الفصل 283: الرماد الذي يظل عالقًا في الهواء. [2]
كان الظلام حالكًا.
احتضنت العتمة كل شبر من محيطي.
لم أكن أستطيع الرؤية أو السمع بوضوح.
“أين أنا…؟”
نظرت حولي.
ومع ذلك، ظل الظلام مسيطرًا. بغض النظر عن مدى محاولتي، لم أرَ سوى السواد.
“ما الذي يحدث؟”
حاولت التحدث، لكن وجدت صوتي محبوسًا في حلقي. مهما حاولت، لم تستجب شفتي ولم تفتح.
“….!”
حركت جسدي ومددت يدي للأمام، فشعرت بشيء ما.
كان سطحه ناعمًا، مع لمسة خفيفة من الدفء. طرقت عليه عدة مرات بمفاصلي.
“توك، توك—!”
كان الصوت خفيفًا.
“خشب…؟”
بدا الأمر كذلك، فطرقت مرة أخرى.
“توك، توك—!”
توقفت عندما أدركت أن الطرق لم يُحدث أي فرق. ثم مررت يدي في جميع الاتجاهات لأتحسس مكاني.
حينها، أصابتني الصدمة عندما اكتشفت أنني محاصر من كل جانب.
لم أُصب بالذعر على الفور، بل واصلت تحسس المساحة من حولي. وبسبب الظلام الدامس، كان من الصعب إدراك كل شيء بوضوح.
مع ذلك، حاولت رسم خريطة ذهنية للمكان.
بينما كنت أتحسس الجانب الأيسر، توقفت.
“لا شيء.”
المساحة هناك كانت فارغة تمامًا.
أو على الأقل، بدت كذلك.
“توك، توك—!”
طرقت على الجدار الذي أمامي من الجهة اليسرى، فقفز حاجباي في دهشة.
الصوت… كان مختلفًا قليلًا عن بقية الجدران.
كان أقل تجويفًا وأكثر صلابة.
لم يكن يبدو وكأنه مصنوع من الخشب.
“غريب…”
طرقت عليه مرات إضافية، لكن سرعان ما توقفت عندما أدركت أن الأمر لا يؤدي إلى شيء.
لم أشعر بالخوف.
إن كان هذا مصنوعًا من الخشب حقًا، فلن يكون سوى ورقة سهلة التمزيق بالنسبة لي.
رغم أنني كنت ساحرًا، فإن قوتي الجسدية كانت تفوق البشر العاديين بكثير.
وبدون تردد، وجهت لكمة مباشرة نحو الجدار أمامي.
“بانغ—!”
دوى صوت قوي عند اصطدام قبضتي بالحاجز.
لكن، باستثناء الصوت… لم يحدث شيء.
“هاه؟”
طرفت بعينيّ عدة مرات.
“كيف يمكن لهذا أن يكون منطقيًا؟”
تحسست السطح الخشبي أمامي، لأتفاجأ بأنه لا يزال ناعمًا تمامًا.
لم يكن هناك أي خدش أو أثر على الإطلاق، حتى في المكان الذي ضربته مباشرة.
“ما الذي يجري هنا؟”
رغم ذلك، لم أفقد هدوئي، بل خفضت رأسي وبدأت أفكر في وضعي.
“إن لم ينجح هذا، يمكنني تجربة شيء آخر.”
مددت يدي للأمام محاولًا إلقاء تعويذة بسيطة.
اخترت تعويذة سلاسل، لكن…
“تزز—!”
لدهشتي، تحطم الدائرة السحرية التي حاولت تشكيلها في أقل من لحظة.
مصدومًا، حدقت في الظلام، متخيلًا يدي الفارغة في ذهني.
لكن، لم يكن هذا ما لفت انتباهي.
لا، ما صدمني أكثر هو أن…
“اختفت.”
طاقتي السحرية كانت شبه معدومة.
لم يتبقَ لدي سوى مقدار ضئيل جدًا منها.
“جسدي يبدو وكأنه تراجع، وطاقتي السحرية اختفت تقريبًا بالكامل…”
ما هذه الورطة اللعينة؟
قطبت حاجبيّ بإحكام، متمسكًا بهدوئي رغم كل شيء.
بدأت أطرق الجدران مرة أخرى، آملًا في العثور على أي دليل يساعدني على فهم موقفي.
لكن دون جدوى.
حتى مع مرور الساعات، لم يتغير شيء.
“…..”
ظل الظلام يلفّ جسدي، لكنه أصبح خانقًا أكثر فأكثر.
ومع مرور الوقت، بدأت أشعر بالاختناق.
المساحة كانت ضيقة، وكنت محاصرًا تمامًا، عاجزًا عن الصراخ أو طلب المساعدة.
“ما الذي يحدث هنا…؟”
كنت متأكدًا أنني استخدمت الورقة الثالثة على كيرا، لكن… كيف وصلت إلى هذا الوضع؟
“…..”
غارقًا في أفكاري، واصلت الانتظار.
لابد أن شيئًا ما سيحدث، صحيح؟
واصلت إقناع نفسي بذلك، لكن…
“…..”
لا شيء.
حتى مع مرور الساعات، بقيت عالقًا في هذا الظلام، دون أي مخرج.
كنت محبوسًا في مساحة ضيقة، وحيدًا تمامًا.
بدأت أنفاسي تقصر، وشعرت برأسي يصبح خفيفًا.
من وقت لآخر، كنت أطرق الجدران، آملًا في العثور على شيء يساعدني على الخروج، لكن كل محاولاتي باءت بالفشل.
وفجأة، بدأ الجو يزداد حرارة.
تسلل العرق إلى جانب وجهي، وأصبح التنفس أكثر صعوبة.
“…..”
رغم كل شيء، حافظت على هدوئي.
لقد واجهت ظروفًا أسوأ من هذه في الماضي.
يمكنني تحمل هذا.
لكن، حتى قدرتي على التحمل لها حدود.
عشر ساعات.
…عند الساعة العاشرة تقريبًا، بدأت ساقاي في التشنج.
“….!”
تألّمت بشدة، فجعلني الألم أرتجف.
ومهما حاولت، لم أستطع إصدار أي صوت.
لسبب ما، جسدي لا يزال يرفض السماح لي بالكلام.
كان الأمر كما لو أن جسدي يخشى أن أصدر أي صوت.
لكن، ماذا عن الطرق؟
استمر الوقت في المرور.
عند الساعة الخامسة عشرة، أصيبت ساقي الأخرى بتشنج، وشعرت بتصلب في رقبتي.
ومع ذلك، لم يخرج أي صوت من فمي.
لم يكن أمامي سوى تحمل الألم بصمت.
‘…لقد مررت بما هو أسوأ من هذا.’
على الرغم من العذاب الذي كنت فيه، حاولت أن أبقى متماسكًا.
لكنني شعرت أن هذا التماسك بدأ يتلاشى ببطء.
وأصبح ذلك واضحًا جدًا عندما استمر الوقت في المرور حتى وصل إلى الأربع والعشرين ساعة.
لم أغمض عينيّ للنوم ولو للحظة.
حاولت، لكن الانزعاج الذي كنت فيه جعل النوم مستحيلًا.
‘أحتاج للخروج.’
في هذه المرحلة، بدأت مشاعر اليأس تتغلغل في أعماق عقلي.
كنت مستنزفًا جسديًا وعقليًا.
المكان ضيق، والأكسجين ينفد.
‘الخروج… يجب أن أخرج…’
كنت مستميتًا لرؤية الضوء.
كان مجرد خيال، لكنني شعرت وكأن الجدران تضيق من حولي أكثر فأكثر.
أصبحت أنفاسي ضحلة، ولم أعد أفكر في شيء سوى الهروب.
لم أعد أهتم بفهم الموقف.
…كل ما أردته هو أن أتحرر من هذا السجن.
بدأ الأمر يؤثر على عقلي.
توك! توك—
واصلت الطرق، لكن دون جدوى.
‘لماذا… لماذا لا تنتهي هذه الرؤية؟’
ارتجفت شفتاي وأنا أعضّ عليهما، عندها أدركت أنهما جافتان تمامًا، كما كان حلقي.
‘ماء…’
أخيرًا، أدرك عقلي أنني كنت جائعًا وعطِشًا.
ارتفعت مشاعر اليأس بداخلي مع هذا الإدراك، وبدأت أتحسس المساحة من حولي بيأس.
بعد أن فعلت ذلك مئات المرات، كنت قد حفظت المكان تمامًا في ذهني.
كنت أعرف أن ما أفعله بلا معنى، لكنني كنت بحاجة لفعل شيء ما.
…كان عليّ فعل شيء ما للخروج من هنا.
ثُمب!
سرعان ما أصبحت ذراعي اليسرى ضعيفة، ولم تعد تستجيب.
بدأ الجوع والعطش ينهشان جسدي.
أصبحت أفكاري ضبابية، بالكاد أستطيع التفكير.
‘…اخرج. يجب أن أخرج.’
لم يكن هناك شيء في عقلي سوى فكرة الهروب.
شعرت أنني أختنق.
وفي تلك اللحظة، شعرت بشيء في جيبي.
كان صندوقًا صغيرًا، وعندما أمسكت به، خمدت أفكاري للحظة.
بدأت أتذكر ما أوصلني إلى هنا، وقبضت على الصندوق بإحكام.
فتحت الغطاء ببطء، وأخرجت شيئًا طويلًا وناعمًا.
كان أسطواني الشكل، ورائحة التبغ المألوفة تسللت إلى أنفي.
شعرت بمعدتي تنقلب بسبب الرائحة، وسرعان ما انزلقت السيجارة من بين أصابعي وسقطت على الأرض.
بما أنني اعتدت على الظلام، عرفت بالضبط أين سقطت السيجارة بمجرد سماع الصوت.
امتدت يدي المرتعشة نحوها.
لم أكن أرى شيئًا، لكن عقلي أكمل الصورة تلقائيًا، فرأيت يدي وهي تمسك بالسيجارة.
تسارع نبض قلبي عند رؤية ذلك.
لقد مضى وقت طويل…
بلعت ريقي، لكنني شعرت بالألم فقط.
سناب—!
تطايرت شرارات، وظهر أمامي دائرة حمراء متوهجة.
لأول مرة منذ زمن طويل، رأيت النور أخيرًا.
رغم أنه كان بسبب شيء كنت أكرهه، لم أستطع أن أشيح نظري عن الدائرة الحمراء العائمة.
ارتعشت شفتاي، وشعرت بالدفء يتسرب إلى أعماقي.
تراقصت الجمرة المشتعلة في طرف السيجارة، تنبض بخفوت، فشعرت بجاذبيتها العجيبة.
رافق ذلك رائحة حادة ولاذعة، جعلتني أقطّب حاجبيّ.
في أي ظرف آخر، لكنت قد شعرت بالغثيان، لكن هذه المرة… لم أفعل.
واصلت التحديق في الضوء الوحيد داخل هذا السجن المظلم.
…كان هناك شيء في الضوء والرائحة جعلني أشعر بالراحة في هذا المكان الخانق.
أردت أن أضحك.
سيجارة؟ من بين كل الأشياء؟
‘هاها.’
لم أكن لأتوقع يومًا أن تجلب لي هذه الرائحة أي نوع من السكينة، لكن ها أنا هنا، أتوق إلى الشعور الذي تمنحه لي.
فكرت في أخذ نفَس منها، لكنني توقفت.
‘هذا يكفي.’
…حتى لو لم أكن أشمئز من الفكرة، لم أشعر برغبة في ذلك.
كنت مختلفًا عن نفسي في الماضي.
لم أعد بحاجة لها للهروب من واقعي.
كل ما أردته منها هو النور الذي جلبته لي.
وهكذا،
سناب—
كلما انتهت سيجارة، أشعلت أخرى، وبقيت أحدق في الدائرة الحمراء العائمة.
كان الضوء الذي تبعثه خافتًا للغاية، ورغم محاولاتي لاستخدامه لرؤية محيطي، لم أستطع.
في النهاية، لم يكن لدي خيار سوى البقاء جالسًا في مكاني.
لكن، على عكس السابق، كنت أكثر هدوءًا.
واصلت إشعال سيجارة تلو الأخرى.
سناب، سناب، سناب—
انتشرت رائحتها في كل زاوية من المساحة، وأصبحت كل ما أشمه.
لم تكن رائحة محببة، لكنها كانت الشيء الوحيد الذي أبعد عني الأفكار السيئة.
أصبحت مدمنًا عليها.
‘هاه…؟’
مددت يدي لآخذ سيجارة أخرى، لكن قلبي سقط عندما أدركت أنها الأخيرة.
قبل أن أدرك، كنت قد استخدمت كل السجائر التي معي.
…ومع ذلك، لم يحدث شيء.
“…..”
أغمضت عينيّ وأرحت رأسي إلى الخلف.
سناب!
لم أفكر مرتين قبل أن أشعل آخر سيجارة لديّ.
توهجت الدائرة الحمراء أمامي.
بذهول، أبقيت عيني مثبتتين عليها.
‘ماذا أفعل؟ كيف يمكنني الخروج من هنا؟ لا أفهم… ما هذه الوضعية الغريبة؟’
اجتاحت الأسئلة رأسي، لكن مع مرور الوقت، أصبحت أفكاري أكثر هدوءًا.
كل ما فعلته هو الاستمتاع بالراحة التي جلبها لي هذا النور.
كنت أعلم أن وقتي كان ينفد.
وبمرور الوقت، بدأت الدائرة الحمراء تخفت.
وبينما كنت أراقبها، شعرت بثقل في قلبي.
ماذا سأفعل بعد أن تختفي؟ ماذا سأ—
كلاك!
فجأة، دوى صوت مرتفع، فرفعت رأسي فورًا.
اهتزت المساحة من حولي، وسمعت أصواتًا مكتومة من خارج المكان الذي كنت محبوسًا فيه.
توك توك—
طرقت على الجدار بسرعة، محاولًا لفت انتباههم.
‘مرحبًا؟ هل هناك أحد؟’
كلاك!
لم يبدو أنهم سمعوني، لكن الاهتزازات استمرت.
رغم الألم، أدرّت جسدي باتجاه الصوت.
بعد قليل، رأيت خطًا أبيض رفيعًا يتسلل إلى الظلام.
كان خطًا رقيقًا، لكنه نما مع كل ثانية، ليسمح للضوء بالتدفق إلى الداخل.
ضيّقت عينيّ من الألم بينما كنت أحاول إبقائها مفتوحة، و…
“هناك شخص هنا!”
“لقد وجدناها!”
ظهرت عدة وجوه أمامي.
لكنهم… لم يكونوا ينظرون إليّ.
استدرت، وفي المكان الذي كنت أظن أنه جدار، رأيت فتاة صغيرة.
شعرها الأبيض كان ملتصقًا بوجهها الهزيل، وعيناها الحمراوان كانتا مثبتتين على سيجارتي بلهفة مريعة.
وقبل أن أتمكن من قول شيء، أخذوها بعيدًا.
عدت إلى الظلام وحدي.
“آه، فهمت.”
عاد صوتي، لكنني لم أعد بحاجة إليه.
بقيت جالسًا، وحدي، مع الرماد الذي بقي معلقًا في الهواء.
_____________________________________