قبل لحظات، عند الأسوار الشمالية.
لم يكن الوضع خارج الأسوار التي تحمي كاشا الشرقية جيدًا.
«لا تسمحوا بانهيار خط الدفاع! أبقوا كل شيء تحت السيطرة!»
«دعوا السحرة يقصفون الوحوش من الأعلى!»
«....ليذهب أحد إلى الوحدة الدفاعية الثالثة ويدعمهم. الأسوار على وشك أن تُخترق!»
كان الواقف على رأس المدافعين عن الأسوار هو آرتن مايرون، زعيم عائلة مايرون. وقد تولى هو وعدة عائلات معروفة أخرى مهمة حماية الأسوار من الوحوش المهاجمة.
قُسّمت الأسوار التي تحمي المدينة وفق الجهات الأصلية؛ الشمال والجنوب والغرب والشرق.
وكانت عائلة مايرون مسؤولة حاليًا عن حماية الأسوار الشمالية.
ومع حالة الاضطراب التي تعيشها شقوق المرآة، كان الوضع خطيرًا للغاية.
استمرت الوحوش في التدفق، وبسبب غياب عائلة أستريد، فقدوا قدرًا كبيرًا من قوتهم الهجومية.
دويّ!
«واصلوا الصمود!»
استمرت الإصابات في التزايد مع مرور الوقت، وظهرت شقوق أكثر فأكثر في الطبقات الخارجية للأسوار.
ازدادت ملامح آرتن صرامة عند رؤيته الوضع.
ومع عدم ظهور أي تعزيزات، بدا الأمر وكأنه محاولتهم الأخيرة للحفاظ على المكان الذي يسمونه وطنهم، لكن...
«بهذا المعدل، قد لا نصمد أكثر من أسبوع.»
هل كانت لديهم فرصة حقًا؟»
هل سيتوقف حشد الوحوش بحلول نهاية الأسبوع؟
«هاه.»
دلّك آرتن وجهه.
كان متعبًا.
متعبًا جدًا. ومع عدم ظهور نهاية واضحة لهذا الوضع، شعر بالطاقة تُستنزف من جسده المنهك والمليء بندوب المعارك.
كان يقاتل منذ وقت طويل، ولم يجد حتى الوقت ليستقبل ضيوف الإمبراطورية كما ينبغي.
وحين فكر فيهم، أغمض آرتن عينيه.
«لم أستطع استقبالهم كما ينبغي، لكنهم تركوا لدي انطباعًا جيدًا. لو انضموا إلينا، فربما نخفف بعض العبء عن الجنود، لكن هل سيكونون مفيدين حقًا؟»
لم تكن القوة وحدها مطلوبة عند التعامل مع الوحوش خارج الأسوار.
كان على الطلاب أن يكونوا على دراية تامة بالأوامر وأن يعملوا بتنظيم. وإن عجزوا عن تنظيم أنفسهم جيدًا أو تنفيذ الأوامر، فهناك احتمال كبير أن يتحولوا إلى عبء بدلًا من تقديم المساعدة.
لم يكن آرتن مستعدًا لتحمل هذه المخاطرة، لذلك سرعان ما صرف الفكرة من ذهنه.
فتح عينيه مجددًا ورفع رأسه لينظر إلى السماء الرمادية الكئيبة، التي عكست حالته النفسية تمامًا.
تقدم خطوة، فظهرت دائرة سحرية في يده.
كان ينبعث منها وهج أرجواني خافت، وانفجر منها ضغط مرعب لحظة ظهورها.
وحين التقت عيناه بوحش معين في البعيد، سرت قشعريرة في عموده الفقري وشد ظهره غريزيًا، بينما توترت كل عضلة في جسده كزنبرك مستعد للانطلاق. وارتعشت أصابعه وهو يجهز الدائرة السحرية في يده.
تقدم الوحش—مخلوق طويل ونحيل يغطيه شعر طويل ينسدل حتى الأرض، ولا يظهر منه سوى عينين شاحبتين مريضتين—بخطوة بطيئة ومدروسة، فيما خدشت مخالبه الأرض بصرير حاد أرسل قشعريرة في الهواء.
ازداد توتر ملامح آرتن بينما تبادلا النظر، وحين استعد للتحرك، حدث شيء ما.
تحول العالم فجأة إلى اللون الأبيض.
نعم، صار أبيض.
«هاه؟»
...ثم توقف كل شيء فجأة.
لم يفهم أحد من أين أتى ذلك أو ما الذي حدث، لكنه وقع بسرعة.
بسرعة لم تترك لهم حتى وقتًا ليرمشوا.
وحين عاد العالم إلى طبيعته، كانت السماء قد تغيرت.
«.....
وتوقف كل شيء تمامًا عندها.
ارتفعت جميع العيون وحدقت في السماء.
«إنها زرقاء.»
تمتم آرتن بصوت خافت، وقد خلا ذهنه تمامًا. لم يستطع فهم التغيرات المفاجئة، و
كان الأمر نفسه ينطبق على جميع الحاضرين.
«كيف يُعقل هذا؟»
«هل أتخيل؟ السماء...! السماء!»
انصرف انتباه الجميع عن الأسوار واتجه نحو السماء.
وكيف لا يحدث ذلك، وقد اختفت فجأة السماء نفسها التي ابتُليت بها كاشا طوال تلك السنوات؟ تلك السماء كانت السبب في عجزهم عن زراعة المحاصيل، وفي
تسمية أرضهم بـ«المنسية».
...لم يكن هذا التغير يرمز إلى التحول فحسب، بل كان يرمز أيضًا إلى الحرية.
أرضهم، أصبحت حرة الآن.
«أنا...»
لكن الفرحة لم تدم طويلًا.
أفاق آرتن من ذهوله، والتفت بسرعة نحو المدينة حين لاحظ فجأة عدة أشخاص
يركضون في اتجاههم.
ضيّق آرتن عينيه، وسرعان ما تمكن من رؤية الأشخاص بوضوح أكبر.
«أليسوا الطلاب؟»
بلى، كان يستطيع التعرف إليهم. ورغم أنهم جميعًا يرتدون تنكرًا، فقد استطاع رؤية
وجوههم.
عبس وهو يحدق بهم ويرى اندفاعهم إلى الأمام.
«ماذا يفعلون؟»
لقد أمرهم بنفسه بألا يقتربوا من الأسوار. فلماذا أتوا فجأة
إلى هنا؟
«يا زعيم العائلة، ماذا نفعل؟ هل نوقفهم؟»
حين سمع بعض الأوامر القلقة من الواقفين بجواره، رفع آرتن يده
وأوقفهم.
«لا، إنهم معنا. دعوهم يمرون.»
«هل أنت متأكد؟»
«نعم، إنهم مسؤوليتي.»
«مفهوم.»
«دعوهم يمرون! لا توقفوهم!»
ضيّق آرتن عينيه وهو يتابع الطلاب. وتقاذفت أفكاره عدة
احتمالات، قبل أن تخطر له فكرة فجأة.
هل يمكن أن يكون السبب هو السماء؟
«مهلًا، هل يمكن أن يكون تغير السماء مرتبطًا بهم؟»
تغيرت ملامح آرتن قليلًا، على نحو يكاد لا يُلحظ، حتى شعر بشيء يهبط على
كتفه. أدار رأسه، فرأى ورقة حمراء تنجرف إلى الأسفل. التقطها
بيده، وظل ينظر إليها للحظات حتى...
شعر بشيء يقبض على كاحله.
خفض رأسه بسرعة، فتجمد وجهه عند رؤية ما ظهر أمامه، وما إن سحب
قدمه بعيدًا حتى سمع دويًا هائلًا قادمًا من جهة البوابات.
«ماذا تفعلون؟»
«توقفوا—!»
«ماذا يحدث؟! نحن نتعرض للهجوم!»
التفت لينظر، فتغير وجهه بشدة حين رأى الطلاب يهاجمون الأسوار
في الوقت نفسه.
دويّ، دويّ—!
لم تكن قوة الطلاب مجتمعة أمرًا يُستهان به، وقبل أن يتمكن آرتن حتى من
التحرك، انهالت التعويذات على الأسوار.
«لا، لا، لا...!»
اندفع آرتن إلى الأمام محاولًا إيقافهم، لكن الأوان كان قد فات بالفعل.
ومن خلف الطلاب، اندفع ظل إلى مجال الرؤية—شخص وحيد يشق الهواء
وكلتا يديه تقبضان على سيفه.
وبحركة واحدة سريعة، هوى الشخص بسيفه وضرب الأسوار.
دويّ هائل—!
هز الانفجار الصاعق الأرض، فيما انهارت الأسوار كأنها انهيار جليدي.
«ما... ما هذا...؟»
انقطع نَفَس آرتن، وارتجفت ساقاه تحته بينما عمّت الفوضى. وفجأة،
تسارعت أفكاره، وتردد صدى صوته في ذهنه.
«هييييك—!»
وبعد لحظات، اخترقت الهواء صرخة حادة تقشعر لها العظام.
هبطت نظرة آرتن بسرعة، وشحب وجهه عند رؤية المشهد أمامه.
دويّ، دويّ!
عبر الأسوار المحطمة، اندفعت عدة وحوش ضخمة إلى الأمام، وأضاءت أشكالها البشعة
النيران التي كانت تلتهم الأسوار.
وبينما استمر الطنين في أذنيه بلا توقف، ترنح آرتن إلى الأمام.
«ماذا فعلوا...؟»
همس، بينما كان ثقل الموقف يسحقه.
«ماذا.»
هاه...
«لقد.»
هاه...
«فعلوا.»
هاه...
«بنا...»
«ما الذي يحدث؟»
في اللحظة التي انهارت فيها الأسوار، اندفعنا جميعًا إلى الأسفل، فرأينا عدة شيوخ من عائلة
أستريد يهرعون في اتجاهنا.
«انهار السور الشمالي! بدأت الوحوش تتدفق إلى المدينة.»
«كم عددها؟ وما مستوى قوتها عمومًا؟»
«لا يمكننا تحديد ذلك، لكن يبدو أن هناك عدة مخلوقات على الأقل من رتبة الرعب. ولا
يمكننا استبعاد احتمال وجود مخلوقات من رتبة المدمر.»
«فهمت.»
ورغم خطورة الموقف، ظلت رئيسة الشيوخ هادئة ولم تفعل سوى أن أومأت
برأسها بعد سماع التقرير المختصر. ثم بدأت بإصدار الأوامر بعد قليل من
التفكير.
«لقد غبنا مدة طويلة. ويبدو أن الجميع قد تعافوا من كامل
المحنة. حان الوقت لنؤدي واجبنا بصفتنا أقوى عائلة في كاشا
الشرقية.»
لوحت بيدها، ثم استدارت لتنظر إلى الفناء.
«جهزوا الجميع للقتال. وعلى المستعدين بالفعل التوجه إلى الأسوار
الشمالية. احرصوا على ألا يصل إلى المناطق السكنية سوى أقل عدد ممكن من الوحوش. وأرسلوا بعض
الآخرين لدعم بقية الأسوار.»
«نعم...!»
«مفهوم!»
وبذلك، تفرق الشيوخ في المكان، وأخذوا يصدرون الأوامر لكل من يستطيع القتال.
وقفت أراقب كل شيء من الخلف، حتى وجهت رئيسة الشيوخ انتباهها أخيرًا
نحونا.
وبابتسامة محرجة، خفضت رأسها.
«أعتذر منكم، يا أصدقاءنا القادمين من بعيد. لكن كما ترون، علينا إيقاف حديثنا الآن. هناك
أمور عاجلة يجب أن نهتم بها. ويمكنكم، إن شئتم، البقاء داخل أسوار
قصرنا بينما نتعامل مع الوضع. وسنستأنف الحديث بعد ذلك بوقت قصير.»
«لا، لا بأس.»
رفعت يدي لأوقفها.
وحين التفت لأنظر نحو موقع الأسوار الشمالية، أطبقت شفتيّ بقوة.
«...إنهم هناك.»
عاد اتصالي بالبومة الجبارة مرة أخرى.
ورغم أنني ما زلت غير قادر على التواصل مع البومة، فإنني كنت أعرف أنهم هناك. وبما أن الأمر
كذلك، فلم يعد لدي سبب للبقاء هنا أكثر.
نظرت مباشرة في عيني رئيسة الشيوخ. «سنذهب نحن أيضًا. لم يعد هناك داعٍ لبقائنا هنا.»
«كيف يمكن ذلك...؟ نحن مدينون لكم بالفعل بالكثير من الامتنان. لا يمكننا أن نسمح لكم بأن تعرّضوا—»
«ليس هذا هو السبب.»
قاطعتها قبل أن تتمكن من إكمال كلامها.
«...زملاؤنا موجودون هناك حاليًا. وبما أنهم يقاتلون هناك أيضًا، فمن الأفضل أن ننضم إليهم.»
ظهر الذهول على ملامح المرأة المسنة.
«هل يوجد المزيد منكم؟»
«عدد كبير.»
أصبحت ملامحها غريبة قليلًا، لكنها لم تطرح المزيد من الأسئلة.
«حسنًا.»
مدت يدها نحوي.
«بما أن الأمر كذلك، فليمسك ثلاثتكم بيدي. سأنقلكم جميعًا مباشرة إلى الأسوار
الشمالية.»
«حسنًا.»
مددت يدي وأمسكت بها، ثم فعل كايوس وكايليون الشيء نفسه بعدي مباشرة.
«استعدوا.»
وبعد كلماتها، تبدلت رؤيتي فجأة وتغيرت المناطق المحيطة. أصبح الهواء
أكثر كثافة بوضوح، وهاجمت أنفي رائحة دخان قوية.
«أخ.»
كانت الرائحة قوية حقًا، وحين استعدت وعيي، وجدت أمامي بحرًا من النيران.
«آآآه—!»
ولم يكن ذلك كل شيء.
كانت الصرخات والوحوش في كل مكان.
كان المشهد فوضويًا.
وبعد أن استقرت رؤيتي، وقعت عيناي أخيرًا على اتجاه معين، فتوقفت فجأة
في مكاني.
وفعلت رئيسة الشيوخ الشيء نفسه، إذ توقفت ونظرت إلى ثلاثتنا.
«...هل هم معكم؟»
لم أجب، بل اكتفيت بالنظر نحو بضعة أشخاص مألوفين كانوا يندفعون إلى جانب
الوحوش ويهاجمون الفرسان المتمركزين قرب الأسوار.
ابتلعت ريقي بصمت وأومأت.
«نعم.»
كانوا هم بلا أدنى شك. «...إنهم هم.»
هل أعجبتكم الترجمة؟
إذا كانت لديكم أي ملاحظات يرجى كتابتها في التعليقات.