الفصل 294: المعبد [5]
“قبر أوراكلوس؟”
توقفت فجأة في مكاني وحدّقت بعناية في النقوش على الجدار. مررت بأصابعي عليها، فبدت ملساء الملمس. لم تكن تبدو كنقوش محفورة، بل أشبه بإسقاطٍ ما.
تعويذة ربما؟
لم أكن متأكدًا تمامًا.
وجدت نفسي أقرأ النص مرارًا وتكرارًا، راسمًا صورته في ذهني.
“هنا يرقد قبر أوراكلوس.”
”——الرائي.”
جفّ حلقي دون أن أدرك.
”…أليس هذا هو نفس الحاكم الذي كان ذلك رئيس الأساقفة المجنون يعبده؟”
تذكرت بشكل باهت سماعي لهذا الاسم من قبل.
كان شيئًا قد ذكره رئيس الأساقفة ذات مرة.
كان مفهوم الحكام لا يزال غريبًا عليّ، لكن مما كنت أعرفه، فقد كان هناك سبعة حكام.
مورتوم، سيثروس، وأوراكلوس…
كانوا الحكام الذين سمعت عنهم أكثر من غيرهم. لم أكن أعرف الكثير عن الآخرين.
كل ما كنت أعلمه عنهم أنهم يملكون كنائس خاصة بهم، وكانوا يحظون باحترام كبير.
طرقت الجدار بمفاصلي. لم يكن مجوفًا، مما أخبرني بعدم وجود غرفة سرية خلف النص.
“بغض النظر عن الأمر، لا أشعر بارتياح تجاه هذا الحاكم.”
كيف لي أن أشعر بالراحة تجاه حاكم خلق متعصبًا مثل ذلك رئيس الأساقفة؟
زممت شفتيّ وحدّقت في الكتابات مجددًا لأتأكد من عدم وجود شيء آخر، قبل أن أحوّل انتباهي أخيرًا إلى نهاية المدخل.
بصعوبة، تمكنت من تمييز ملامح غرفةٍ واسعة، وما إن خطوت خارج المدخل، حتى انحبس نفسي في حلقي.
كان الهواء مشبعًا برائحة الصدأ اللاذعة، مما جعلني أقطّب حاجبيّ للحظة. تراقصت شموع خافتة في الأرجاء، ناشرة وهجًا أزرق شاحبًا على المحيط وأرضية الرخام الأسود المتشققة.
كما هو الحال مع الخارج، ارتفعت أعمدة سوداء شاهقة على جانبي الغرفة، حاملةً سقفًا تصاعد إلى قبة ضخمة.
كانت القبة أشبه بلوحة فنية، مرسومة بعناية بمشاهد معقدة.
لقد بدت كمشهدٍ تاريخي متعلق بالحكام ، حيث وُجدت ستة شخصيات في المنتصف، وبينهم عينٌ هائلة تلوح في الأفق، تراقب كل شيء يحدث من الأعلى.
لم أستطع أن أبعد بصري عن تلك العين الوحيدة التي تشرف على كل شيء، وعندها أنفتح فمي.
”…الرائي.”
حبست أنفاسي.
كلما أطلت النظر إلى الجدارية، زاد شعوري بضغط غير مرئي ينبعث من عين الرائي.
كأن نظرتها تتغلغل إلى أعماق روحي، مما جعل قلبي ينبض بشكل غير منتظم.
با… نبضة! با… نبضة!
تمكنت من سماع دقات قلبي تدوي داخل رأسي، متغلغلة في أفكاري.
با… نبضة!
عند نقطةٍ معينة، وجدت نفسي أنظر بعيدًا.
“هاه… هاه…”
وضعت يدي على فمي محاولًا تنظيم أنفاسي.
“ما الذي كان ذلك…؟”
لم أستطع تفسيره، لكنه شعور أشبه بأنني كنت على وشك الانسحاق في مكاني.
شعورٌ خانق.
لكن كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ إنها مجرد جدارية!
ما نوع—!
“خاه!”
قبضت على أسناني، وبدأ جسدي كله يرتجف. اتسعت عيناي في صدمة، وأنا أترنح متراجعًا عدة خطوات، مستندًا إلى أقرب عمود لدعمي.
“آخ…!”
على عكس ما حدث من قبل، لم تتوقف التشنجات بسرعة.
استمرت لدقائق طويلة قبل أن تهدأ أخيرًا، وحينها كنت متكئًا على العمود، بالكاد ألتقط أنفاسي.
“هاه… هاه…!”
اشتعل صدري بألم حارق مع كل نفس، وكان يزداد سوءًا مع كل لحظة.
عندما نظرت إلى يديّ، انحبس أنفاسي—
كانت ممتلئة بعروق سوداء طويلة، تنبض وكأنها تتحرك تحت جلدي.
“اللعنة.”
…لم أجد خيارًا سوى أن ألعن.
كان تأثير السم أسوأ من ذي قبل.
لم أستطع تقدير الوقت المتبقي لي، لكنني كنت أعلم أنه ليس طويلًا.
في أحسن الأحوال… عشر دقائق.
“عليّ… هاه… أن أجد الملكة…”
بأسنانٍ مشدودة، ساعدت نفسي على الوقوف مستندًا إلى العمود، ونظرت من حولي.
لفّ المكان ضوءٌ أزرق خافت، ملقيًا بوهجٍ مخيف على هيكلٍ دائري بعيد لمحته.
كانت أحجاره، المصنوعة من نفس الرخام الأسود الذي شُيدت به الأعمدة، تشبه أنيابًا مسننة تتجه للأعلى والأسفل، مما جذب نظراتي نحوه.
“يجب أن يكون هناك.”
كنت قد فقدت الاتصال بالخيط الذي استخدمته سابقًا للوصول إلى الملكة، لكنني كنت أعلم أن آخر ارتباط لي كان هناك.
كان هناك الكثير لاستكشافه في هذه المنطقة، لكن أولوياتي الآن مختلفة.
كان عليّ العثور على الملكة.
تشنّج جسدي بالكامل عند سماع صوتِ خطوةٍ خافتةٍ في المسافة.
بلا تردد، دمجت نفسي مع الظلال وأمسكت أنفاسي.
لكن كان الأوان قد فات.
وكأنه رآني بالفعل، اقتربت الخطوات نحوي.
توتر جسدي بالكامل، وانقبضت يداي.
من الظلام، برزت هيئة شخص، متقدمًا إلى الضوء الأزرق الخافت الذي ألقى ظلالًا باهتة عبر المعبد.
كلما اقترب، اتضحت ملامحه أكثر، وما إن كنت على وشك الاستعداد للقتال، حتى برزت عينان رماديتان باردة من الظل.
كانتا مألوفتين بطريقة مزعجة.
ومع ظهور ملامح الوجه المرتبطة بهما، الوجه الذي لم أستطع نسيانه…
هربت مني همهمة مشوشة لا إرادية.
“أه؟”
وقف ليون بصمت، وهو يحرك رأسه باتجاهي.
بدا متيقظًا، بل متوترًا.
لكن توتره تحول إلى مفاجأة عندما تخلصت من الوهم الذي أحاط بي، كاشفًا عن نفسي الحقيقية له.
“أه؟”
خرج صوت مألوف من شفتيه بينما كان يحدق بي.
“ما الذي تفعله هنا؟”
توقفنا كلانا لوهلة قصيرة.
لحست شفتيّ ونظرت إليه بطرف عيني.
“دعني أتكلم أولًا.”
“أوه، بالطبع.”
بالفعل، كان ليون.
كان الوحيد الذي يمكنني التواصل معه بهذه الطريقة.
“لماذا أنت هنا؟”
غيرت صيغة السؤال قليلًا فقط.
كنت أكثر ما أشعر بالفضول تجاه الطريقة التي انتهى به الأمر هنا.
لكن الأهم من ذلك، عندما نظرت إليه، لم يكن يبدو مصابًا على الإطلاق، على عكسي تمامًا، حيث لم يكن لدي خيار سوى القدوم إلى هنا بحثًا عن الملكة.
لم يجب ليون على الفور.
توقفت عيناه على جسدي للحظة، فتغير تعبيره قليلًا. رفع رأسه مجددًا ونظر إليّ بصدمة.
“الأمر معقد.”
قطّبت حاجبي قليلًا قبل أن أمد يدي وأريه حالتي.
”…وصلت إلى هنا بالصدفة. كنت أطارد ملكة الأطياف لأتخلص من السم الذي يلتهمني حاليًا.”
“آه.”
أومأ ليون برأسه متفهمًا.
“لحظة.”
ضيّقت عيناي.
“أنا من كان يسأل السؤال. لماذا أنا من يجيب؟”
“صحيح.”
رمش ليون قبل أن يبتسم فجأة.
“ما الذي تبتسم لأجله؟”
“أنا لا أبتسم.”
”…..”
هذا الوغد…
“مهارتي.”
“هم؟”
“وصلت إلى هنا بسبب مهارتي. أخبرتني أن آتي إلى هنا.”
“هذا…”
عبست للحظة قبل أن أترك الأمر.
“فهمت.”
ألقيت نظرة حولي، وأعدت تركيزي إلى البئر الذي رأيته سابقًا. دفعت ليون، ووجهته نحوه بإيماءة خفية وعاجلة.
“بما أنك هنا، ما رأيك أن تساعدني؟”
”….لمحاربة ملكة الأطياف؟”
“نعم.”
تشنج وجه ليون، كما لو أن الفكرة لم تعجبه على الإطلاق. لكنني لم أهتم.
لم يكن لدي وقت للقلق بشأن ذلك.
“أنت فارسي، أليس كذلك؟”
تجعد وجه ليون أكثر.
تابعت،
“سيكون من السيئ أن أموت بينما كان بإمكانك مساعدتي. أي نوع من الفرسان الرهيبين يفعل ذلك؟ تبًا.”
هززت رأسي وصعدت إلى حافة البئر.
ثم نظرت إلى ليون، الذي بدا وجهه أسودًا كالفحم، وواصلت،
“سيتم وسمك على أنك مجرد لصّ للرواتب. طفيلي لا يستطيع حتى أداء وظيفته.”
خفضت رأسي وتنهدت بخيبة أمل.
“كم طفلًا كان من الممكن إنقاذهم بالمال الذي يُستخدم لتوظيفك؟ هاااه.”
مع تنهيدة، استدرت استعدادًا للنزول إلى البئر.
لكن قبل أن أفعل، شعرت بيدٍ تضغط على كتفي.
ارتعشت شفتي قليلًا بينما أدرت رأسي للنظر إليه.
“نعم؟”
”…..”
لم يقل ليون أي كلمة، لكن تعبيره كان كافيًا لقول كل شيء.
كانت جبهته مليئة بالتجاعيد العميقة، وعيناه المحمرتان تحدقان بي بمزيج من الاستياء والاستسلام.
غطيت فمي عند رؤيته.
“ليس عليك—”
“اصمت، لنذهب.”
شدّ قبضته على كتفي بقوة كبيرة.
لم أرتجف، بل أشرت ببساطة إلى البئر.
“هنا بالداخل.”
اهتزت عينا ليون بينما ارتعش وجهه.
“هل لديك حبل؟”
“أتمنى ذلك.”
لو كان لدي حبل، لما كنت قد واجهت كل هذا العناء.
عضّ شفته، ثم أغلق عينيه للحظة قبل أن يعود إلى طبيعته. وبعدها، صعد إلى حافة البئر، وألقى حجرًا صغيرًا فيه.
انتظرنا بصمت حتى اصطدم الحجر بالقاع.
انتظرنا… وانتظرنا… وانتظرنا.
وأخيرًا، سمعنا الصوت.
لكن لم يأتِ إلا بعد خمس ثوانٍ كاملة.
ظل تعبير ليون كما هو، لكنني شعرت بالاستياء العميق داخله وهو يحدق بي.
أنا أيضًا شعرت بالسوء، لكن…
“ليس لدي الكثير من الوقت. أنت تنزل أولًا.”
شدّ ليون فكه، لكنه في النهاية فعل كما قلت، ودخل البئر، مثبتًا قدميه على جانبيه ليحمل نفسه.
اتبعته فورًا.
“أوه، صحيح.”
بينما كنت أنزل، تذكرت شيئًا.
نظرت للأسفل إلى ليون، الذي نظر إليّ في المقابل.
”….هناك احتمال أن أسقط بسبب تأثير السم. في حال حدث ذلك، أحتاجك أن تساعدني.”
“مساعدتك؟”
رمش ليون بعينيه.
رفع رأسه لينظر إلي، ثم نظر إلى النصف السفلي من جسدي.
تحرك رأسه صعودًا وهبوطًا.
مرتين.
كلما زاد عدد المرات التي فعلها، زاد احمرار عينيه. بدا وكأن إدراكًا مفاجئًا ضربه، وتصلب وجهه تمامًا.
“هل أنت بخير؟”
لم يجب ليون.
لا، لم يكن يستطيع الإجابة، لأنني انزلقت قليلًا وضربت وجهه بالنصف السفلي من جسدي.
“آه.”
تحركت بسرعة محاولًا ضبط وضعي، ثم نظرت إلى الأسفل.
كنت على وشك قول شيء، لكنني توقفت.
لأول مرة منذ أن عرفته… رأيت ذلك.
نظرة اليأس على وجه ليون.
_________________________________