الفصل 327: موقف مفاجئ [3]
كان العالم مظلمًا.
“الغضب، الخوف، الفرح…”
كنت غارقًا في أفكاري، أحدق بلا وعي في الكرات الست التي كانت تقف أمامي. كانت تطفو بصمت في الهواء، بينما الكلمات التي تحتها تتوهج بخفوت.
الوقت لم يعد له معنى في هذه اللحظة.
كل ما جذب انتباهي كان الكرات الست التي أمامي.
كنت أتمتم باستمرار بأسماء كل كرة منها.
كان العالم لا يزال مظلمًا تمامًا، عالمًا غير مكتمل يفتقر إلى كل شيء.
عالم غير مكتمل…
“…..”
استعدت جزءًا من وعيي.
أحدّق في العالم المظلم من حولي، ثم إلى الكرات الست أمامي، وشعرت بجفاف في فمي.
“….هل سينجح؟”
مددت يدي نحو أقرب كرة.
كانت كرة “الفرح”.
وكأنها شعرت بيدي، بدأت الكرة بالنبض. ثم بدأت تتحرك وتتمايل وكأنها تحاول الوصول إليّ. الكرة… كانت تريد الانضمام إليّ. كنت أشعر بذلك.
“….!”
ما إن لمست أصابعي الكرة، حتى توتر جسدي بالكامل.
تصلبت عضلات وجهي، وانقبضت عضلات ساقي، وخفق دماغي. فتحت الكرة نفسها وبدأت تزحف نحو يدي.
في نفس الوقت، نظرت إلى العالم من حولي وهززت يدي.
اهتز الظلام الذي أمامي. بدأت الأرض تحت قدمي تليِن، بعد أن كانت صلبة وفارغة، تحولت إلى شيء ناعم بشكل مزعج.
خفضت رأسي، فصُدمت عندما رأيت نفسي واقفًا على بقعة من العشب، أوراقها الخضراء تتمايل بلطف حيث كان الظلام سابقًا.
انحنيت ولمست العشب بأصابعي، كان خشناً يخدش بشرتي.
لقد بدا… حقيقياً.
خطوت خطوة للأمام.
“واو.”
شعرت وكأنني أمشي على عشب حقيقي.
نظرت أمامي، وكان العشب يمتد بلا نهاية. خطوت خطوة أخرى، ثم أخرى.
وقبل أن أدرك، كنت أركض فوق العشب، وسرعتي تزداد مع كل خطوة.
بدأت أركض.
رغم عدم وجود ريح، شعرت وكأنها تلامس جلدي.
شعرت بالنشوة، واستمررت في الركض.
دون أن أدرك، تركت خطواتي آثارًا عميقة في الأرض، وسرعتي استمرت في الازدياد، وكأن تسارعي بلا حدود.
في مرحلة ما، بدأت أتساءل عن مدى سرعتي، لكن الفكرة توقفت تمامًا كما توقفت أنا.
“خه…!”
ألم حاد اجتاح جسدي بالكامل.
جاء الألم من ساقي، وعندما تفقدت جسمي، أدركت أن ألياف عضلاتي كانت تتمزق.
“ما…؟”
فوجئت بالتطور المفاجئ، فتوقفت عن الحركة. لكن فجأة، شعرت بوخز غريب في صدري. حاولت التخلص منه، لكنه ازداد سوءًا.
“هاه، آه…!”
وضعت يدي على فمي وأنا أشعر بأن ظهري يرتجف.
كان شيء ما يغلي في داخلي، يرتفع تدريجيًا، وبرغم محاولاتي لقمع الإحساس، تغلّب عليّ.
“هيهيهي.”
سرعان ما هربت الضحكة من شفتي.
كانت ضحكة خافتة، لكنها أثارت سلسلة من ردود الفعل.
السائل الأخضر اللزج الذي كان يزحف على ذراعي بدأ يسرع، زاحفًا نحو كتفي. ومع تمدده، اشتد الوخز، وتحول من إزعاج بسيط إلى حكة زاحفة لا تطاق.
“هيهي.”
أصبح من الصعب كبت الضحك.
وإلى جانب ذلك، بدأت أسمع أصوات تمزق خافتة تأتي من جسدي.
شعرت بالذعر من الأصوات، لكن جسدي رفض الاستجابة لي، واستمررت في الضحك.
“هاهاها.”
ومع مرور كل ثانية، أصبح الضحك أقوى، وقبل أن أدرك، كنت أضحك بجنون.
“هاهاهاها!”
فقدت القدرة على التفكير بوضوح.
انتشر السائل الأخضر اللزج إلى مناطق أخرى من جسدي، وازداد الألم في ساقي.
استمر ذلك لبضع ثوانٍ، قبل أن يهزني شيء ويعيدني إلى الواقع.
“…..!”
عندما استعدت وعيي، وجدت ليون واقفًا بجانبي، يده على مقبض سيفه، وشخص غريب يتجه نحوه من زاوية الغرفة.
نظرت إليهما في حيرة.
كان فمي متعبًا، والمشاعر الغريبة لا تزال بداخلي. شفتاي ترتجفان، وكل شيء يتحرك ببطء.
رأيت ليون يستعد لمواجهة الظل الغريب، بينما اندفع هذا الأخير نحوه.
كل شيء حدث أمام عيني.
لكن كان…
“بطيئًا…”
كل شيء بطيء جدًا.
أملت رأسي وتقدمت خطوة للأمام.
شعرت بألم حاد في ساقي لحظة الحركة، لكن صدري شعر بالخفة.
نظرت بالتناوب إلى ليون والظل الغريب.
اقترب من ليون، ذراعيه ممدودتين لقطع رأسه.
“لا يمكن.”
مددت يدي، أمسكت برقبة الظل، وبحركة من كتفي، رميته نحو الجدار.
تحطم الخشب ببطء، الشظايا تطايرت في الهواء.
من زاوية عيني، رأيت ليون يراقب تحركاتي، تعابيره متجمدة. ومع شد قبضتي، بدأ السائل الأخضر ينسحب من ذراعي وكتفي.
وفي نفس اللحظة، عاد العالم لسرعته الطبيعية.
بوووم—!
وصل صوت الانفجار إلى أذني، وصدى الاصطدام ملأ الغرفة، والجسد ارتطم بالجدار بقوة، محطماً الخشب إلى شظايا.
انسحب السائل الأخضر أكثر، وابتسمت.
“هههه.”
ضحكت رغم الموقف.
“هذا…”
عندما سمعت صوت ليون المذهول، أفقت أخيرًا، وتركت الظل يسقط أرضًا.
“آهخ!”
بمجرد أن أفلتت يدي، اجتاحتني دوخة شديدة، وبدأت أترنح.
“تبًا…!”
تمسكت بالجدار لأدعم جسدي.
“هاه… هاه…”
كنت ألهث بصعوبة، على وشك السقوط، وساقاي على وشك الانهيار.
ولولا أن ليون أمسك بذراعي، لسقطت.
“هل أنت بخير؟”
نظر إليّ ليون بقلق.
استغرقني الأمر لحظة لأرد، محاولًا تجاهل المشاعر المتبقية في ذهني.
ثم أومأت أخيرًا.
“نعم، أعتقد أنني بخير…”
“…جيد.”
ضغط ليون شفتيه، ثم نظر إلى الظل. لدهشته، كان مجرد متدرب من إمبراطورية أورورا، شخصًا مألوفًا وغريبًا في نفس الوقت.
كان الشاب فاقدًا للوعي، شعره البني القصير مبعثر، وأنفه الحاد وحاجباه العميقان عليهما نمش خفيف.
عيناه مغلقتان تمامًا وهو ممدد على الأرض.
ربطه ليون بحذر باستخدام أداة خاصة، ثم اتجه نحو الرسالة على المكتب.
كنت أرغب في قراءتها أيضًا، لكني لم أستطع النهوض.
ساقاي لم تستجب، وذهني لا يزال يعاني من آثار ما حدث. بين الحين والآخر، كانت شفتاي ترتجف رغمًا عني.
بدأت أفكر فيما حدث.
“…إذاً، الفرح يزيد سرعتي.”
كنت أعلم هذا مسبقًا. لكن التأثير والآثار الجانبية كانت أقوى مما توقعت.
لم أعد قادرًا على تحريك ساقي.
…كنت مشلولًا، مؤقتًا على الأقل.
“ربما يجب أن أتحكم بمدى السماح للكرة بالسيطرة. إذا كانت هذه مئة بالمئة، يجب أن أخفضها إلى ثلاثين بالمئة…”
جلست بصمت، أفكر في حالتي، بينما كانت ملامح ليون تزداد جدية.
وأخيرًا، وضع الرسالة ونظر إليّ.
“علينا أن نغادر.”
“هاه؟”
قبل أن أتمكن من السؤال، أمسك بي وسحبني.
“آه؟! انتظر!”
ثم، وهو ينظر حوله، اندفع خارج المنزل.
رررمبل! رررمبل!
في اللحظة التي تحرك فيها، اهتز المنزل. الأثاث ارتجف، والزجاج تحطم من إطاراته. اندفع ليون للأمام، وسحبني من ذراعي بينما لم أستطع إلا أن أشاهد بلا حول ولا قوة، والهزات تنمو أكثر وضوحا.
في الحالة الحالية لساقي، لم أكن قادرًا على الحركة أو اللحاق به.
الشيء الوحيد الذي استطعت فعله هو ترك نفسي أُسحب خارجًا، وعندما عبرنا الباب المؤدي إلى خارج المنزل، دوّى صوت ارتطام قوي من خلفنا.
شد ليون أسنانه وألقى بي إلى الأمام.
في نفس اللحظة، داس الأرض بقوة محدثًا صوت “فرقعة”، وانطلق جسده كالرصاصة.
بوووم—!
انهار المنزل من الداخل تمامًا لحظة خروجنا.
“ما هذا…”
سقطت على وجهي في العشب خارجًا، ثم رفعت نفسي بذراعي ونظرت إلى المشهد من خلفي بدهشة.
اعتقدت أن الأمر قد انتهى، لكن تعبير ليون ظل قاتما.
أمسكني من خصري وسحبني فوق كتفه كما لو أنني كيس بطاطا.
“آخ!”
حاولت الاعتراض، لكنه لم يمنحني أي فرصة لذلك، فقد انطلق بالجري بأقصى سرعة. كان متجهًا نحو نفس الطريق الذي أتينا منه، نحو المساكن البسيطة.
قبل أن أتمكن من الاحتجاج أكثر، ناولني الرسالة.
“اقرأها.”
مرتبكًا، أخذت الرسالة وبدأت بقراءتها.
كنتَ مخطئًا.
الملاك ليس هو المسؤول عن كل هذا.
هناك شيء أكثر شراً يحدث، شيء يستولي على عقول الجميع. أعتقد أنه نوع من الطاعون.
عليك أن تكون حذرًا.
أنا أيضًا أُصبت به. لن أكون هنا الآن، لكنني سأقابلك في شارع أوركلاهم غدًا لأخبرك بالمزيد.
إيفلين.
“…..”
نظرت إلى الرسالة، ثم قلبتها لأتأكد مما إذا كان ما أقرأه حقيقيًا. وبعد أن تأكدت من أنها حقيقية، تنفست نفسًا باردًا.
“إنها بخط يدها.”
قال ليون وهو ينعطف إلى منطقة أكثر عزلة.
“لكن الرسالة مزيفة.”
“….هل تعتقد ذلك؟”
“نعم، بلا شك. أنا متأكد أنك ترى ذلك أيضًا.”
“بالفعل.”
حتى لو كان ليون يصدق الرسالة، أنا لم أصدقها للحظة واحدة.
لقد رأيت الرؤية، وكنت شبه واثق من أن لها علاقة بما يحدث.
وبما أن أحدهم كان ينتظرنا، فهذا يعني أن الملاك كان قادرًا على الرؤية من خلال عيني إيفلين.
أي تصرف تقوم به، يمكن للملاك أن يراه.
وهذا يعني أن إيفلين بخير، وأنها نجحت في مقاومة تأثيره.
وكأن ليون لاحظ ما كنت أفكر فيه، فقال:
“من المحتمل أن إيفلين كتبت الرسالة بالفعل، لكن الملاك وجدها. ومنذ ذلك الحين، استبدل الرسالة بأخرى، وانتظر ليرى مع من تتعاون. إيفلين بخير.”
بدا ليون سعيدًا بهذه الفكرة، بأن إيفلين على قيد الحياة.
نظر حوله، ثم انعطف بزاوية حادة أخرى.
“….الموقف بأكمله قد يكون فخًا من الملاك. يريدنا أن نصدق أن الرسالة حقيقية كي يضللنا. لهذا السبب نصب لنا الفخ هناك. ليجعل الأمر يبدو وكأن الرسالة لم تُبدل. في الواقع، ربما لا يوجد أحد يلاحقنا أصلًا.”
“نعم.”
كنت أرى ذلك بوضوح.
الملاك… كان ماكرًا جدًا.
“هممم، ربما لم يكن عليّ أن ألعن تلك الرؤى… لها بعض الفائدة على ما يبدو…”
لولا تلك الرؤية، كان من المحتمل أن أقع في الفخ. لكن بما أنني كنت شبه واثق من أن التمثال مرتبط بهذا، استطعت أن أكتشف أن الرسالة مزيفة.
أما ليون، فبدا وكأنه اعتمد على حدسه.
عند الزاوية التالية، توقف ليون أخيرًا.
“يمكنك النزول الآن.”
أنزلني، فاستندت إلى الحائط. كانت ساقاي ترتجفان، وأصبح من الصعب أكثر فأكثر إبقاؤهما ثابتتين.
لم يقل ليون شيئًا عن ذلك، بل نظر حوله.
وجدنا أنفسنا في زقاق مهجور، مليء بحاويات القمامة، وجدرانه مغطاة بالرسومات المشوهة. ألقى ليون نظرة سريعة، وتعابيره ازدادت عبوسًا وهو ينقر بلسانه في انزعاج.
“تسك.”
بدا وكأنه يكره هذه الأماكن.
فكرت في سؤاله عن ذلك، لكنني توقفت.
أمسكت بساقي المرتجفتين، ولم أستطع سوى أن أبتسم له بمرارة. نظر إليّ للحظة قبل أن يتنهد.
“اذهب للراحة. سأبحث عن إيفلين. سأوافيك بالتفاصيل لاحقًا.”
وبعد أن قال ذلك، استدار وانطلق بالجري.
“انتظر!”
مددت يدي نحوه، لكنه كان سريعًا جدًا، بالكاد أتيحت لي فرصة للكلام. وبمجرد أن اختفى، ساد الصمت في الزقاق.
“آه.”
جالسًا في وسط الزقاق، وظهري مسنود إلى الجدار، نظرت إلى ساقي.
“….كيف أعود الآن؟”
__________________________________