الفصل 267: الأدراك [6]
“آه!!”
ترددت صرخات الصدمة في أنحاء الساحة بينما كان الجميع يشاهدون جوليان يسقط أرضًا.
حدث المشهد بشكل مفاجئ لدرجة أن أحدًا لم يستطع رؤية ما جرى بالضبط.
ومع ذلك، كان هناك شيء واضح لأولئك من جانب “هافن”.
“لقد غششت!”
”…..لم تنتظر قبل توجيه الهجمة الخامسة!”
“هذا المجنون!”
“انتظروا، اهدأوا.”
كانت “أويف” هي من أوقفت الجميع عن الاعتراض.
وهي تحدق في نائب المستشار، رأت أن ملامحه لم تكن مسترخية بعد.
وكما هو متوقع…
“انظروا.”
ما إن سقط جسد جوليان على الأرض، حتى بدأ يتلاشى أمام أعين الجميع.
“آه!؟”
عند رؤية ذلك، تغيرت نظرات الكثيرين.
وقبل أن تتاح لهم الفرصة لاستيعاب ما حدث، ظهر ظل خلف نائب المستشار مباشرة.
لم يكن سريعًا جدًا، ولا بطيئًا.
لكن المفاجأة في ظهوره هي ما أصاب الجميع بالذهول.
الجميع… باستثناء نائب المستشار.
“وهم… مثير للاهتمام.”
في الواقع، عندما هاجم، لم يشعر أنه أصاب شيئًا.
لكن ذلك لم يكن مجرد شعور فقط.
كان هناك شيء آخر أكد له شكوكه.
…وهو ملامح وجه جوليان قبل أن تصيبه الهجمة.
“لقد كان شبه مثالي.”
كان نائب المستشار يثق بعينيه، وعلى الرغم من أنه شعر وكأنه أصاب جوليان، إلا أنه عند التدقيق أكثر، لاحظ أن أنف جوليان كان مائلًا قليلًا، وكذلك عيناه.
كانت عينه اليسرى أكثر ضبابية من الأخرى.
لو لم يركز جيدًا، لما لاحظ هذه التغييرات الطفيفة.
ومعظم الناس لن يلاحظوها.
ففي سيناريو بهذه السرعة العالية، من قد ينتبه لتفاصيل بهذه الدقة؟
سوووش!
أدار رأسه قليلًا لينظر خلفه، فرأى ظلاً يوشك على الانقضاض لمهاجمته.
كان الهجوم صامتًا تقريبًا، ولولا معرفته المسبقة بوجوده، لما تمكن من سماعه.
”….مؤسف.”
وبدون تفكير كثير، لوّح نائب المستشار بيده للخلف لمواجهة الهجوم المفاجئ.
وووم!
شق الهواء من حوله مع الحركة البسيطة ليده، حيث انطلقت موجة قوية من طاقة المانا المضغوطة في الاتجاه الذي لوّح نحوه.
كانت ضربته سريعة جدًا، لدرجة أن الطالب لم يجد وقتًا للرد.
“انتهى الأمر.”
“هذا يجب أن يكون كافيًا—”
كان من المفترض أن ينتهي الأمر.
ولكن…
سوووش!
“هم؟”
لدهشة نائب المستشار… أخطأ هجومه.
لا، لم يكن الأمر أنه أخطأ، بل بالأحرى، لقد أصاب… لكن لم يكن هناك تأثير.
انقسم الظل إلى نصفين عند ملامسته للهجوم.
وجاء صوت متقطع من خلفه، بصوت ضعيف لكنه واضح.
‘متى!؟’
”….ك-كاد أن يصيبني.”
كان الصوت أجشًا للغاية، وشعر نائب المستشار بشيء يضغط على ظهره.
“آه.”
عندما أدار رأسه، وقعت عيناه على هيئة دموية نصف راكعة خلفه.
كان إصبع جوليان مضغوطًا على ظهره، بالكاد قادرًا على إبقاء إحدى عينيه مفتوحة.
التقت نظراتهما للحظة قصيرة.
وفي تلك اللحظة، كان لدى نائب المستشار الكثير ليقوله… ولكنه في ذات الوقت، لم يكن بحاجة لقول شيء.
كان مصدومًا.
“هذا…”
كيف ظهر هنا؟
كيف كان ذلك ممكنًا؟
كيف كان ذلك ممكنًا!!!
لكن صدمته لم تدم طويلًا.
“لقد فزت، صحيح؟”
أخرج صوت جوليان الضعيف نائب المستشار من أفكاره.
وحين خفض رأسه لينظر إليه، وجد نفسه يبلع ريقه.
“لقد تم خداعي.”
أخيرًا، فهم ما حدث.
ومع صفاء ذهنه من الارتباك، واسترجاعه لما جرى، بدأ يرى الصورة بوضوح.
وعندما أدرك الحقيقة، وجد نفسه ينفجر ضاحكًا.
“هاهاها.”
تردد ضحكه في أرجاء الساحة.
”…..إذًا، هذا ما حدث.”
نظر إلى الطالب أمامه بإعجاب.
كانت العيوب البسيطة في ملامحه سابقًا—العين الضبابية، والعين المائلة…
لم تكن بسبب عدم إتقانه لاستخدام الأوهام، بل العكس تمامًا.
لقد جعل جوليان وجهه يبدو هكذا عمدًا، حتى يقع في الفخ ويعتقد أنها مجرد خدعة بصرية.
وقد وقع فيها تمامًا.
“هاا.”
رفع نائب المستشار رأسه وأطلق زفيرًا طويلاً.
…كانت خدعة بسيطة، لكنها فعالة.
كان يشعر بعيون الجميع عليهما، وكان الصداع بالفعل يبدأ في الظهور.
ولكن،
“نعم.”
أومأ برأسه ونظر إلى الطالب أمامه.
“لقد فزت.”
لم يكن شخصًا يرفض الخسارة.
الخسارة هي الخسارة.
وعلى الرغم من أنه لم يُصب بأي ضرر، بينما كان جوليان على وشك الإغماء، إلا أنه صمد أمام خمس هجمات، بل وحتى هاجمه بنفسه.
خفض نائب المستشار رأسه ونظر إلى الإصبع المضغوط على ظهره.
كانت طبقة من المانا تغطي ظهره، ومع ذلك…
‘إنها تؤلم قليلاً.’
لم يكن متأكدًا مما فعله، لكنه بالتأكيد تسبب له ببعض الألم.
وكان ذلك كافيًا.
”….هجمة جيدة أيضًا.”
“شكرًا.”
سحب جوليان يده للخلف.
ثم، وكأنه لم يكن يعاني من أي شيء، وقف منتصبًا وربّت على ملابسه.
كان المشهد صادمًا لدرجة أن أعين الكثيرين من الحاضرين اتسعت دهشة.
“هل هو بخير بعد كل هذا؟”
”….أليس مغطى بالدم؟ كيف لا يزال واقفًا؟”
حتى نائب المستشار كان متفاجئًا.
“كيف لا تزال بخير؟”
”…..”
من دون أن يجيب، استدار جوليان باتجاه أولئك من جانب “هافن”، الذين اقتربوا منه بحذر.
“هل أنت بخير؟”
”….لا يبدو بخيرًا.”
بدا الجميع قلقين.
الجميع… باستثناء ليون، الذي تنهد.
ثم، وسط نظرات الجميع المتحيرة، تقدم للأمام حتى وقف أمام جوليان.
تبادل الاثنان النظرات للحظة قصيرة قبل أن…
“ثَمب!”
ركع جوليان على الأرض فجأة.
“آه!”
”….ما اللعنة!”
“إنه بخير.”
خفض ليون رأسه لينظر إلى جوليان قبل أن يهز رأسه.
“هذا الرجل…”
لم يكن متأكدًا مما يشعر به.
كان جوليان بعيدًا عن أن يكون بخير.
جسده كان ينهار، وكان على الأرجح يتألم بشدة.
ومع ذلك…
“لا يزال واعيًا.”
لم يكن قادرًا على الكلام.
وكان الألم يمزقه بلا شك.
“هل يشعر به حقًا؟”
”…..”
أغمض ليون عينيه وتنهد وهو يهز رأسه.
“مجنون.”
ولكن قبل أن يتمكن من مد يده لمساعدته، لاحظ تغيرًا طفيفًا في الأجواء.
فجأة، بدا أن الجو أصبح أكثر توترًا وبرودة.
مصدومًا، رفع رأسه لينظر إلى الأعلى.
“ماذا…؟”
وما إن فعل، حتى تغير تعبيره بشكل كبير.
خاصة عندما رأى شخصًا يقف على بعد أمتار قليلة منه.
جمالها سلب أنفاسه، وشعر كما لو أن جسده بالكامل قد تجمد تحت وطأة وجودها.
لكن هذا لم يكن الشيء الوحيد الذي لفت انتباهه.
مظهرها كان… غريبًا.
لم يرَ أحدًا بهذا الجمال من قبل، ولكن في الوقت نفسه، شعر وكأنه رآها سابقًا.
أين يا ترى…
“آه.”
عندها تذكر.
“المستشارة.”
على الفور، خفض رأسه احترامًا لها.
”….المستشارة؟”
“أليست هي؟”
كلماته أطلقت سلسلة من ردود الفعل، حيث تعرف الآخرون عليها فورًا وخفضوا رؤوسهم.
كانت ديليلا شخصية ذات أهمية كبيرة، وبمجرد ظهورها، لم يكن أمام أحد خيار سوى إظهار الاحترام.
الجميع… باستثناء شخص واحد.
”…..”
قبضة مشدودة.
بصمت، حدقت بها تلك الفتاة ويداها مقبوضتان بشدة.
ارتجف جسدها بشكل طفيف وهي تحدق في ديليلا، لكن لم يلحظ أحد ذلك، إذ كانت الأخيرة تنظر بصمت إلى جوليان المغطى بالدماء.
”…..”
لم يكن واضحًا ما كانت تفكر فيه.
متى كان بمقدور أحد أن يعرف ما يدور في ذهنها؟
على الأقل، هذا ما ظنه ليون في البداية.
ولكن بعد لحظات من تأملها في جوليان، استدارت لتنظر نحو نائب المستشار.
وعلى الرغم من أن ليون لم يستطع رؤية ما فعلته، إلا أنه رأى كيف بدأ نائب المستشار يرتجف بمجرد أن التقت نظراتهما.
ليون توقف فجأة.
“هم؟”
حك رأسه.
”…..سأخذه للعلاج.”
أخرجه صوت ناعم ونقي من أفكاره، وعندما استدار، رأى المستشارة تقف أمام جوليان.
رمش ليون بعينيه.
”…..هناك شيء خاطئ.”
كلما نظر إليها، زاد إحساسه بأن هناك شيئًا غير طبيعي.
“فليك.”
تحولت نظرته إلى جوليان.
“فليك.”
ثم عادت إلى ديليلا.
”…..”
وكأنها شعرت بنظراته، استدارت ببطء ونظرت إليه مباشرة.
وفجأة، شعر ليون بأن جسده أصبح خاملاً تمامًا، وعقله توقف للحظات.
وكأنه غرق فجأة في أعمق نقطة في المحيط… دون أي وسيلة للنجاة.
كل ما رآه كان ظلامًا.
ظلامًا عميقًا… لا يمكن الوصول إليه.
ولكن وسط ذلك الظلام، تذكر مشهدًا كان قد رآه مؤخرًا، واستعاد وعيه.
فجأة، بدأت عيناه تحترقان وهو ينظر إلى المستشارة.
“فليك.”
تحرك رأسه نحو جوليان.
“فليك.”
ثم عاد إلى ديليلا.
“فليك. فليك. فليك. فليك. فليك. فليك.”
تحرك رأسه ذهابًا وإيابًا بينهما، وكأن لديه عقلًا خاصًا به.
بلا وعي، تصلبت ملامحه، وتحولت عيناه إلى لون أحمر قانٍ.
ولكن تعابيره ازدادت سوءًا عندما انخفضت نظرته وسقطت على يد جوليان.
”…..”
شعر ليون فجأة بأن قلبه قد توقف عن الخفقان، وتحولت عيناه إلى اللون الأحمر بالكامل.
وبحركة متيبسة، خفض رأسه ببطء باتجاه المستشارة.
”…..”
“تنقيط!”
سقطت قطرة من زاوية فمه.
وفجأة، تذوق طعم الحديد في فمه.
في هذه الحالة، وقف ليون بلا حراك وهو يراقب اختفاء ديليلا وجوليان معًا.
ومع مرور الدقائق، بقي في مكانه، بلا أي تغيير في ملامحه.
“ليون؟”
لم يستيقظ من شروده إلا عندما سمع اسمه يُنادى.
عندما استدار، أدرك أن الجميع قد رحلوا تقريبًا.
لم يبقَ هناك سوى هو وإيفلين.
وعندما نظر إليها، رأى القلق جليًا في ملامحها.
“هل أنت بخير؟”
”…..أنا بخير.”
لم يكن كذلك.
“هل أنت متأكد؟”
بدت إيفلين وكأنها تستطيع رؤيته بوضوح.
أو هكذا ظن في البداية.
لكن عندما أشارت إلى ذقنه، ضيّقت عينيها.
“لا يبدو أنك بخير على الإطلاق.”
مسح ليون زاوية فمه بكُمّه ونظر إلى الأسفل.
ثم، بصمت، نظر مجددًا إلى إيفلين وأغمض عينيه.
”….سأكون بخير.”
_________________________________
ترجمة : TIFA