الفصل 227: محاكمات العقول المنسية [1]
شعر ليون بالدوار.
كل شيء بدا غامضًا، وعقله يتأرجح بين الوعي واللاوعي.
“ما الذي يحدث؟”
هرعت رائحة الدم إلى عقله، لتداعب أنفه بقوة.
شعر بألم معين في عنقه.
كان الألم حادًا، لكنه أدرك أنه لا يزال على قيد الحياة. كان الألم بمثابة تأكيد على ذلك.
تأكيد على أنه ما زال حيًا، لكنه فاقد للوعي.
تغير المشهد داخل عقله.
وجد ليون نفسه في غابة مألوفة. كانت الأشجار متناثرة، وسيقانها النحيلة تلقي بظلال طويلة على العشب الخفيف الذي بالكاد غطى الأرض.
كان يعرف هذا المكان جيدًا.
لأنه…
نشأ فيه.
بارونية إيفنوس.
سوووش—!
سيف انقض من الأعلى، مستهدفًا عنقه.
“موت…!”
بشق الأنفس، تمكن ليون من تفادي الضربة.
عندما استدار، وقعت عيناه على شخصية مألوفة في المسافة.
رجل ذو شعر أسود حالك وعينين بندقيتين حادتين، يقف ممسكًا بسيفه.
رؤيته جعلت مشاعر متناقضة تتدفق داخله—انزعاج، وشيء آخر لم يستطع تفسيره.
لكنه بدا أصغر سنًا.
“جوليان؟”
“اللعنة، لا تزال مراوغًا كما كنت دائمًا، أيها اللعين.”
آه، هذا…
أخيرًا، أدرك ليون ما الذي كان يحدث.
كانت هذه… ذكرى.
ذكرى بعيدة من ماضيه. عندما تغيّر جوليان.
“أنت خادمي اللعين. إذا أمرتك بالموت، هل ستموت؟”
كانت تعابير جوليان مشوّهة، وهو أمر بدا غريبًا على ليون.
اعتاد على جوليان البارد الذي لا يظهر أي مشاعر، لذا بدا الشخص الذي أمامه غريبًا عليه.
لكن هذا…
هذا كان جوليان الحقيقي.
“تبًا، أيها الوغد الرخيص.”
توهجت نظرات جوليان وهو يحدق فيه.
مر وقت طويل منذ أن نظر إليه بهذه الطريقة.
كاد ليون أن يفتقد تلك النظرة.
راقب ليون جوليان وهو يخفض رأسه لينظر إلى السيف في يده.
لم يكن سيفًا فاخرًا، مجرد سيف تدريبي كانا يستخدمانه في مبارزاتهما الصباحية.
“من بين الجميع، لماذا كان عليك أنت؟ لماذا كنت أنت من وُلد بموهبة السيف؟”
كانت نظرة جوليان مليئة بالاستياء وهو يحدق بالسيف.
مدّ يده، فظهرت دائرة سحرية في راحة يده.
“هذه اللعنة اللعينة… ما فائدتها أمام السيف؟ تبًا!”
لعن جوليان، بينما تذبذبت عيناه بين الجنون و الوضوح.
“آه، اللعنة.”
عبث بشعره، ثم رفع سيفه للأمام.
“مت أيها اللعين…!”
حرك يده للأمام، فتجلّت أيادٍ أرجوانية من تحت الأرض، قيدت ليون تمامًا.
“آااااه!”
ما زال ليون يتذكر كيف صرخ حينها.
خاصة عندما شق السيف عنقه، قاطعًا رأسه تمامًا.
كان الألم مشابهًا تمامًا لما يشعر به الآن.
…ذلك.
تلك كانت ذكرى أول مرة مات فيها ليون.
فتح ليون عينيه.
“أه…؟”
بدأ بتدليك عنقه.
الألم لا يزال هناك.
أو ربما لم يكن موجودًا، لكنه كان حيًا جدًا في ذاكرته.
“آه.”
نهض ونظر حوله.
وجد نفسه جالسا داخل كهف مألوف وبدأت الذكريات في دفع عقله.
“لقد مت.”
أو على الأقل، هذا ما اعتقده.
لكن عندما نظر إلى جسده، أدرك أنه لا يزال بخير.
كان هناك تفسيران لهذا الوضع.
ربما وهم أو أنه تم إحياءه.
“هوه…”
أخذ نفسًا عميقًا.
إذا كان مجرد وهم، فكل شيء سيكون بخير. لكن إن لم يكن كذلك…
شعر بألم مفاجئ في ذراعه اليسرى.
عندما أدار رأسه، وقعت عيناه على القارورة الصغيرة المتصلة بذراعه، وتجمدت ملامحه لجزء من الثانية.
خاصة عندما رأى السائل الأحمر النابض داخل الأنبوب.
كانت الجرعة أقل مما كانت عليه من قبل.
مرت كل أنواع الأفكار في ذهنه، قبل أن يغلق عينيه في النهاية.
“أفهم الآن…”
أخيرًا، أدرك ما حدث.
”….إذن هذا ما جرى.”
أراد أن يضحك، لكنه لم يستطع.
“أين هذا المكان؟”
بمجرد أن عرف ما حدث، لم يعد يشعر بالذعر.
ألقى نظرة سريعة حوله قبل أن يفقد الاهتمام بالمكان تمامًا.
استرجع كل الأدلة التي جمعها حتى الآن، وبدأت فكرة تتشكل في عقله.
“نوع من الطوائف. على الأرجح كنيسة أخرى تعبد أحد الحكام السبعة، ولكن بمستوى أكثر تطرفًا.”
الحكام السبعة.
كان هناك سبع كنائس رئيسية في العالم.
بغض النظر عن الإمبراطوريات أو الممالك، كانت هذه الكنائس موجودة في كل مكان.
كان تأثيرها واسعًا، وكان ليون أيضًا مؤمنًا بأحد تلك الكنائس.
أو بشكل أكثر دقة…
أحد الحكام السبعة.
“مورتوم.”
حاكم الخلود.
“هاهاها.”
ضحك بينما كان يحدق بالقارورة المتصلة بذراعه.
….كان لديه حدس من قبل، لكنه الآن أصبح متأكدًا.
“دم مورتوم.”
فقط دمه كان قادرًا على فعل شيء كهذا.
ليون كان يعرف ذلك جيدًا.
لقد اختبر ذلك من قبل.
ريييييب—
مزّق قميصه، ثم خفض رأسه لينظر إلى جسده.
“هاهاهاه.”
أصبحت ضحكته أكثر وضوحا عند المنظر الذي استقبله.
تنبض عروق ليون بالحياة، مرسومة بوضوح على جلده، مشعة بلون أزرق غريب.
“يبدو أن التراكم من الجرعات السابقة قد وصل أخيرًا إلى الحد المطلوب.”
رفع يده إلى صدره، وشد قلبه المرئي بينما سحب ببطء كأسا منه.
أصدرت الكأس توهجا أسود غامضا بينما كان ليون يحدق في السائل الموجود بداخله.
كان ينبض بإيقاع يشبه بشكل مزعج المادة الموجودة في القارورة.
بتردد، رفع الكأس إلى شفتيه وشرب.
غُلب…!
بمجرد أن دخل السائل جسده، اشتد وهج عروقه حتى أصبح شبه أعمى، مغمورًا بالطاقة التي اجتاحت جسده.
شعر بالقوة تتدفق عبره، قوته ترتفع مع كل نبضة تتخلل جسده.
أغمض عينيه، وفتح فمه بينما اجتاحه إحساس غامر بالنشوة، متغلغلًا في أعماق عقله.
“هااا…”
”…أنا مزيف؟”
وقفت متجمدًا، أحدق في البومة والقطة الغريبتين الواقفتين أمامي.
طوال الوقت، كانا يتحدثان عن أشياء لم أفهمها تمامًا، ولكن إذا كان هناك شيء واحد أدركته…
فهو أن لديهما معرفة بشيء أجهله تمامًا.
“مزيف…”
كانا يرددان الكلمة مرارًا.
أو بالأحرى، كانا يلمحان إلى أنني لا أنتمي إلى هذا الجسد.
“ماذا تعنيان بذلك؟ هل تعرفان ما يحدث؟ أنتما…؟”
”…..”
ظلت البومة صامتة، تحدق بي بنظرات ثاقبة. بقيت على هذا الحال لثوانٍ قبل أن تفتح منقارها أخيرًا لتتكلم.
“اسمك الحقيقي هو جوليان.”
“جوليان…؟”
“جوليان داكري إيفينوس.”
صححت البومة الغريبة، مانحة إياي اسمًا كاملًا.
“ذلك كان اسم صاحب الجسد الذي تسكنه.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
مصدرها لم يكن سوى البومة التي أمامي.
صوتها كان هشًا وعميقًا، يتردد في أرجاء الكهف بوقع ثقيل ومقلق.
وعندما تحدثت، شعرت بارتعاشة لا إرادية في جسدي، ورأسي يهتز طفيفًا مع كل كلمة تخرج من منقارها.
كأنني أغرق ببطء في بحر من الجليد، يزداد عمقه شيئًا فشيئًا.
كانت نظرتها…
“قد تقتلني.”
بلعت ريقي بصعوبة.
“كان لدي اتفاق مع ذلك الإنسان. الاتفاق كان شيئًا التزمت به. ولكن…”
توقفت البومة فجأة، واشتد برود نظراتها. شعرت أن كل شعرة في جسدي انتصبت تحت وطأة تلك النظرات.
…بدأت الأمور تتضح لي.
“أي نوع من المواقف اللعينة هذه؟”
شعرت بالتوتر يتصاعد في داخلي.
من خلال ما فهمته، لم يكن هذا جسدي الحقيقي.
بل لقد أخذت جسد شخص آخر.
“جوليان… شيء إيفينوس.”
رفضت التصديق.
إذا فكرت في الطريقة التي تغير بها وجهي… وجسدي بالكامل…
فإن الحقيقة القاسية كانت تتمثل أمامي بكل وضوح.
“تبًا…”
شعرت بشيء يتصاعد في صدري مع هذا الإدراك.
“إذا كنت قد استوليت على جسد شخص آخر… أين أنا حقًا؟ ماذا عن… ماذا عن…”
ركضت الأفكار في رأسي، لدرجة أنني بالكاد كنت أسمع ما كانت البومة تقوله.
ثم… اختفى خوفي تدريجيًا، واستُبدل بفكرة واحدة فقط.
“أخي.”
“ماذا عن أخي…؟”
“همم؟ بدأت تبدو أشبه به.”
رفعت رأسي، أحدق في البومة.
حدقت إليّ بعينيها الباردتين.
“بدأت أشبهه؟”
ماذا يعني بذلك…؟
“لكن لا تزال مختلفًا. لا تُظهر ذلك، لكنني أرى الخوف الدفين في عينيك.”
“بسببه، بدأت أفهم المشاعر بشكل أفضل. لكن الآن، بعد رحيله، لا أرى أي سبب يجعلني أبقيك على قيد الحياة.”
رمشت عينيّ في صمت.
بما أنه كان لا يزال يتحدث، فربما… ربما كانت لا تزال هناك فرصة ألا يقتلني.
وبالفعل، كما توقعت—
“السبب الوحيد لعدم قتلك هو أن هناك احتمالًا أن يعود.”
“أيًا كنت، اعلم أن السبب الوحيد لبقائك على قيد الحياة هو بسببه. وإذا مضى وقت طويل دون أن يعود، فسأنهيك على الفور.”
بلعت ريقي مجددًا.
كانت جادة تمامًا.
أغلقت عينيّ للحظة، متقبلًا الواقع.
“هذا الجسد ليس لي، وهناك بومة تنتظر قتلي بمجرد أن تقرر أن الوقت قد نفد.”
رائع.
كم هذا رائع.
يا لها من ورطة لعينـ…
“ومع ذلك، سأساعدك.”
رفعت رأسي، أحدق في البومة الغريبة.
“هناك احتمال آخر لم آخذه في الحسبان.”
“احتمال آخر؟”
نظرت البومة إلى القطة التي حدقت به.
بعد برهة، أومأت القطة برأسها.
“إنه ممكن.”
أومأت البومة قليلاً، قبل أن تعيد نظراتها إليّ.
“هناك احتمال أنك لم تستولِ على جسد. بل… أنك فقدت ذاكرتك.”
“آه…؟”
رمشت بعيني، غير قادر على استيعاب ما قالته.
فقدت ذاكرتي؟
“لا، هذا مستحيل.”
رفضت الفكرة فورًا.
لا يمكن أن يكون ذلك صحيحًا.
ما زلت أستطيع تذكر كل شيء بوضوح تام، وكأنه حدث منذ لحظات فقط.
“إنه مستحيل.”
“قد تظن ذلك، لكنني لا أعتقد ذلك.”
“قد تكون مختلفًا، لكن روحك لا تزال هي نفسها. وبصفتي “إرادة”، يمكنني معرفة ذلك.”
“ماذا…؟”
مصطلحات غريبة أخرى.
ضغطت شفتي، ثم أخذت نفسًا عميقًا لتهدئة نفسي.
أغمضت عينيّ للحظة، ثم فتحتها مجددًا، أحدق في البومة.
“قلت أنك ستساعدني، صحيح؟”
“صحيح.”
“أفهم.”
لم أصدق قصة فقدان الذاكرة هذه أبدًا.
لكنني قررت أن أتظاهر بالتصديق.
كان عليّ أن أفهم وضعي، وكانت البومة تعرف شيئًا.
لذا، كانت أفضل خطوة هي التعاون معها حتى أكتشف الحقيقة.
“نعم، حتى أكتشف شيئًا بنفسي.”
كما لو أنها قرأت أفكاري، بقيت نظرات البومة مثبتة عليّ.
لكنني لم أبالِ، وأومأت برأسي.
“سأتعاون معك.”
ثم، فتحت فمي لأسأل—
”….لكن، كيف يجب أن أناديك؟”
نظرت البومة إليّ، ثم إلى القطة، التي استلقت على نفسها.
ثم عادت إليّ وقالت—
“البومة -العظيمة .”
”…..”
رمشت عينيّ، متأكدًا أنني سمعت خطأً.
لكنني لم أفعل.
الصمت الذي خيم على المكان كان تأكيدًا على ذلك.
ثم، وأنا أحدق في البومة، مدركًا أنها لم تكن تمزح…
شعرت بشيء يتصاعد من أعماق صدري.
شيء خبيث…
“بفف.”
أردت فقط معالجة بعض الأمور التي طُرحت.
أفهم أن بعض الأشخاص قد ينزعجون من بعض التطورات.
لكنني لا أكتب الأمور بشكل عشوائي (آمل أنني لا أفعل ذلك).
لدي هدف واضح في ذهني.
أفهم أن البعض قد لا يعجبهم بعض الأجزاء.
لكن إذا وصلت إلى هذه المرحلة، فلا بد أنك تعرف أسلوبي في الكتابة.
أسلوبي يركز على البناء التدريجي نحو الذروة، حيث تصبح الأمور أكثر وضوحًا.
يرجى التحلي بالصبر.
________________________