مهلًا، مهلًا، مهلًا...
هل سمعت ذلك بشكل صحيح؟
«...انتظر لحظة.»
نظرت إلى العجوز محاولًا معرفة إن كان يرتدي تنكرًا ما، لكن كلما أطلت النظر، بدا ذلك أقل احتمالًا. بدت تجاعيد وجهه حقيقية، وكان صوته أجش فعلًا.
«ربما تنكره متقن جدًا؟»
«هل ترتدي تنكرًا؟»
«تنكر؟»
نظر إليّ العجوز باستغراب.
«أي تنكر؟»
«آه...»
لم أعرف حقًا ماذا أقول.
«إنه مجنون بلا شك.»
«هل تظن أنني لا أبدو في سني؟ يا للغرابة.»
التقط العجوز مرآة وراح يمسّد لحيته.
«...وكنت أظن أنني أبدو وسيمًا جدًا.» حقًا؟
أيتحدث بجدية؟
«ما قصة هذه الملامح التي ترسمها على وجهك؟»
«ملامح؟ هل أرسم ملامح غريبة؟»
بدأت ألمس وجهي بلا وعي. وحين أدركت أنني لم أكن أرسم أي ملامح، شتمت في سري.
«إنه مجنون فعلًا.»
لا، لكن الأهم من ذلك، كيف صار يبدو هكذا؟ بما أنه قال إنه يكره الكاذبين، فمن المرجح جدًا أنه لم يكن يكذب بشأن عمره.
فكيف انتهى به الأمر إلى هذا المظهر العجوز؟
«لا تقل لي إنه هنا منذ مدة أطول بكثير من بضعة أشهر فقط.»
كاد قلبي يتوقف عند هذه الفكرة.
لكنني سرعان ما هززت رأسي. لا يمكن أن يكون الأمر كذلك. لو استمر هذا الوضع كل هذه المدة، لكان العالم قد عرف به منذ وقت طويل.
وفي النهاية، وقعت عيناي على الخيوط المتصلة بالعجوز، فانقبض قلبي.
«...هل يمكن أن تكون الخيوط تستنزف حياته؟»
كانت هذه الفكرة أكثر رعبًا من سابقتها.
إن كانت الخيوط تستنزف حياة المرء فعلًا، فهذا يعني أنني سأصبح مثل العجوز قريبًا.
«مستحيل.»
دا دانغ~
فجأة، ملأ لحن جديد الأجواء، وحين رفعت رأسي، رأيت العجوز جالسًا بجوار البيانو.
ضغط بإصبعه السبابة محاولًا تقليد نغمات الصندوق.
لكن...
دينغ~
«آخ، هذه خاطئة.»
حك مؤخرة رأسه.
«ما النغمة مرة أخرى؟»
دونغ~
«لا، ليست صحيحة تمامًا.»
دينغ~
«...ولا هذه أيضًا.»
كان يعاني.
يعاني في عزف أغنية بسيطة جدًا.
وعندها أدركت الحقيقة فعلًا.
«لم يتبقَّ لك الكثير من الوقت، أليس كذلك؟»
|| ||
توقف إصبع العجوز فجأة. كان اللحن الحقيقي يعزف في الخلفية بينما أدار رأسه ونظر إليّ.
«كلما ازداد المرء قوة، أصبحت ذاكرته أقوى. ويصعب عليه نسيان الأشياء أكثر فأكثر. أنت قوي. أحد أقوى الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي. فكيف لشخص مثلك أن ينسى شيئًا بسيطًا كهذا؟ لا، ليس هذا الشيء الوحيد الذي نسيته. لقد نسيت الكثير بالفعل، أليس كذلك؟»
تذكرت محادثاتنا وأدركت أن هذا لم يكن الشيء الوحيد الذي نسيه.
رفعت يدي لأريه الخيوط المتصلة بي.
«منذ أن ظهرت الخيوط، بدأت تجد نفسك تنسى الأشياء. وبدأت
تشيخ، ورغم كل محاولاتك للخروج، لا تستطيع. لماذا؟ بقوتك هذه،
لا ينبغي أن يكون-»
«لأنهم عائلتي.»
أجاب العجوز.
«...لا أستطيع تركهم.»
خرج صوته همسًا، خفيفًا كصوت ريشة تسقط.
«كيف يمكن للمرء أن يترك عائلته تتعفن؟»
«إذًا، ألا يمكنك طلب المساعدة؟»
«ممن؟»
«من الإمبراطوريات. أنا واثق أنهم-»
«هيه، هيه.»
بدأ العجوز يضحك فجأة.
«هاهاهاهاها.»
سرعان ما تحول ضحكه الخافت إلى قهقهة مدوية، واهتزت الغرفة تحت وطأة ضغطها
الهائل.
واصل الضحك لبضع ثوانٍ قبل أن يتوقف أخيرًا.
«الإمبراطوريات؟ تساعد؟»
نظر العجوز إليّ مبتسمًا.
«هل تعرف ماذا نسمي أهل الإمبراطوريات هنا في الكاشا؟»
«...لا.»
«جرذان الأسوار.»
«جرذان ماذا...؟»
«كل ما يفعلونه هو الاختباء خلف أسوارهم الشاهقة، ويبقوننا خارجها، منفصلين عنهم. نحن المنسيون، منبوذو الإمبراطوريات، الذين يرون أننا لا نستحق أن تطأ أقدامنا داخل تلك الأسوار العالية الضخمة التي تحتكر كل الأراضي الخصبة ودفء
الشمس.»
«بالتأكيد هذا غير صحيح. إن حاول شخص بمهارتك أن-»
«بالنسبة إليهم، نحن لا شيء. همج. متوحشون يخشون أن نجلب الفوضى إلى أسوارهم النقية. ولولا أننا نملك بعض الفائدة لهم، لأبادونا منذ زمن بعيد، دون أن يفكروا
مرتين.»
«هذا...»
«...لقد رأيت ذلك مرات أكثر مما ينبغي. يفضّلون مشاهدتنا نتعفن على أن يحركوا ساكنًا لمساعدتنا. طلب عونهم سيكون كالحكم على هذه العائلة بأكملها بالخراب، فهم
سيستنزفون كل ما نملك من موارد.»
كان صوت العجوز قد أصبح أجش تمامًا.
«...»
اختفت منذ زمن كل الكلمات التي كنت أريد قولها له.
واكتفيت بالاستماع إليه.
«وأهل الكاشا ليسوا أفضل حالًا. سيستغلون هذا الوضع لإسقاط
عائلتي. لهذا لا أستطيع الرحيل. يجب أن أجد طريقة لمساعدة الجميع. عليّ ذلك. يجب أن أفعل.»
«.....»
فكرت في إخباره بأنني من الإمبراطوريات نفسها التي يحتقرها، لكنني أوقفت
نفسي.
فمن يدري إن كان سيقتلني كما فعل من قبل؟
«...لم أرد المخاطرة.»
«لكن ألا تشعر بالخوف؟»
أن يتحمل كل هذا الوقت، ثم يجد نفسه يشيخ وذكرياته تبدأ بالتلاشي.
ألم يكن خائفًا؟
«خائف؟»
نظر إليّ العجوز، ورمش بعينيه قبل أن يبتسم.
«نعم، أنا خائف.»
كانت عيناه صافيتين.
«بالطبع أنا خائف. أشعر كل يوم بأن طاقتي تنخفض وذكرياتي تتلاشى. أحاول مقاومة
ذلك، لكنني لا أستطيع إيقافه. ولا أستطيع العثور على المسؤول عن كل هذا.»
كانتا أكثر صفاءً من أي وقت مضى.
«لكنني لا أخاف الموت.»
صافيتين لدرجة أنني رأيت انعكاسي فيهما.
«الموت لا يخيفني. ما يرعبني هو كل ما أفقده بينما ما زلت أتنفس.»
رفع العجوز يده المرتجفة أمامي، ثم قبضها ببطء.
«لن أتوقف.»
لكن ينبغي لك أن تتوقف.
«لأنني، رغم خوفي، أريد الحفاظ على الأشياء القليلة التي تحمل معنى
بالنسبة إليّ.»
وما هي؟
«هويتي، وعائلتي.»
كان هذان سببي العجوز للاستمرار في الحياة.
رغم قوته الكافية للهرب، اختار العجوز البقاء والبحث عن طريقة لتحرير الجميع. ومع
تراجع قوته وتلاشي ذكرياته، واصل القتال للحفاظ على عقله وحماية
عائلته.
كما توقعت...
«إنه مجنون.»
مجنون تمامًا، ومع ذلك لم أستطع إلا أن أحترمه.
كانت هناك خطط أفضل من مجرد الانتظار هنا وترك قوته تتضاءل ببطء. لو
أراد، لكان على الأرجح قادرًا على إيجاد طريقة للمساعدة.
لكن ربما...
كان قد فقد ثقته بالبشر منذ زمن بعيد.
«فهمت.»
نظرت إلى ساعة جيبي وجلست على الأرض.
«...فهمت.»
تك، تك-
كانت الساعة 01:17 بعد منتصف الليل.
حدقت في العجوز الذي بدا ظهره الضخم فجأة هشًا، ثم أغمضت عيني وفتحتها
من جديد.
وعندها تغير المشهد من حولي.
دوم دوم!
اهتز الهواء على وقع قرع الطبول المدوي، بينما بدت يداي وكأن لهما عقلًا
خاصًا، تصفقان للمشهد الجاري أمام عيني.
صفق صفق-
«لقد عدت.»
حين أدركت ما حدث، تفقدت ساعة الجيب ولاحظت الوقت.
«مرت ساعة كاملة بالضبط داخل الرؤية. لا بد أن هذه هي مدة استمرار المهارة.»
كان هذا خبرًا جيدًا.
ما دمت لا أموت، فهذا يعني أن لدي ساعة واحدة لاستخدام المهارة. ومع ذلك، لم يتبقَّ لدي سوى
قارورة واحدة.
مرة أخرى فقط.
هذا هو عدد المرات التي ما زال بوسعي استخدام المهارة فيها.
«عليّ توخي أقصى درجات الحذر عند استخدامها.»
لا يمكنني تبديدها.
«على أي حال...»
رفعت رأسي ونظرت إلى كايوس وكايليون. شعرت ببعض الأسف وأنا أنظر إليهما،
فقد استخدمتهما كطُعم في «المحاولات»، لكن بعدما أصبحت أفهم
الوضع بشكل أفضل، لم تعد هناك حاجة لاستخدامهما كطُعم. «بيبل.»
ناديت بيبل وقلت،
«أخبرهما أن يستريحا الآن ويستعيدا كامل طاقتهما السحرية. سنبدأ بعد بضع ساعات.
سأعطيهما الإشارة.»
«...أيها البشري، أنا لست خادمك.»
حين رأيت الانزعاج على وجه بيبل، لم أستطع إلا أن أراه لطيفًا.
لكنني لم أظهر ذلك، وتظاهرت فقط بأنني أتفهم معاناته.
«أعرف، لا تقلق. سأعوّضك لاحقًا.»
«حقًا...؟»
«نعم، لا تقلق.»
ضيّق بيبل عينيه، لكنه غادر بعد قليل.
ارتسمت ابتسامة مريرة على شفتي وأنا أهز رأسي.
وفي النهاية، أغمضت عيني وبدأت أرتاح.
سألتقي بالعجوز قريبًا على أي حال.
حين فتحت عيني، كانت بضع ساعات قد مرت.
رغم أن جسدي لم يستعد عافيته بالكامل بعد، فإن ساقيّ شعرتا بتحسن، وكان ذهني صافيًا. كما استعادت طاقتي السحرية معظمها.
وعندما أدرت رأسي، قفز بيبل من ظهري، وكأنه فهم أفكاري، ثم
اندفع نحو كايليون وكايوس. نظر كلاهما إليّ، فأومأت لهما إيماءة خفيفة. وعندها أخذ كايوس نفسًا عميقًا.
هبط ضغط ثقيل على المكان بينما تردد صوته في الهواء.
«توقفوا عن الحركة.»
بنظرة حادة ووقفة لا تتزعزع، انفجرت من كايوس هالة هائلة. ومنحته
عيناه اللامبالية وصوته البارد حضورًا مهيبًا يشبه حضور
إمبراطور.
توقفت الطبول عن العزف.
وتوقف الناس عن العزف.
...وتوقف العالم فجأة.
|| ||
ما إن عمّ الصمت حتى بدأنا نتحرك.
«الاتجاه نفسه كما في المرة السابقة.»
اندفعنا جميعًا نحو المكان الذي ذهبنا إليه سابقًا.
حبست أنفاسي، وشققت طريقي إلى داخل المبنى، حيث استقبلني السلم الطويل
المؤدي إلى الطابق الثاني.
«نعم، أنا خائف.»
كاد صوت العجوز يتردد في أذني بينما كنت أشق طريقي صعودًا.
دوي-!
«آخ!»
أنّ الدرج تحت وطأة خطواتي. ضغطت بقدمي إلى الأسفل، فتوقفت الدمى
عن الحركة بعدما تغيرت الجاذبية.
«تحركوا! تحركوا!»
اندفعت متجاوزًا الدمى.
وأثناء عبوري بينها، رأيت وجوهها الجوفاء الخالية من الحياة.
ازداد صوت العجوز وضوحًا في ذهني.
«لن أتوقف.»
كان قويًا.
من بين أقوى الأشخاص في الكاشا.
ولم يكن هناك كثيرون قادرين على مجاراة هذا الرجل الذي بدا عجوزًا رغم أنه كان شابًا.
«وصلنا! افتحوا الباب الأرضي!»
«ادخلوا، بسرعة!» «إلى الأسفل! انزلوا...!»
«آه، صحيح.»
توقفت للحظة ونظرت إلى الخلف.
«مهما فعلتم، تأكدوا من ألا تكذبوا أبدًا.»
«هاه؟»
«إن كذبتم، ستموتون.»
«ماذا...؟»
«ماذا؟»
تجاهلت النظرات المصدومة على وجوههم، وأسرعت بالنزول على الدرج.
«لقد وصلت أسرع مما... توقعت.» حين استدرت، ظهر العجوز خلفي تمامًا كما حدث من قبل.
ابتسمت حين رأيته ومددت يدي.
«سعيد بلقائك. اسمي جوليان.»
......
نظر العجوز إلى يدي بدهشة. قربتها منه أكثر حتى دفعته في النهاية إلى مصافحتي.
وفي اللحظة نفسها، ضغطت على الورقة الثانية.
«ما الذي يجعلك تستمر؟»
«هويتي، وعائلتي.»
كانت هذه إجابة رجل لم يكن عجوزًا كما يبدو، قالها لي ذات مرة.
هل أعجبتكم الترجمة؟
إذا كانت لديكم أي ملاحظات يرجى كتابتها في التعليقات.