الفصل 2957: الذاكرة المفقودة
انزلقت شلالات الأفاعي السامة التي حلت محل شعر أنانكي وأطلقت فحيحًا، وتألقت حراشفها كالجواهر الداكنة، بينما أشرقت عيناها ببريق كهرماني. أمسكت حربتها، وألقت نظرة أخيرة على نيفيس وصني، وابتسمت، ثم اندفعت للانضمام إلى المعركة ضد الذئب والظلال المسروقة.
امتدت خلفها سديمٌ هائلٌ من الخيوط الفضية في الهواء، تلتفّ مع انطلاق كل خيط من خيوط الحرير الجوهرية نحو جحافل العدو. كان كل خيطٍ رفيعٍ للغاية أشدّ حدّةً من شفرة الحلاقة، يشقّ محاربي النسل الحقير إربًا عندما حرّكت أنانكي أصابع يدها الحرة لشدّه.
وفي الوقت نفسه، انقضت عليهم فراشة عملاقة في إعصار من خيوط أثيرية من الظلام الحريري، ناشرة الموت والدمار بين الظلال الصامتة.
بانضمام أنانكي ومحرك الدمى إلى القديسة والقاتلة، كان من المقرر أن يقلب فيلق الظل موازين المعركة ويقضي على العدو …أطياف صني اللعينة … قريبًا – خاصة بسبب مدى فتكها عند قتالهم.
أما صني ونيفيس…
كان من المفترض أن يواجها طائر السرقة الدنيئ.
لكن في الوقت الراهن، كانا ينتظران الوقت المناسب – جرحه المروع كان يلتئم ببطء بفضل الدفء المهدئ لشعلتها، بينما كان ألمها يهدأ بالسحر البارد للسلسلة الملعونة التي صنعها.
لم يكونا لينتظرا حتى يدمر طائر السرقة الدنيئ الروح الخالدة، بل كانا يعتزمون الهجوم فور شفاء صني.
“قريبًا…”
وسط الفوضى والدمار، وفي ظل هدير المعركة الكارثية، شاهد صني ونيفيس ساميين ساقطين يتقاتلان.
بدا الأركون لا يلين كعادته، لكن حركاته بدت متوترة. إرادته اللامحدودة، التي كانت قادرة على إعادة تشكيل جحيم آرييل وفقًا لأهوائه، أصبحت الآن مثل وحش محبوس – شرس ووحشي، لكنه عاجز أمام قضبان قفصه التي لا تُقهر.
كان ذلك القفص هو إرادة الرعب الملعون الذي كان يواجهه – مخلوق قديم مختل عقلياً عاد إلى عالم الأحياء بعد هروبه من كابوس صنعته التعويذة.
كان الطائر يتراجع فحسب، في الوقت الراهن، وهو ينعق ويصرخ بينما يتجنب بأعجوبة الهجوم المدمر للأركون. وفي الوقت نفسه، كانت عيناه المرعبتان تشتعلان بحقد متزايد الظلام والرعب.
مع كل لحظة، كان الذهب الذي يغلف الهيكل العظمي الضخم يتضائل. عصاه أصبحت عارية وباهتة، بعد أن فقدت عرفها المتألق. جمجمته الآن خالية من الزينة، ولم يبقَ منها سوى التاج الذي لا يزال يلمع في ضوء الشمس كمنارة ذهبية.
تم ترميم أضلاع صني، ولم تعد رئتاه تغليان بالرغوة الدموية. كما عاد قلبه ينبض بانتظام – الآن، لم يتبق سوى عضلاته بحاجة إلى الترميم ليتمكن من خوض المعركة بكامل لياقته.
بالطبع، لم يكن لديه أدنى شك في أن جسده سيصبح حطاماً مرة أخرى بنهاية النزال…
للأسف، لم يمنحه طائر السرقة الدنيئ الوقت الكافي للتعافي.
قبل أن يتعافى صني تمامًا
بوقت طويل، اختفت آخر قطعة ذهبية من هيكل الأركون المتجول. قفز طائر السرقة الدنيئ إلى الوراء، مُبعدًا نفسه عن الروح الخالدة، ثم رفع رأسه، وألقى بشيء في الهواء.
أمسك الرعب الملعون بالتاج الذهبي بمنقاره، نعق بارتياح، ثم وجه نظرة عينيه المظلمتين المرعبتين نحو الأركون.
فجأة، شعر صني بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري.
في اللحظة التالية، غمر العالم فجأةً دوامةٌ مرعبةٌ من الريش الأسود، وغرق ضوء الشموس المسروقة الساطع في دوامتها الهائجة. تلاشى غطاء العاج المرفرف للأركون، وأصبح من المستحيل تقريبًا تمييز هيئته الضخمة في الظلام الدامس. ومع ذلك، لا يزال صني يرى خيال الطائر المرعب وهو يصطدم بسامي جحيم آرييل الشاهق، وتخترق مخالبه صدره.
أمسك طائر بأضلاع الأركون بمخالبه، ثم جلس عليها وضرب ذراعيه بعيدًا بأجنحته الجبارة التي لا حدود لها.
ثم غرز منقاره في إحدى تجاويف عيني الأركون الفارغة.
من بعيد، بدا الأمر كما لو أن غراباً ينقر عين رجل ميت.
بالطبع، لم يكن طائر السرقة الدنيئ غرابًا… ولم يكن لدى الأركون المتجول عيون.
ومع ذلك، عندما حرك الرعب الملعون المرعب رأسه إلى الخلف، بدا الأمر كما لو أن شيئًا مظلمًا زاحفًا قد أُمسك بمنقاره. رفع الطائر رأسه وابتلع الشيء الأثيري المتلوي الذي سرقه من أعماق كيان الروح الخالدة.
في اللحظة التالية، سكن الأركون المتجول بشكل غريب.
سقطت ذراعاه، وانحنى كتفاه.
انقلبت جمجمته إلى الخلف بلا حراك…
ثم انهار الهيكل العظمي الضخم ببساطة، مما جعل قلب ‘العملاق’ الحجري يرتجف.
لم يعد سوى جبل شاهق من العظام السوداء مدفون تحت كفن من العاج.
[تم تدمير ذاكرتك.]
ربما لم يجد الروح الخالد الموت… لكنه وجد الفناء على يد لص حقير في النهاية.
هكذا تم كسر لعنة سامي الظل.
وبينما كان صني ينظر إلى جبال العظام المتفحمة، لم يسعه إلا أن يشعر ببرودة في قلبه.
‘اللعنة…’
لم يعد هناك وقت.
ألقى نظرة خاطفة على نيفيس، ثم أجبر نفسه على الابتسام.
“مهلاً… أعتقد أن الوقت قد حان. لنبذل قصارى جهدنا.”
التقت بنظراته بهدوء وأومأت برأسها.
كما أضائت ابتسامة باهتة وجهها أيضاً.
“لماذا تبدو متوتراً؟ إنه مجرد رعب ملعون.”
حدق صني بها للحظة، ثم أطلق ضحكة مكتومة.
“بالفعل.”
التفت إلى طائر السرقة الدنيئ وصرّ على أسنانه.
“دعينا نذهب!”
وبينما اندفعا كلاهما إلى الأمام، غطى وجهه برود مألوف يشبه قناع ويفر.
تحول صني إلى سيل من الظلال، بينما أشرق نيفيس كنجم مضيء وارتفع في السماء.
رفع طائر السرقة الدنيئ رأسه وحدق في شكلها المتوهج.
ثم تجمد للحظة والتفت فجأة لينظر إلى صني. تحرك شيء مافي عينيه المختلتين… كما لو أنه تعرف على رائحة دمه.
ثمّ لمعت عيناه ببريق خطير.
الترجمة : كوكبة