الفصل 293: المعبد [4]
رأسي، كتفي، ذراعي، ساقاي…
أيدٍ ممسكة بي من كل جانب، تسحبني ببطء إلى الخلف.
حاولت المقاومة، لكن جسدي رفض الاستجابة لي.
كنت متعبًا.
على آخر أنفاسي.
… بالكاد استطعت حشد القوة للقتال.
استنفدت كل شيء، ولم يكن لدي سوى الأدرينالين يدفعني للأمام.
لكن حتى ذلك له حدوده.
“آه، لا…!”
مددت يدي، محاولًا الوصول إلى المدخل الذي بدا أقرب من أي وقت مضى، ومع ذلك كان يبدو بعيدًا جدًا.
كنت قريبًا… قريبًا جدًا…
ومع ذلك…!
“أوغخ!”
امتدت ملامحي عندما أمسكت يدٌ بوجهي، وسحبتني إلى الخلف.
لم أستطع المقاومة، وببطء، غُصت في أعماق بحر الأيادي التي امتدت نحوي.
بدأ الظلام يكسو رؤيتي، يخنقني بينما شعرت بجسدي وكأنه يتمزق من جميع الجهات.
كل عضلة في جسدي صرخت من الألم، بينما كنت أُسحب من كل صوب.
ورغم ذلك، واصلت التفكير في طريقة للخروج من هذا المأزق.
… لم أرغب في الاستسلام.
ليس بهذه الطريقة.
لكن كلما حاولت المقاومة، أدركت مدى عجز الموقف.
في تلك اللحظات، أغمضت عيني ولعنت بصمت،
“متى ستتحركان أخيرًا؟”
كنت أشير إلى “البومة -العظيمة ” و”حصاة”.
هما السبب الوحيد الذي جعلني لم أذعر بعد.
لأنني كنت أعلم أنهما لن يسمحا لي بالموت هكذا.
على الأقل، ليس بعد.
“… تبدو وكأنك تعاني.”
“إنه يعاني بالفعل.”
ظهرت عينان عميقتان من خلال فجوة ضيقة أمامي.
صرصر… صرصر…
صوت مألوف ومثير للرهبة تردد في أذني، وبعد لحظات، بدأت كروم تتبرعم من الأرض.
ولم يكن هذا كل شيء.
فبعد ظهور الكروم، ازدادت الأيدي التي كانت تمسكني ثقلًا.
ظهر “حصاة” فوقي مباشرةً.
رفع كفوفه برفق، ثم بدأ يربت على رؤوس الأطياف من حولي، مرسلًا إياهم متحطمين على الأرض.
ثود! ثود!—
انفصلت عدة أيدي عني على الفور، وشعرت بخفة غير مسبوقة.
في تلك اللحظة، اندفع بداخلي شعور بالطاقة، فلففت كتفي وحررت نفسي من يد أخرى، واستعدت السيطرة على جسدي أخيرًا.
“اذهب.”
قال “حصاة” بصوت خافت، بينما كان يضغط برفق على رؤوس الأطياف .
“… قوتنا محدودة.”
“أعلم.”
لم يكونا بحاجة إلى تذكيري.
قواهما كانت تعتمد على احتياطي المانا الخاص بي، وعلى الرغم من أن لديهما مخزونهما الخاص، إلا أنه كان ضئيلًا.
كنت مدركًا أنني لم أخرج من دائرة الخطر بعد، فعضضت على أسناني وأجبرت نفسي على المضي قدمًا.
“خخ…!”
كنت أعاني.
عدة أيادٍ تشبثت بكاحلي، تسحبني يائسة للخلف.
هززتها مرارًا للتحرر من قبضتها، لكنها وكأنها التصقت بساقي، رفضت أن تتركني.
واصلت محاولاتي…
“دعوا.ني. أذهب. تبًا لكم!”
لكن بغض النظر عن مدى عنفي في المحاولة، لم تترك الأيدي قبضتها، بل ازدادت إحكامًا مع كل ثانية تمر.
وحين كدت ألجأ إلى تدابير أكثر تطرفًا، حدث شيء غير متوقع.
صرصر… صرصر…
كروم داكنة مغطاة بالأشواك نمت من الأرض، وانسابت حول الأيدي التي تقبض على ساقي، مشددة الخناق عليها.
عندها، بدأ لون الأيدي يتغير، وتراخت قبضتها قليلًا.
لم أكن بحاجة إلى النظر في اتجاه “البومة -العظيمة ” لأعرف ما يجب علي فعله.
من دون تردد، استخدمت كل ما تبقى لي من قوة وسحبت نفسي بعيدًا عن الأيدي.
“أوغخ…!”
صدر مني صوت مكتوم بينما حررت نفسي أخيرًا من قبضتها، ثم انطلقت للأمام، مترنحًا وساقطًا على إحدى ركبتي.
“هاه… هاه…”
رفعت رأسي، أحدق في المدخل المظلم الذي كان بانتظاري.
ارتعشت ساقي وأنا أحاول النهوض، وكدت أفشل للحظة، لكنني تمكنت من دفع نفسي للأمام بالقوة.
اقتربت…!
كان قلبي ينبض بعنف عند حلقي.
لم أستطع التنفس.
لم أنظر حتى إلى الوراء لأرى كيف تسير الأمور. كل ما كنت بحاجة إليه هو الوصول إلى المدخل.
فقط…!
“أخ!”
في منتصف الطريق عبر المدخل، شعرت بشيء بارد وصلب يمسك بكاحلي.
نظرت إلى الخلف، حابسًا أنفاسي، لأرى طيفاً بجسد نصف مفقود.
تحدق فيّ محاجره الفارغة وفمه الفاغر بينما كان يتمسك بساقي يائسًا.
“لا!”
اجتاحتني موجة من الغضب في تلك اللحظة.
كنت قريبًا جدًا، ولم أكن على استعداد لأن يتم سحبي مجددًا.
بأسناني المشدودة، دفعت نفسي داخل المدخل، وما زالت قبضة الطيف مثبتة حول كاحلي.
باندفاع أخير من القوة، سحبت الكائن معي، وعيناه المجوفتان تخترقان روحي بينما كنت أجره إلى الظلام الذي سرعان ما ابتلعنا.
بــانــغ!
سقطت ووجهي أولًا على الأرض بمجرد عبوري المدخل.
“هاه… هاه…”
كما لو أن شيئًا ما انكسر داخلي، أصبح عقلي فارغًا وتوقفت أفكاري عن العمل.
لكنني كنت لا أزال قادرًا على إدراك الطيف الذي ما زال على ساقي.
كــرر—!
امتدت يده نحو فخذي، ساحبةً نفسه أقرب إلى وجهي.
كــرر، كــرر—!
واصل التقدم أكثر.
كان الآن عند صدري.
كــرر!
وسرعان ما وصل إلى وجهي، يحدق بي بمحاجره الخاوية.
فتح فمه ليكشف عن أنياب حادة، وشعرت بنفسه الساخن يلامس وجهي بينما أدرت رأسي بضعف لمواجهة المشهد المقزز.
بصمت، استوعبت المشهد… قبل أن يظهر قط فوقه مباشرة.
بأقدامه الأربعة فوق رأسه، رفع “حصاة” قدمه وضغط بقوة.
تناثرت الدماء على وجهي، وسرت برودة قاسية في جسدي.
نظرت إلى “حصاة” بصمت، قبل أن أدير وجهي بعيدًا. لم يكن لدي الطاقة حتى لأشتكي.
أغمضت عيني وتمتمت بصوت ضعيف،
“هــل هــذا المــكان آمــن؟”
“في الوقت الحالي.”
“هــو… حسنا .”
أومأت برأسي بضعف قبل أن أغرق وعيي في الخاتم.
استقبلني مشهد مألوف بعد لحظات، حيث وجدت نفسي أمام المعبد الأبيض.
على عكس ما قبل، كان ذهني صافيًا، وجسدي كذلك.
كان الشعور غريبًا، أن أتحول فجأة من حافة الموت إلى الشفاء التام، فتوقفت لبرهة.
“… هذا جديد.”
تدفق الوقت داخل الخاتم وخارجه كان متطابقًا.
لكن هذا الاكتشاف الجديد كان مفاجأة مرحبًا بها، لذا توجهت نحو أعماق المعبد، حيث ظهرت غرفة مألوفة.
كــررررررررررر—!
بمجرد دخولي، ظهرت أمامي شخصيتان مألوفتان.
“شكرًا على المساعدة.”
“… كن أقوى، أيها البشري.”
قال “حصاة” من ركن الغرفة، مستلقيًا براحة فوق وسادة حمراء.
كان الرد مختلفًا قليلًا عما توقعت.
تابع “البومة -العظيمة ” الشرح،
“كلما زادت قوتك، زادت القدرات التي يمكننا استخدامها. إذا أصبحت قويًا بما فيه الكفاية، ستتمكن من منحنا القدرة على استخدام كل قِوانا. في وضعنا الحالي، لا يمكننا سوى القيام بهذا القدر القليل.”
“صحيح.”
كان ذلك منطقيًا.
لكن ليس وكأنني لم أكن أحاول.
“لقد كدت تموت. لا، أنت تموت بالفعل.”
قالها “البومة -العظيمة” بهدوء وهو يحدق بي. لم أستطع أن أجد أي أثر للعاطفة في عينيه، فزممت شفتي قبل أن ألتفت نحو الزاوية، حيث ظهر كيس صغير.
من الجيد أنني كنت مستعدًا بعض الشيء.
لم يكن لدي الوقت سابقًا بسبب مفاجأة الوضع، ولكن الآن بعدما أُتيحت لي الفرصة، لم أضيع لحظة.
فتحت الكيس، وأخرجت صندوقًا صغيرًا.
كــلــانــك!
في داخله، كانت هناك عدة حبوب زرقاء وخضراء صغيرة.
“عشرة، جيد.”
أخذت ثلاثًا، واحدة زرقاء واثنتين حمراء، احتياطًا، قبل أن أضع الصندوق بعيدًا وألتقط قنينة صغيرة. ثم جمعت عدة ضمادات وأشياء أخرى كنت قد وضعتها في الكيس.
نظر إلي “البومة -العظيمة” ثم إلى الأشياء في يدي قبل أن يقول،
“اسرع، أيها البشري.”
“أعلم.”
لم أكن بحاجة إلى تذكير بحالة جسدي.
بمجرد أن تأكدت من أنني أخذت كل شيء، أخرجت وعيي من الخاتم وفتحت عيني من جديد.
“…..”
كان الصمت حالكًا، والظلام دامسًا.
الصوت الوحيد الذي استطعت سماعه هو صوت أنفاسي الضعيفة.
“خخ…!”
بينما كنت أتحمل الألم الذي اجتاح كل جزء من جسدي، ابتلعت الحبوب التي ظهرت في يدي.
شعرت ببرودة لطيفة تسري في جسدي فور دخول الحبوب إليه.
حالة من الارتياح غمرتني فور ابتلاع الحبة الزرقاء، حيث صَفَا ذهني.
بدأت بعض الإصابات التي تعرضت لها بالتعافي، واختفى الألم بعد وقت قصير.
“أوغخ.”
رفعت نفسي، مستندًا إلى الجدار خلفي.
لم تُشفَ إصاباتي بالكامل.
كانت الحبة التي استخدمتها أقرب إلى مسكن للألم، حيث لم تعالج سوى الجروح السطحية.
لكنها كانت مفيدة للغاية.
بعد لحظات، ابتلعت الحبتين الحمراوين.
“….!”
على عكس الحبة الزرقاء، لم أشعر بالراحة فورًا.
بل بدا الأمر وكأنني ابتلعت حممًا بركانية، فأمسكت بحلقي، وأطبقت أسناني بقوة.
امتلأت عيناي بالدموع، وبدأت ساقاي بالارتجاف.
كــرا كــراك—!
تردد صوت طقطقة خافت، حيث بدأ جسدي يعيد ترتيب نفسه.
كان الألم غير قابل للوصف، لكنني تحملته بصمت.
رغم تأثير الحبة الزرقاء، ما زلت أشعر بالألم الناتج عن الحبة الحمراء التي عملت كعامل لتصحيح العظام، حيث عالجت أغلب مشاكلي العظمية.
تأثيرها كان سريعًا، وسرعان ما استعدت قدرتي على تحريك جسدي بحرية مجددًا.
رررريــب!
كخطوة أخيرة، مزقت قميصي ووضعت بعض المرهم على مناطق محددة.
على الرغم من أنني لم أستطع الرؤية بوضوح في الظلام، كنت أعلم أن المنظر أمامي سيجعلني أرغب في التقيؤ.
الشعور كان مقززًا، خصوصًا عندما مررت يدي فوق العظام المكشوفة في بعض الأماكن حيث وضعت المرهم.
“هاه…!”
بمجرد أن أنهيت، أرخيت رأسي للخلف، زافِرًا بعمق.
كنت مرهقًا ولا أريد النهوض، لكن للأسف، كان السم لا يزال ساريًا.
لم يكن لدي خيار سوى النهوض.
“أوخ.”
وهكذا فعلت.
متكئًا على الجدار، تقدمت أعمق داخل المعبد.
تاك، تاك—
في الصمت، كان الصوت الوحيد الذي سمعته هو وقع خطواتي.
كان الظلام حالكًا، ولم أستطع سماع شيء تقريبًا.
ومع ذلك، واصلت المضي قدمًا.
كنت أعلم إلى أين يجب أن أذهب.
وبعد لحظات، ظهر ضوء خافت.
توقفت للحظة، ثم تابعت.
كنت أعلم أنني اقتربت من وجهتي.
كانت المسافة قصيرة.
وبعد دقائق قليلة، وصلت إلى النهاية، لكن قبل أن أتجاوز النفق، لاحظت وهجًا بنفسجيًا خافتًا قادمًا من الجهة اليسرى.
بمجرد أن نظرت، توقف قلبي للحظة.
خاصةً عندما لاحظت أن الكلمات كانت مكتوبة بلغة مألوفة جدًا لدي.
الإنجليزية.
بدأت بقراءة النقوش.
“هنا يرقد قبر أوراكلوس.”
”——الرائي.”
____________________________________