الفصل 228: محاكمات العقول المنسية [2]
بمجرد أن ضحكت، سارعت بتغطية فمي ونظرت إلى البومة التي كانت تحدق بي بعينين نصف مغمضتين.
“…..”
ساد صمت غريب في الأرجاء.
“….لم يكن ذلك مضحكًا.”
حاولت التظاهر بالجدية، لكن القطة لم تمنحني فرصة.
“لقد ضحكت.”
ثم التفتت لتنظر إلى البومة، وبدأت ابتسامة ماكرة تزحف على شفتيها. لم تقل شيئًا، لكن نظرتها وحدها كانت كافية لإظهار شماتتها.
البومة لم تفعل سوى إلقاء نظرة خاطفة عليها قبل أن تعبر عن ما بدا أنه ازدراء.
“أنتِ آخر من يحق له الكلام، يا حصاة.”
م:م:تم تغير الأسم من ” بيبل ” الى “حصاة”
“…..”
تجمدت القطة، وكذلك أنا.
أمسكت بصدري بسرعة محاولًا كبح ارتعاشة وجهي.
‘ما الذي يجري هنا…؟’
تشنج وجهي مرارًا وتكرارًا.
وازداد الأمر سوءًا عندما التفتت كل من البومة والقطة لتنظرا إليّ، وكأنهما تتحدياني لأنفجر ضاحكًا.
لكنني لم أفعل.
تحملت.
عضضت على شفتي حتى بدأت تنزف، وأبقيت وجهي متصلبًا.
عندما فكرت في الأمر، أدركت أن مجرد محاولتي لكبح الضحك أمام قطة وبومة يوضح مدى جنوني.
كان هذا الإدراك وحده كافيًا ليجعلني أهدأ، فتنفست بعمق.
“لديكما أسماء مثيرة للاهتمام.”
“….اسمي مؤقت فقط.”
قالت القطة وهي تحدق بي بنظرة حادة.
ثم، وقفت على قدميها بصوت عميق.
“لكن لا تدع ذلك يخدعك، فأنا تنين جبار!”
“تنين؟”
طرفت بعيني وأنا أنظر إلى القطة التي تحاول جعل نفسها تبدو مهيبة. لقد حاولت بالفعل، لكني وجدتها لطيفة بشكل غريب.
من ناحية أخرى، كانت البومة تراقب بصمت قبل أن تفتح منقارها لتتحدث.
“أنا شجرة.”
“….ماذا؟”
أدرت رأسي نحوها بسرعة.
نظرت إلى عينيها الحمراوين الحادتين وسألت مجددًا للتأكد من أنني لم أسمع خطأ.
“قلت إنك شجرة؟”
“صحيح.”
“….آه.”
وضعت إصبعي على جبيني وضغطت عليه بإحباط.
إذًا، ليس فقط القطة، بل حتى البومة قد فقدت عقلها.
‘لا، في الحقيقة، أنا من فقد عقله.’
عند هذه الفكرة، بدأت في فرك شعري محاولًا استيعاب الموقف بالكامل.
‘إذًا، أنا داخل جسد شخص آخر لا أعرفه. بومة غريبة وقطة تبدوان وكأنهما تعرفان صاحب الجسد السابق، وتقولان إن هناك احتمالًا أنني فقدت ذاكرتي، لكنني أشك في ذلك.’
….أو ربما لا.
عندما فكرت في أسماء البومة والقطة، وجدت نفسي أعتقد أن فرضيتهما قد لا تكون خاطئة تمامًا.
‘بالطبع، هناك احتمال آخر، وهو أنني أتخيل هذين الاثنين فقط.’
إذا كان الأمر كذلك، فإن تلك الفرضية تسقط تمامًا.
لكن بجدية…
‘البومة -العظيمة ؟ حصاة…؟’
مذهل.
“حتى نفهم ما يجري، سنبقيك على قيد الحياة.”
جذب انتباهي صوت البومة وهي تنظر إليّ.
ثم، وكأنها أدركت شيئًا، سألت:
“هل تعرف كيف تستخدم قواك؟”
“قواي؟”
أي قوى؟
التفتت البومة والقطة لتنظرا إلى بعضهما البعض. ساد صمت قصير بينهما قبل أن تتحدث القطة.
“إذا كان قد فقد ذاكرته، فلن يكون قادرًا على استخدامها.”
“…..نعم.”
“عما تتحدثان؟”
قوى…؟
هل كانا يتحدثان عن قوى مثل تلك التي يملكها أبطال القصص المصورة؟ لا، لا يمكن.
دون أن تنطق القطة بكلمة، خطت خطوة إلى الأمام.
حدقت بها بارتباك، لكن قبل أن أتمكن من قول أي شيء، شعرت فجأة بثقل هائل يضغط على كتفي.
“أوه…!”
انحنى ظهري وبدأت أنفاسي تثقل.
فتحت عيني على اتساعهما وأنا أحدق في القطة التي كانت تبدو غير ضارة، لكنها كانت تنظر إليّ ببرود.
“لديك قوى، أيها الإنسان.”
تردد صدى صوتها العميق في رأسي.
“…..الجسد السابق كان قويًا جدًا. ليس بقوتي، لكنه كان يمتلك قوة محترمة. نحن الاثنان مجرد إرادتين نشطتين داخل الجسد الذي استحوذت عليه.”
“خه…!”
رغم الضغط الذي كان يثقل كاهلي، واصلت الاستماع لكل كلمة نطقتها القطة.
“لم تفقد قواك. لا يزال بإمكاني الشعور بها. ربما نسيت كيفية استخدامها، لكنها لا تزال بداخلك.”
وبمجرد أن تلاشت كلمات القطة، بدأ الضغط يخف تدريجيًا.
“هاا… هاا…”
تنفست بصعوبة وأنا أرفع نظري نحو القطة.
كان هناك العديد من الأسئلة التي أردت طرحها، لكنني توقفت عندما لاحظت نظرة البومة نحوي.
وجدت نفسي غير قادر على التحدث، وكأنني ضائع داخل تلك العيون الحمراء المخيفة.
كان صوتها هو ما أعادني إلى الواقع.
“حاول أن تقول: الحالة.”
“هاه؟”
“كانت تلك هي الكلمات التي اعتاد الإنسان السابق قولها لفتح تلك النافذة الغريبة. أتساءل إن كانت ستعمل معك أيضًا.”
نظرت إلى البومة بحيرة، لكن بعد بضع ثوانٍ، تمالكت نفسي وفعلت كما قيل لي.
رغم أنني لم أكن أفهم ما كانت تقوله، إلا أنني لم أفهم أي شيء آخر أيضًا.
لهذا السبب، امتثلت.
فتحت فمي وتمتمت،
“الحالة.”
عندها، حدث تغيير مفاجئ، واتسعت عيناي.
“…..!”
ظهرت أمامي فجأة نافذة كبيرة مضيئة، وخفق قلبي بقوة.
— ●[جوليان د. إيفينوس]● —
المستوى: 35 [ساحر من الفئة الثالثة]
الخبرة: [0%—[11%]100%]
المهنة: ساحر
﹂ النوع: عنصري [لعنة]
﹂ النوع: عقلي [عاطفي]
التعاويذ:
﹂ تعويذة من النوع المتقدم [عاطفي]: الغضب
﹂ تعويذة من النوع المتفوق [عاطفي]: الحزن
﹂ تعويذة من النوع المتقدم [عاطفي]: الخوف
﹂ تعويذة من النوع المتوسط [عاطفي]: السعادة
﹂ تعويذة من النوع المتوسط [عاطفي]: الاشمئزاز
﹂ تعويذة من النوع المتقدم [عاطفي]: الدهشة
﹂ تعويذة من النوع المبتدئ [لعنة]: سلاسل ألاكانتريا
﹂ تعويذة من النوع المتوسط [لعنة]: قبضة الأوبئة
المهارات:
[فطرية] – الاستبصار
[فطرية] – نسج الأثير
[فطرية] – حجاب الخداع
[فطرية] – خطوة القمع
“أوه، هذا…”
تراجعت خطوة للوراء.
“….ما هذا الوضع بالضبط؟”
دووومب!
سقط جسد أمام رئيس الأساقفة.
“أوه… أهه… آه…”
كان الجسد المتشنج عند قدميه يذرف دموعًا سوداء لا تتوقف.
“…..”
بدا الرجل وكأنه يريد قول شيء ما، لكن الكلمات التي خرجت من فمه لم تكن سوى تمتمات غير مفهومة.
“يا للعجب.”
نظر رئيس الأساقفة إلى الرجل بحزن حقيقي.
“يبدو أن هذا التلميذ لا يزال بحاجة إلى التعلم.”
رفع رأسه ونظر إلى الراهبات اللاتي كنّ يحيطن بالغرفة. كانت أعينهن مغمضة بشكل مريب، ووجوههن خالية من التعابير، وأيديهن تمسك شموعًا تتراقص ألسنتها بلطف.
ساد هدوء غريب في الأجواء بينما لوّح رئيس الأساقفة بيده.
“خذوه إلى تجارب العقول المنسية. لا يزال ذهنه ملوثًا.”
عند أمره، فتحت الراهبات أعينهن ببطء، فتقدمت اثنتان منهن إلى الأمام.
وكأن جسده أدرك ما كان يحدث، بدأ الرجل على الأرض بالتشنج أكثر.
“آخ..! آخ!!”
تعالت صرخاته داخل أرجاء الكنيسة.
لكنها لم تكن ذات جدوى. حتى وهو يقاوم، لم يستطع سوى المشاهدة بينما حملته الراهبتان وأخرجتاه من القاعة.
“أواخ…!”
تنقيط…تنقيط…
تلطخت الأرض بدموعه السوداء وهو يُقتاد بعيدًا.
ظل رئيس الأساقفة لوكاس يحدق في الفراغ للحظات قبل أن يغلق عينيه.
ثم، استدار نحو المذبح وهمس:
“يبدو أنه قد حان الوقت لكي يتذوق التلاميذ المتدربون طعم غرفة العقول المنسية.”
عندها فقط، سيصبحون تلاميذًا حقيقيين.
“تبا…”
اتكأت كيرا على الحائط، ناظرة إلى السقف الحجري.
مرّت ساعات منذ أن تم حبسها في الغرفة، وبكل صراحة، شعرت بالملل القاتل.
مرّت موجة الأدرينالين والارتباك، ولم يتبقَّ لها سوى الملل.
“….كما أنها قذرة للغاية.”
نظرت حولها، وشعرت بوخز في يديها.
كل شيء متسخ وغير منظم. رغم عدم وجود أي زينة في المكان، إلا أنه كان في حالة يرثى لها.
“أريد تنظيف هذا المكان.”
بدأت تحك مؤخرة رأسها، بينما شعرت بالتوتر يزحف إلى عقلها.
كان هذا تعذيبًا حقيقيًا.
دمدمة…!
لحسن الحظ، لم يدم تعذيبها طويلًا. فجأة، بدأت الأبواب تهتز، فرفعت نظرها.
كانت هناك امرأة ترتدي ثوبًا أبيض تقف عند مدخل الباب.
لم تكن كيرا بحاجة إلى سماع أي كلمة لتعرف ما تريده، فنهضت من مكانها وتبعتها خارج الغرفة.
“إلى أين نحن ذاهبون؟”
لم تجبها المرأة.
“آه، فهمت الأمر إذن.”
لكن ذلك لم يكن مهمًا بالنسبة لكيرا.
فالعزلة كانت تدفعها إلى الجنون.
“إذًا، هذا هو الطريق. كنت أعلم ذلك.”
لم يكن هناك سوى مسار واحد…
“هل كان كل ما حدث قبل وصولنا إلى هنا وهمًا؟ لم أقتل حقًا، أليس كذلك؟”
لا تزال كيرا تتذكر ما حدث في الغابة عندما قاتلت أويف وليون.
تتذكر الفوضى التي حدثت، ومنذ ذلك الحين، أصبحت الأمور محرجة بعض الشيء مع الآخرين.
حسنًا، الأمور كانت دائمًا محرجة مع أويف، لكنها كانت تتحسن تدريجيًا.
أما الآن…؟
“إيييه.”
شعرت كيرا أن الأمور أصبحت أسوأ مما كانت عليه من قبل.
“إنه مجرد وهم، صحيح؟”
لكنها في أعماقها كانت تعرف الحقيقة.
لم تكن تفهم تمامًا ما الذي يحدث، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد—
لقد ماتت مرتين.
كانت متيقنة من ذلك.
لكنها فقط لم تكن تريد الاعتراف بذلك.
للأسف، لم تحصل كيرا على أي إجابة.
ظلت المرأة في الثوب الأبيض صامتة طوال الطريق، حتى توقفت فجأة.
“أوف!”
كانت كيرا غارقة في أفكارها، فاصطدم وجهها بظهر المرأة أمامها.
“آه، أوخ.”
غطّت أنفها بيدها، ثم رفعت رأسها، وعندها…
تجمد تعبيرها.
كنيسة.
…كنيسة ضخمة كانت تقف أمامها.
في الداخل، جلست وجوه مألوفة على المقاعد الخشبية، مما جعل تعابير كيرا تتغير قليلًا.
“هذا هو…”
لكنها لم تستطع إنهاء جملتها.
تدريجيًا، ثبتت عيناها على شخص كان يقف في منتصف الكنيسة.
كان واقفًا أمام مذبح ضخم، مغلق العينين، وكأنه يتمتم بشيء ما.
والأهم من ذلك، خلفه مباشرة، كان هناك شاب ذو شعر أشقر قصير وعينين زرقاوين.
ذلك الرجل…
تتذكره كيرا.
كان المتدرب الغريب من إمبراطورية أورورا.
‘ماذا يفعل هنا…؟’
لا تزال تذكر اللقاء الذي جمعهما في الغابة.
كان قويًا، لكنها شعرت بشيء غير مريح تجاهه.
لم تستطع تفسير ذلك تمامًا، لكنه منحها إحساسًا مشابهًا لما شعرت به مع جوليان.
لكن… في الوقت ذاته، كان مختلفًا عنه.
أفضل تخمين لها هو أنه أيضًا ساحر عاطفي، لكن كيرا شعرت أن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك.
“لنبدأ.”
تمزقت أفكار كيرا بصدى صوت الرجل العجوز الواقف أمام المذبح.
ضغط بيده على رأس الشاب الأشقر، ثم صدح صوته في أرجاء الكنيسة:
“سنبدأ الآن محاكمة العقول المنسية.”
________________________