحر لعنات. بل بدت كأنها…
مهارة فطرية.
“هل من الممكن أن جوليان السابق كانت لديه مهارة فطرية مختلفة عني…؟”
راودتني الفكرة وأثقلت على صدري.
لكنني سرعان ما طردتها من رأسي عندما لاحظت ظهر ليون يبتعد عني.
“مهلا، انتظر. لماذا أنت في عجلة من أمرك؟”
“هم؟ لأننا متأخرون.”
“على…؟”
“تحليل التقدم.”
“أوه، اللعنة .”
أغمضت عيني فجأة وتأوهت.
كل عام يتم اختبار المتدربين مرتين لقياس معدل تقدمهم. إذا فشل المتدرب في الوصول إلى “الإحصائيات” المطلوبة، فإما يتم تأخيره لسنة أو يُطرد تمامًا.
كان اختبارًا قد خضته مرتين سابقًا، ولم أكن أتطلع إليه كثيرًا بالنظر إلى تجاربي السابقة.
…لكن رغم ذلك، كان إلزاميًا ولم يكن لدي خيار سوى الحضور.
قاعة كارلسون.
“تجمعوا جميعًا.”
لم يكن هناك أي تغيير في البروفيسور المسؤول عن التحليل.
كان لا يزال البروفيسور كيلسون.
“…وهو أيضًا موجود.”
الأستاذ المساعد الذي سبب لي الكثير من المشاكل في السنوات الماضية.
رؤيته لم تثر مشاعر كثيرة داخلي، لكن رؤية أنه لا يستطيع النظر في عيني كانت مرضية قليلًا.
في غضون سنة تقريبًا، تمكنت من أن أصبح أقوى منه.
كنت سأشعر بالخجل لو كنت في مكانه.
“معظمكم يعرف بالفعل كيف تعمل هذه الاختبارات. نقوم بقياس تقدمكم خلال السنوات الماضية. يمكننا أيضًا تحديد أضعف نقاطكم وما إلى ذلك. بشكل عام، يستخدم أساتذتكم هذه الاختبارات لتوجيهكم في الطريق الصحيح.”
استمر الخطاب لما يقارب الخمس دقائق بينما كانت تشرح الوضع كاملًا.
كان هذا في الغالب موجهًا للطلاب الجدد الذين لا يعرفون كيف يعمل النظام.
“كالعادة، سنقوم بتقسيمكم إلى مجموعات من ثلاثة. ستكون المجموعات كما في السنوات السابقة ولكن مع إضافات جديدة.”
بدأت الأسماء تُنادى.
“رافينسكروفت لوكسون، إليرت ليون، ميغريل أويف…”
وبجانب الأسماء، كانت تشير إلى أستاذ مساعد معين.
“إيفينوس جوليان.”
لم أكن بحاجة لأن يخبرني أحد إلى أين أذهب، فقد توجهت مباشرة إلى الأستاذ المساعد المعروف.
استمر في تجنب نظرتي بينما كنت أسير نحوه. لم أُصعّب الأمر عليه ووقفت ببساطة في صمت بينما بدأ الفريق بالتجمع.
بينما كنت أستعد ذهنيًا لاختبار التقدم القادم، اقترب شخص ما من مجموعتنا.
حضوره لم يكن طاغيًا ولا ضئيلًا.
كان يسير بخطى ثابتة متجهًا إلى المجموعة بصمت بينما بدت عيناه ساكنتين تمامًا.
لم ينظر إليّ ولو لمرة واحدة أثناء توجهه إلى المجموعة.
نظرت إليه بعبوس.
“هناك شيء غريب فيه. يبدو وكأنه شخص مختلف تمامًا…”
اعتاد أن يكون مركز الاهتمام.
…لقد ازدهر كونه مركز الاهتمام. وكان أيضًا من النوع الذي يتحداني علنًا، بابتسامة هادئة في كل مرة.
ومع ذلك، فقد تغير تمامًا الآن.
لم يعد يتحدث كثيرًا.
كان دائمًا يحمل نفس التعبير.
…وبدا كشخص مختلف تمامًا.
“هل من الممكن أن السبب هو خسارته أمامي؟”
حتى ليون لم يتأثر بذلك كثيرًا. في اليوم التالي، بدا وكأنه قد تعافى تمامًا.
كنت أحتاج لتذكيره مرارًا لكي يعود للاكتئاب.
…أما في حالة كايوس، فلم أكن بحاجة لتذكيره على الإطلاق.
“أي نوع من…”
“انتباه، سنبدأ الآن.”
أخرجني صوت الأستاذ المساعد من أفكاري. سار نحو أول منطقة اختبار حيث ظهرت ثلاث كرات.
“هذا هو اختبار صدى المانا.”
كان صوته منخفضًا وأجش.
“كل ما عليكم فعله هو وضع أيديكم على الكرة وتوجيه المانا إلى الداخل. من خلال ذلك يمكننا تقييم نقاوة المانا، والتحكم، والشدة. أولًا…”
استدار الأستاذ المساعد لينظر نحوي.
“…جوليان.”
“درجتك النهائية هي 5.67. تهانينا.”
فتح أميل عينيه وأرخى فكه. ومع فك القيود عن معصميه، وقف من الكرسي.
ارتجفت ساقاه قليلًا، لكنه كان بخير بشكل عام.
“…يجب أن تكون درجة جيدة.”
كان قد خضع لتوه لاختبار العقل، وكان حاليًا في المركز الأول بين دفعته.
أقرب منافس له حصل على 4.02، أي درجة كاملة أقل منه.
كان أميل معتادًا على الألم.
لقد كان يتدرب بلا هوادة منذ طفولته.
…لم يدخر جهدًا ليصبح قويًا كما هو الآن.
كانت قوته العقلية من أبرز نقاط قوته.
خصوصًا أن “مفهومه” يعتمد عليها بشكل كبير.
“أتساءل كم سيحصل هو.”
توجهت نظرات أميل نحو ليون الذي كان يقف غير بعيد عنه.
كان ليون يعبس وهو ينظر إلى الجهاز المستخدم لفحص الدرجات الذهنية.
ظنًا منه أن ليون خائف من الألم، اقترب منه أميل محاولًا الابتسام.
“ليس سيئًا جدًا. أنا متأكد أنك خضعت للاختبار سابقًا. الألم مؤقت فقط.”
“…هم؟”
عندما التفت ليون، رمش بعينيه عدة مرات.
ثم، مدركًا لما قاله أميل، هز رأسه.
“لا، أعلم ذلك. كنت أفكر بشيء آخر فقط.”
“طريقة لتحسين درجتك السابقة؟”
“…لا.”
هز ليون رأسه.
ثم ضم شفتيه ونظر بعيدًا. نحو فريق آخر.
“أنا فقط أفكر في طريقة لتجنبه بعد أن يحصل على درجاته.”
“هو…؟”
“نعم.”
ضحك ليون بمرارة.
“أول مرة خضع فيها للاختبار، حصل على 5.04.”
“في المرة الثانية، حصل على 8.23.”
“…!؟”
انتظر، مَن—
“هذه هي المرة الثالثة…”
وضع ليون يده على رأسه، ووجهه يتألم.
“…ذلك الوحش. سيجعل حياتي جحيمًا.”
بريمر.
كان تأثير الكنائس السبع واسع الانتشار. لم يقتصر تأثيرهم على إمبراطورية نورس أنسيفا، بل امتد إلى جميع الإمبراطوريات الأربع الرئيسية وأكثر.
كنائس ضخمة، بُنيت في طاعة لحكامهم، كانت تنتصب شامخة في المدينة.
كل كنيسة تضم عددًا كبيرًا من المؤمنين، مع كون بعضها أكبر من غيرها.
من بين الكنائس السبع، كانت كنيسة أوراكلوس شائعة نسبيًا. لكن من حيث القوة وعدد الأتباع، كانت الأضعف بلا منازع.
حاليًا، داخل الكاتدرائية في بريمر.
“لقد اقترب الوقت.”
سُلط ضوء خافت على رجل يرتدي الأبيض وهو واقف أمام منبر صغير.
كانت الكنيسة صامتة بينما كان صوته يتردد بخفة في الأرجاء.
…الكنيسة كانت خالية تمامًا، ما عدا رجل آخر غير الرجل الذي يرتدي ملابس بيضاء.
يرتدي رداءً أبيض مماثل مزينًا بتطريز ذهبي معقد، وكان هو الكاردينال الحالي للكنيسة.
الكاردينال أمبروز.
“الاستعدادات للتجمع قد تمت.”
قال الكاردينال بصوت منخفض وهو يخاطب الرجل الذي يرتدي ملابس بيضاء باحترام.
“أنا، إلى جانب رسلنا، سنغادر خلال الأيام القادمة.”
“هممم.”
أجاب الرجل الذي يرتدي ملابس بيضاء بإيماءة خفيفة، وعيناه مثبتتان على الزجاج الملوّن فوقه.
خصوصًا، كانت نظراته مركّزة على العين الرقيقة التي تنظر إليه.
…عين الرائي.
“البرنامج سيتبع نفس ما قدمناه في المرات السابقة، حيث سيلقي الرسل المحاضرات—”
“سآتي أيضًا.”
تغير وجه الكاردينال فجأة عندما قاطعه الرجل الذي يرتدي ملابس بيضاء.
اتسعت عينا الكاردينال بينما حاول فتح فمه.
ومع ذلك، تم مقاطعته بسرعة قبل أن يتمكن من قول ما لديه.
“هذا غير قابل للنقاش. جهّزوا عربة لي أيضًا. سأشارك في تجمع هذا العام.”
“لكن—”
“لا تتحدث أكثر.”
رغم أن صوته كان خافتًا، إلا أنه حمل في أرجاء الكنيسة كلها، محطمًا صوت الكاردينال بينما شحب وجهه.
تراجع بخطوات قليلة إلى الخلف، ثم رفع رأسه قبل أن يخفضه باحترام.
“مفهوم.”
غادر مباشرة بعد ذلك.
الصمت الذي حل بعد غيابه، تم كسره بصوت واحد فقط لقلب صفحة.
ظهر كتاب أمام الرجل الذي يرتدي ملابس بيضاء.
كان كتابًا قديمًا.
…واحدًا يبدو أنه قد تم تناقله عبر القرون.
توقف الرجل الذي يرتدي ملابس بيضاء. عند صفحة معينة.
هناك، ظهرت صورة مرسومة.
كانت تُظهر شابًا ذو شعر أسود كثيف، وعينين بندقيتين عميقتين ومكثفتين، وملامح تبرز من النظرة الأولى.
كان وجهه مختلفًا تمامًا عن النسخ المعاصرة المرسومة لـ”وجهه”.
وتحت الرسمة، كانت هناك بعض الكلمات:
[الوجه الثاني لأوراكلوس — كما رسمه أحد قُدماء إريندور.
— أولئك القُدماء الذين يدّعون أنهم قد التقوا بالحاكم نفسه.]
____________________________________