الفصل 295: الملكة [1]
دوووم!
غرست قدمي بقوة في الأرض وتنهدت بارتياح. كان من حسن الحظ أن ليون كان موجودًا، وإلا لكنت قد سقطت عدة مرات.
لقد كان هو من أنقذني.
“أوهكغ… أغ!”
أما ليون، فقد كان مستندًا إلى الجدار القريب، ممسكًا بمعدته ويتقيأ بشكل متكرر.
“أواخ…!”
كان المكان مظلمًا بعض الشيء، لذا لم أستطع الرؤية بوضوح، لكنه لم يكن على ما يرام.
بدا شاحبًا قليلًا، لكن ربما كان ذلك بسبب الإضاءة.
“بليرغ!”
أو ربما لا. بدا أنه يتقيأ بالفعل. المدهش في الأمر أنه كان قادرًا على الحفاظ على وجهه مستقيمًا أثناء التقيؤ.
انتظرت دقيقة كاملة قبل أن أقترب منه.
“هل تشعر بتحسن؟”
نظر إلي ليون دون أن ينبس بكلمة.
بل على العكس، ازداد شحوبه قبل أن يخفض رأسه مرة أخرى ليتقيأ.
“بلييييرغ!”
للحظة، شعرت أن سبب تقيئه لم يكن مرتبطًا بما حدث قبل قليل.
“لا يمكن أن يكون… صحيح؟”
استغرق الأمر منه دقيقة أخرى ليتمكن من التعافي بالكامل.
كان يضع كلتا يديه على معدته وهو يمشي أمامي. لم أكن أستطيع سماع أفكاره، لكنني كنت واثقًا من أنه كان يلعنني بكل الطرق الممكنة.
واصلنا التقدم بصمت.
كان الظلام يحيط بنا، مما جعل الرؤية صعبة. لكن الظلام تبدد عندما أخرج ليون سيفه، الذي أضاء بلون أبيض ساطع، كاشفًا النقوش الجدارية الجديدة التي تشبه تلك الموجودة في القبة أعلاه.
“هذا المك—!”
لم يكن لدي الوقت الكافي لتفحص النقوش، حيث شعرت فجأة بشيء يجتاحني.
حبست أنفاسي وانتظرت حتى تهدأ التشنجات قبل أن آخذ نفسًا عميقًا.
“لا يزال لدي ست دقائق تقريبًا.”
في الأصل، كان لدي عشر دقائق، لكنني فقدت دقيقتين أثناء النزول ودقيقتين أخريين في انتظار ليون ليستعيد عافيته.
في الظروف العادية، كنت سأحثه على الإسراع، لكنني كنت بحاجة لاستعادة طاقتي السحرية من أجل القتال المحتوم ضد الملكة.
“يجب أن أتحرك بسرعة.”
علاوة على ذلك، مع وجود ليون بجانبي، ستكون الأمور أسهل.
“نحن نقترب.”
توقفت خطوات ليون فجأة، فتوقفت معه.
في المسافة البعيدة، تمكنت من رؤية ضوء أحمر خافت.
كان يرافقه صوت نبضات ضعيفة.
“با… ثُمب! با… ثُمب!”
بدا وكأنه يطابق إيقاع دقات قلبي، مما جعلني أشعر بالاضطراب.
لا، بل أكثر من ذلك… كان الأمر أشبه بعدم الارتياح.
لم أكن قادرًا على تفسير الشعور تمامًا، لكنه جعل جسدي كله يرتجف مع كل نبضة، وكأنه كان يناديني.
“هل يمكن أن يكون بسبب السم؟”
لا، لا يبدو الأمر كذلك. خصوصًا أن ليون كان يشعر بشيء مماثل، حيث بدا على وجهه العبوس.
ثم استدار لينظر إليّ، مشيرًا برأسه بلطف، فتبعت خطاه ببطء نحو مصدر الضوء.
بدأ وهج سيفه يخفت تدريجيًا كلما تقدمنا، في محاولة منه لتقليل وجودنا قدر الإمكان.
كان ذلك قرارًا حكيمًا، إذ لم نكن نعلم ما الذي ينتظرنا في الأمام.
لكننا اكتشفنا ذلك قريبًا.
توقفت خطواتنا في الوقت ذاته.
ازدادت حدة النبضات كلما اقتربنا، ليصبح صوتها مدويًا في هذا المكان الضيق.
ومن حيث وقفنا، تمكنا من رؤية كتلة ضخمة ومقززة من اللحم، تعلوها عروق سوداء داكنة تمتد في جميع الاتجاهات، في حين التصقت بعض أجزائها بالجدران المحيطة.
خرجت أيدٍ بشرية من تلك الكتلة الوحشية، متدلية بلا حياة.
أما تحتها، فقد كان هناك بحر من الأطياف، تظهر عيونهم الجوفاء مثبتة على الكتلة النابضة، وهم يتحركون كأنهم في حالة من التنويم المغناطيسي، يحرسونها من كل الجوانب.
كان مشهدًا مرعبًا، جعل القشعريرة تسري في جسدي.
وعندما التفتت إلى ليون، وجدت أنه ينظر إليّ بالمثل.
“حقًا؟”
”…. كيف لي أن أعرف؟”
هززت كتفي بخفة وأنا أقطب حاجبي.
“لم يتبقَ لدي الكثير من الوقت، ماذا نفعل؟”
“ما الذي سنفعله غير ذلك؟”
تنهد ليون بعمق وهو يخفض كتفيه.
ثم، قبل أن أتمكن من استيعاب الموقف، اندفع للأمام كالسهم.
“بانغ—!”
انشقت الأرض تحت قدميه، وزاد وهج سيفه ليضيء المكان بالكامل، مبددًا اللون الأحمر الخافت الذي كان يسيطر على المنطقة.
وفي لحظات، كان أمام الأطياف، التي استدارت نحوه في آن واحد.
“هوووب!”
بحركة واحدة من سيفه، انقضَّ بضربة عمودية.
“بانغ—!”
اهتز المكان بقوة، وبدأت أجزاء من السقف تتساقط، ناشرةً سحابة صغيرة من الغبار.
كان ذلك هو الفرصة التي كنت بحاجة إليها.
دون تردد، انطلقت بسرعة نحو الكتلة اللحمية.
وفي أثناء ذلك، فعَّلت مهارة [حجاب الخداع]، متجهًا نحو فتحة صغيرة بدت على جانب الكتلة.
“بانغ، بانغ!”
في الخلفية، كان صوت المعدن يتردد مع كل ضربة يوجهها ليون للأطياف.
كنت أعلم أن الوقت كان ينفد.
وبمجرد وصولي إلى الكتلة البشعة، أخذت نفسًا عميقًا… ثم اندفعت داخل الفتحة الصغيرة.
“بلوب!”
صوت فرقعةٍ خافتٍ تردد في المكان بينما قفزت إلى داخل الكيس، ممزقًا غشائه الرقيق في العملية.
غمرني سائل لزج أحمر، دفئه ولزوجته التصقت بجلدي بينما بدأت في الانزلاق إلى الأسفل عبر ممر ضيق.
“سبلاش!”
توقفت في النهاية، مغرقًا تمامًا في السائل الأحمر الذي غطاني من رأسي حتى قدمي.
”…..”
مسحت السائل عن وجهي وشعري، ثم وقفت ونظرت حولي.
كانت الجدران تنبض بصمت، بينما كان الهواء المحيط حارًا ورطبًا، مما جعل التنفس صعبًا.
بدأت أفحص محيطي بحذر.
كل شيء بدا وكأنه مصنوع من لحمٍ حي، ينبض ببطء بينما انتشرت عروق سوداء كأنها شبكة عنكبوتية خبيثة على السطح.
كانت هناك أكياس لحمية غريبة تحيط بالمكان بأسره، كل واحدة منها تنبض بإيقاعٍ متناسق مع الكيس الخارجي.
داخلها، كان يمكنني تمييز ملامح باهتة وأشكال طويلة ونحيلة تتحرك بخفة.
لم يكن هناك شك… لقد كانت أجنة الأطياف.
“يبدو الأمر وكأنه أحد تلك الأفلام حيث يدخلون إلى داخل جسم الإنسان.”
بالفعل، كان كل شيء هنا يبدو وكأنه حي، لكن لم يكن لدي وقت للتفكير في ذلك.
“أربع دقائق.”
في هذا الوقت، كان عليّ إيجاد الملكة وشرب دمها.
هزيمتها؟ كان ذلك مستحيلًا.
ليس وأنا في وضعي الحالي، وليس مع هذا الوقت المحدود.
كانت وحشًا من رتبة الإرهاب، وأنا لم أكن حتى في المستوى الرابع.
كيف لي أن أهزم كائنًا كهذا؟
“سيكون من الرائع لو استطعت فقط شرب دمها.”
كان ذلك هدفي الأساسي منذ البداية.
“إلى أين أذهب؟”
تجولت عيناي في المكان.
كانت هناك ممرات لا حصر لها، ولم أكن متأكدًا من الاتجاه الصحيح.
بدأ رأسي يؤلمني من التفكير، وإن ضيعت الوقت في البحث عنها، فلن أتمكن من إنجاز هدفي.
عندها، خطرت لي فكرة…
“ماذا لو أجعلها تأتي إليّ بدلًا من أن أبحث عنها؟”
نظرت حولي.
أيا كان هذا المكان، فقد كنت واثقًا من أنه كان ذا أهمية خاصة للملكة.
لذا، إن بدأت بتدميره، فهناك احتمال كبير أنها ستأتي إليّ بنفسها.
لكن كانت هناك مشكلة…
“إنه أمر محفوف بالمخاطر.”
…لكن في النهاية، لم يكن أمامي خيار آخر. إما ذلك، أو الموت البطيء.
استدرت نحو الأجنة.
رفعت يدي، وفي لحظة، انقسمت قمتها إلى نصفين بينما أحاطت الخيوط بالمكان بأسره.
“سبلاش!”
اندفع السائل الأحمر المعتاد من الأكياس المنفجرة، لترتمي على الأرض كائنات باهتة شاحبة، لا تزال في مراحلها الجنينية.
تحركت أطرافها الضعيفة، وأخذت ترفع أذرعها باتجاهي كما لو أنها تحاول الوصول إليّ.
كانت أعينها وأفواهها مغلقة ، ومع ذلك، بدت وكأنها تشعر بوجودي، وأصابعها الهشة تخدش الهواء في محاولة يائسة للإمساك بي.
مشهد مروّع…
لكن ذلك كان لا شيء مقارنة بما حدث بعده.
“رررررررمبببل!”
اهتز المكان بأسره كما لو أنه استيقظ من سباته العميق.
تقلصت الأرض تحت قدمي، وكدت أفقد توازني لولا أنني أمسكت بالحائط بجانبي.
ثم… توقف كل شيء.
“سكووولتش!”
تبع ذلك صمت متوتر لا يُطاق…
لكن ذلك الصمت لم يدم طويلًا، حيث تمزقت المساحة فوقي، كاشفة عن عينٍ عملاقة تحدّق بي.
في تلك اللحظة، توقف نفسي تمامًا.
لم أعد قادرًا على الحركة، وكأن نظرتها اخترقت روحي، وشلت جسدي بالكامل.
“تشدد.”
لم يدم ذلك طويلًا.
في لحظة، استعدت وعيي، وعضضت على أسناني بقوة.
رفعت يدي دون تردد، ووهج أرجواني أحاط بها بينما تكوّنت يد ضخمة أمام العين.
[قبضة الأوبئة ].
كانت على وشك أن تمسك بها… لكن العين اختفت فجأة، كما لو أنها لم تكن هناك من الأساس.
“م-ماذا؟”
نظرت حولي على عجل، محاولًا استيعاب ما حدث.
لكن قبل أن أتمكن من معرفة مكان العين، بدأ المكان بالاهتزاز من جديد.
“ررررررررررمبببببل!!”
مرة أخرى، فقدت توازني.
تشبثت بالحائط محاولًا تثبيت نفسي، لكن ذلك كان خطأً فادحًا.
”….!”
فجأة، ظهرت يد طويلة ونحيلة بجواري مباشرة، مغطاة بنفس العروق السوداء المألوفة.
امتدت نحوي، محاولةً الإمساك بعنقي… لكنني تفاديتها في آخر لحظة، بأطراف أصابعها تكاد تلامس جبيني.
أو على الأقل، هكذا ظننت.
بينما كنت أتحاشى اليد الأولى، تجمد دمي في عروقي عند رؤية يدٍ أخرى تظهر مباشرة من أسفل قدمي.
كفها كان مفتوحًا، تتحرك ببطء غريب، مما جعل المشهد أكثر رعبًا.
“هوووب!”
بالتفاف سريع، تمكنت من تفاديها بصعوبة بالغة.
“هاا… هاا…”
لهثت بصوت عالٍ، ورفعت رأسي بحذر.
عندها، أدركت الحقيقة المريعة…
لم يكن هناك مجرد يدان اثنتان… لا…
كان المكان بأسره مغطى بأذرع طويلة ملتوية، تخرج من كل زاوية وظل، وراحت راحاتها تتحرك بتشنج وهي تمتد نحوي.
تجمدت مكاني، وجفّ حلقي من الصدمة.
إنه… مأزق ميؤوس منه.
“تبًا… تبًا تبًا تبًا….”
في النهاية، لم يكن أمامي سوى اللعن.
الوقت المتبقي قبل أن يتغلّب السم عليّ – دقيقتان.
__________________________________
ترجمة : TIFA