الفصل 330: الوصول إلى الحد الأقصى [1]
في كولوسيوم غريمسباير، انهمر ضوء ساطع من الأعلى، مضيئًا المنصة المربعة في المنتصف.
كان الجو صاخبًا لأقصى حد، وكل نفسٍ ممتلئ بالتوتر والترقّب.
وصل حماس الجماهير إلى ذروته.
وقف شخصان في وسط الساحة، بينما كان الحكم واقفًا جانبًا.
بدا جوليان هادئًا، وتعبيره لا يُقرأ بينما كان يواجه كايليون.
كايليون، الذي بدا بنفس القدر من الهدوء، ارتدى زيًا أبيض تتخلله ظلال خفيفة من الأزرق تتطاير بصمت، بينما وقف الاثنان على طرفي الساحة، يقيسان بعضهما البعض بالنظر.
كانت هيبة كايليون طاغية، وزخمه القوي يتردد صداه عبر الكولوسيوم، ضاغطًا على كل من يشاهده.
وجد الكثيرون في الجمهور من لم يستطيعوا حتى النظر إليه، إذ تملّكهم الخوف من حضوره وحده.
بدا مختلفًا عن آخر مرة واجهه فيها جوليان.
أصبح أكثر هدوءًا واتزانًا.
تلك القوة المتفجرة التي كان يُظهرها سابقًا، أصبحت الآن مكبوتة بحذر، وكأنها نابض مشدود مستعد للانفجار في اللحظة المناسبة بدقة وتحكّم.
في غرفة البث، لم يستطع كارل إلا أن ينظف حلقه وهو يرتشف رشفة من الماء.
“بدأت المباراة، لكن لم يُبادر أي من المتنافسين بالحركة بعد.”
ساد الصمت والتوتر الكولوسيوم بأكمله.
كل الأنظار كانت مسلطة على الشخصين الواقفَين، يحدّقان ببعض بصمت.
كان التوتر خانقًا، جعل الكثيرين يبتلعون ريقهم بصمت، خائفين حتى من إصدار صوت.
وفجأة…
سوووش!
كان كايليون أول من تحرّك.
رفع يده ببساطة، وتغيّر الفضاء حول جوليان.
ظهرت أكثر من عشرة دوائر سحرية من حوله بتقلّبات دقيقة.
ظهرت وتثبتت بسرعة مذهلة جعلت من الصعب تتبّعها بالعين.
صدر صوت صفير بعد ذلك، يهزّ قلوب الجماهير، بينما اندفعت خطوط بيضاء بسرعة هائلة نحو جوليان.
كانت حركة كايليون سريعة لدرجة أن جوليان بدا وكأنه لا يملك وقتًا للرد.
لكن… هل هذا ما حدث فعلًا؟
تحركت نظرات كايليون نحو اليمين.
وفي لحظة، ضرب الأرض بقدمه، فتشققت تحتها الأرض كأنها شبكة عنكبوت.
اندفع جسده بسرعة خاطفة نحو الأمام، وظهر ظل أمامه.
“كما هو متوقع، كان كل شيء وهما.”
بعد دراسته لمعارك جوليان السابقة، عرف جيدًا عن أوهامه.
كان مستعدًا منذ البداية، معتمدًا على حواسه الأخرى بدلًا من بصره.
تشنج جسده، واهتزّ مع كل حركة.
رغم أنه بدا وكأنه تجاهل كلمات أستاذه، إلا أن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا.
لقد كان يصغي جيدًا، ولم يتردد لحظة في الدخول في قتال مباشر.
سووش!
في ثوانٍ، كان أمام جوليان الحقيقي.
ضغط قدمه على الأرض، واستغل الزخم للانزلاق خلف جوليان.
تكوّنت دائرة سحرية عند قبضته، شدّ عضلات ظهره وبطنه، ثم وجّه لكمة.
اهتزّ الهواء بمجرد اللكمة.
بوووم!
انفجار مرعب تبِعها مباشرة، وكانت قبضته متجهة نحو رأس جوليان.
قفز الجمهور دهشة، معتقدين أن جوليان انتهى أمره،
لكن… كانت الصدمة حين لم تصب القبضة أحدًا.
بدأ جسد جوليان بالتشوه ثم تحطّم أمام أعين الجميع.
وهمٌ آخر!
اتسعت عينا كايليون، فاستدار دون تردد، موجّهًا قبضته للجهة الأخرى.
بوووم!
اهتزّ الهواء مرة أخرى، وانفجر صوت مماثل يتردد.
هذه المرة… أصاب شيئًا!
كلانك!
تناثرت الشرارات في الهواء.
شعر كايليون أن قبضته اصطدمت بشيء صلب.
ظهر جوليان بعدها، متراجعًا بضع خطوات.
وقبل أن يتمكن كايليون من الهجوم مجددًا، انطلقت سلسلة باتجاه يده، والتفّت حول ذراعه بقوة.
فوجئ كايليون ولم يعرف كيف يتصرف.
في نفس اللحظة، داس جوليان بقوة على الأرض واستعاد توازنه.
ثم، دون أن يمنح نفسه وقتًا للراحة، انطلق نحو كايليون.
رأى كايليون ذلك من زاوية عينه.
“هُوَاب!”
بصوت عالٍ، توترت عضلاته، وبرزت عروقه.
بدأت ملابسه تتمدد، واحمرّ وجهه.
شدّ على أسنانه، ناظرًا إلى ذراعه التي بدأت تنتفخ حتى صدر صوت تشقق.
كرا كراك!
تحطمت السلسلة التي كانت تقيده، فانخفض بجسده.
ظهرت يد أرجوانية حيث كانت رأسه قبل لحظة.
تفادى الضربة، ثم نهض، وشد عضلات فخذيه ليركل بقدمه اليسرى.
توقف جوليان فجأة، وخفض جسده قليلًا، ضاغطًا براحته للأعلى، نحو ساق كايليون.
لم يتمكن من لمسها، لكنه حقق مراده.
سقطت قدم كايليون على الأرض، فاختل توازنه.
بانغ!
تشقق الأرض تحت قدمه.
شعر بألم في باطن قدمه، لكنه تجاهله.
لف جسده، ورفع ساقه الأخرى، دافعًا بكعبه نحو رأس جوليان المكشوف.
سووش!
هجمة عنيفة، لم تترك مجالًا للهروب.
أمسكته…!
فرح كايليون في داخله حين ظن أن جوليان لا يملك الوقت الكافي للرد.
لكن… تجمدت ملامحه حين مرت قدمه خلال وجه جوليان.
ثم ظهر وجهه مجددًا، متراجعًا قليلاً، ويده ممدودة نحو كاحله المتحرّك.
تقلصت عينا كايليون.
انقبض قلبه، وتغيرت ملامحه.
بمجرد أن لامسته اليد، علم أن الأمر انتهى!
لم يتردد كايليون.
عضّ على أسنانه، وضرب الأرض بكفّه بقوة.
في لحظة، ظهرت أكثر من عشرة دوائر سحرية حولهم.
اهتز الهواء من شدة كثافة المانا.
شحبت ملامح كايليون، وشعر بضعف شديد يتملكه.
تحمّل الإحساس ونظر إلى جوليان، الذي كان يحدّق به وكأنه مجنون.
وبالفعل، كان كذلك.
فلو لامسته يد جوليان، كان كايليون مستعدًا لتفجير كل شيء، ليأخذهما معًا نحو الهلاك.
رغم أن كليهما ربما لن يموت، إلا أن الإصابة كانت ستكون شديدة بما يكفي لإخراجهما من المباريات القادمة.
كانت هذه حركة انتحارية من كايليون.
والآن، كل ما تبقى هو قرار جوليان.
هل سيكمل؟ أم سيتراجع؟
كان أمامه جزء من الثانية فقط.
وقراره… أصبح واضحًا.
ضغط على قدمه وتراجع.
توقفت الدوائر السحرية فور تحرّكه للخلف، وأعاد كايليون توازنه.
ضغط قدمه على الأرض وتراجع لخلق بعض المسافة.
“هوو.”
التقط الاثنان أنفاسهما في نفس اللحظة، وعرق يملأ جبينهما.
وبينما تبادلا النظرات، انفجر الجمهور أخيرًا بصيحات الحماس.
“ووووو!”
“آآآآه!”
هزّت صيحاتهم الكولوسيوم، وارتجّت المنصة من شدّة التفاعل.
“يا لها من بداية مذهلة للقتال!”
لم يستطع كارل كبح حماسه، وبدأ البث يعرض لقطات الإعادة لما حصل.
لم يتمكن الكثير من الجمهور من متابعة المعركة بسبب سرعتها،فقد ساعدهم البث في رؤية ما حدث بوضوح.
هسسس…
صوت جماعي من الدهشة عمّ المكان وهم يشاهدون التبادل القريب بين الاثنين.
من اقتراب جوليان من الإمساك بكايليون، إلى كيف أرعبه كايليون بحركة انتحارية.
كانت مباراة شديدة الحدة.
بانغ!
صوت انفجار مكتوم تردّد في الأرجاء…
اصطدمت قبضتا جوليان وكايليون ببعضهما البعض.
وفي هذا التبادل، خرج كايليون منتصرًا، حيث تراجع جوليان عدة خطوات إلى الخلف.
تأوه قليلًا ورفع كلتا يديه ليستعد للهجوم القادم… والذي لم يتأخر.
بانغ، بانغ!
كانت لكمات كايليون سريعة ودقيقة.
القوة الكامنة في كل لكمة جعلت جوليان يتعثر إلى الخلف عدة خطوات.
ومما زاد الطين بلة، في كل مرة كان جوليان يحاول أن يجد ثغرة أو فرصة، كانت دائرة سحرية تظهر من العدم، وتحبط خطته تمامًا.
تلك اللحظات القصيرة من التردد، استغلها كايليون بلا رحمة، مطلقًا وابلًا من الضربات المتواصلة.
كما نصحه الأستاذ ثورنويسبر، جلب كايليون القتال إلى مدى قريب، وجهاً لوجه.
بانغ—
مع كل لكمة يوجهها كايليون، كان جوليان يتراجع أكثر فأكثر.
ثم توتر جسد كايليون فجأة.
انتفخت عضلات ذراعيه، وكذلك جسده بأكمله، حتى تضاعف حجمه تقريبًا.
احمرّ وجهه نتيجة هذا التحول المفاجئ.
ضغط قدمه على الأرض، وتلاشى جسده عن الأنظار.
وفي لحظة، ظهر مباشرة أمام جوليان، الذي تقلصت حدقة عينيه من الصدمة.
“ها!”
دون تفكير طويل، تراجع جوليان خطوة للخلف، وزاد الجاذبية من حوله.
لكن ذلك لم ينفع.
شعر كايليون بزيادة الجاذبية، نعم، لكنها لم تكن كافية لإيقافه.
تباطأت حركته قليلًا، لكن زخم جسده لم يتوقف،
ودفع قبضته للأمام، ليصاحبها صوت صفير اخترق أرجاء الكولوسيوم.
حدّق جوليان في القبضة القادمة برعب ظاهر في عينيه.
”…سوف تنتهي الأمور إن أصابتني.”
فهم وقتها أنه يجب أن يتصرف فورًا.
أخذ نفسًا عميقًا، وتمتم بكلمة واحدة:
“الخوف.”
تجمد عقل كايليون بينما ترددت الكلمة في أذنه.
العالم من حوله تلاشى، وابتلعته ظلمة لا نهائية.
في الفراغ، ظهرت منجل ضخم،
نصله الحاد والبارد يضغط على رقبته، باعثًا قشعريرة في عموده الفقري.
اندمجت صورة جوليان مع الظلام، واختفى عن الأنظار.
هذا التغيّر المفاجئ أبطأ زخم كايليون مؤقتًا.
لم يتمكن من استعادة حواسه إلا عندما بدأ رأسه يؤلمه وتحطم الخوف الذي سيطر عليه.
استمرت الظلمة، ولا زال نصال المنجل قريبًا من عنقه،
لكن كايليون تجاهل كل شيء.
باندفاع قوي، دفع قبضته للأمام، قاطعًا الفراغ وكأنه لا شيء آخر يهم.
بوووم!
تبع ذلك انفجار مرعب،
وتزحزحت فيه إحدى الأجساد إلى الخلف،
وتحطّمت الظلمة التي غلفت كايليون، كاشفة عن الجمهور وأرض الساحة.
“هووو.”
أخذ كايليون نفسًا عميقًا، وتوقف لحظة وهو يحدّق أمامه.
كان جوليان واقفًا عند حافة المنصة،
قدماه بالكاد متشبثتان، ويده اليسرى متراخية إلى جانبه.
وجهه كان شاحبًا، ودم يسيل من طرف ذقنه.
وفي تلك اللحظة، تلاقت أعينهما.
وانفجر الكولوسيوم بهتافات الجماهير.
“واااااه!”
___________________________________