الفصل 341: ماضي مختوم [6]
همستُ ببرود عند سماعي الكلمات التي خرجت من فم الفتاة الصغيرة.بدأت أشياء كثيرة تتّضح لي في تلك اللحظة.
من رمز البرسيم ذو الأربع أوراق إلى كيفية ظهور التمثال.
“….إذاً، السماء المقلوبة هي منظمة مكوّنة من بقايا مملكة ريلغونا.”
كل شيء بدأ يُصبح منطقيًا عندما استرجعت كل ما رأيته.
كما أنني تعلمت بعض الأمور الجديدة.
لكن، في نفس الوقت، ظهرت بعض الأسئلة في ذهني.
البرسيم ذو الأربع أوراق، ما علاقتها بالوشم الموجود على ذراعي؟ هل هناك علاقة أصلًا؟
“يبدو أنني سأحتاج للتعمق أكثر في تاريخ هذا المكان.”
شعرت وكأنني على وشك اكتشاف شيء مهم.
ليس هذا فقط…
عندما حولت انتباهي نحو الفتاة الصغيرة التي نظرت بفارغ الصبر إلى السماء، بدأت أُكوّن فكرة عمّن تكون.
“الرجل بلا وجه. سيثروس.”
فقط هو من يمكنه أن يأمر شخصًا مثل أطلس.
لقد أتى شخصيًا لمعاقبة أولئك الذين ينتمون إلى هذه المملكة، ودخل في جسد الفتاة الصغيرة أثناء ذلك.
هل كان كل هذا لإيصال رسالة…؟
استدرت وأعدت نظري إلى التمثال.
دموع سوداء سالت على وجهه بينما كان يحدّق إلى الأمام دون حركة. عندها رحل سيثروس والآخرون.
بدأ التغيير يحدث في العالم.
وكأن الزمن قد تسارع فجأة، تغير العالم. بدأت التغيّرات تظهر. المنازل أصبحت مهجورة، الشوارع أصبحت أكثر فراغًا، والمباني بدأت تنهار. وبالتدريج، سقطت المملكة.
المنازل وقفت فارغة، أبوابها مفتوحة، وسكانها قد غادروها واحدًا تلو الآخر.
الشوارع التي كانت تضج بالحياة أصبحت صامتة بشكل مخيف، دون أي أثر للحياة.
المباني بدأت تتداعى، جدرانها تشققت وبدأت تتفتت وكأنها تتعفن من الداخل.
انهارت المملكة.
وفي ذلك الوقت، ومع كل تلك التغيّرات، لم تبق أشياء كثيرة على حالها… سوى القليل.
الشمس البيضاء.
السماء الرمادية، و…
ملاك الحزن.
وقفت بصمت، أراقب كل هذا ينكشّف أمام عيني.
لم أكن أعلم ماذا أقول أو أفعل. كل ما استطعت فعله هو أن أطبع هذا المشهد في ذهني، وأنا أشعر باليأس، والألم، والغضب، والحزن الذي يسكن روح التمثال وهي تشاهد كل شيء بعينيها دون أن تستطيع فعل شيء.
وقف التمثال في نفس المكان لقرون، حتى جاء من استعاد الأرض ونقله.
….وكان في تلك اللحظة بالذات، أن التمثال دبت فيه الحياة.
شعرت بالغضب المكبوت والظلام داخلها، فرفعت رأسي لأراها واقفة أمامي، تمسك بعنقي بشدة.
كانت تضغط بكل قوتها، تحاول أن تكسر عنقي.
لكنني كنت أعلم أن هذا مستحيل.
كان هذا عقلي بعد كل شيء.
“إنه عديم الفائدة.”
أخيرًا، وجدت الكلمات.
حدّقت في التمثال. رقبته بدأت تدور لتُظهر عدة وجوه، تحاول اختراق ذهني كي تستولي عليه.
قبضتها على عنقي اشتدت أكثر.
لم أعد قادرًا على التنفس.
…أو بالأحرى، هي كانت تحاول أن تجعلني أعتقد أنني لا أستطيع التنفس.
بقيت واقفًا بهدوء، غير متأثر بكل هذا.
وعندها فقط، أدرك التمثال أن لا فائدة.
في لمح البصر، اختفت يداها من عنقي، واختفت من أمامي.
ولم يتبقَ شيء سوى ظلام ذهني.
عندها، فتحت عيناي.
غرفة تبديل الملابس المألوفة كانت أول ما رأيته.
“هوو.”
اتكأت على الحائط بجانبي، أحدّق بسقف الغرفة بلا تركيز.
جلست في صمت على هذا الحال، ولم أخرج منه إلا عندما سمعت الهتافات الخافتة القادمة من الحلبة في الخارج.
“أوه، يبدو أن المعركة بين ليون وأميل أوشكت على الانتهاء.”
وقفت وربّت على ملابسي.
“لا يجب أن أفوّت ذلك.”
مررت بجانب الملابس المبعثرة على الأرض، واتجهت نحو الباب.لكن، تمامًا قبل أن أغادر، توقفت لألقي نظرة على المرآة الموضوعة بجانب الخزانة المعدنية.
حدّقت في انعكاسي لعدة ثوانٍ، ثم أعدت ترتيب ياقة قميصي لأخفي الآثار التي تركتها قبضتها على عنقي.
“وووو!”
“آااه!”
فتحت الباب، واجتاحتني هتافات الجمهور.
استمتعت بالصوت لبضع ثوانٍ، ثم خرجت أخيرًا.
كلانك!
“أنا متأكد أن ليون سيكون سعيدًا بما تعلمته.”
كان الجمهور يغلي حماسة.
كلانك، كلانك—!
مشهد مذهل أبهر الحضور.
انطلقت الشرارات، تتفجر في الهواء مثل ألعاب نارية ملونة.
تبع كل تصادم انفجارات صغيرة، وعينا ليون أصبحتا حمراوين من شدة التوتر.
كلانك!
دوّى انفجار آخر قوي، والشرارات ازدادت سطوعًا.
“….!”
تراجع ليون عدة خطوات، أنفاسه ثقيلة للغاية.
“هاه.. هاه…”
كتفاه كانتا متراخيتين، وعيناه غير مركزتين.
أما أميل، ورغم أنه لم يكن في حال أفضل بكثير، إلا أنه كان يملك الأفضلية.
“وووو!”
هتافات الجمهور وتصفيقهم تردد في أرجاء الكولوسيوم بينما استعاد الخصمان أنفاسهما.
استغرقت هذه العملية بأكملها أقل من ثانية. وسرعان ما أخذ نفسا عميقا، تلاشى جسد ليون في الهواء بينما هاجم أميل، الذي رد الهجوم بهجوم مضاد.
كلانك!
انخفض أميل بجسده ووجه سيفه بضربة أفقية.
انحنى ليون للخلف، متفاديًا طرف سيف أميل بصعوبة، ثم وجّه ضربة رأسية.
صدّ أميل الضربة بصفعة سريعة على جانب السيف، ثم اقترب بخطوة، موجّهًا ضربة قطرية قوية إلى الأعلى.
شحب وجه ليون بينما ظهر جرح كبير في جسده.
بدأ الدم يسيل على قميصه بينما ركل الأرض مبتعدًا عن أميل، الذي لم يترك له فرصة واحدة ليستعيد أنفاسه.
كلانك، كلانك—
الجمهور بالكاد كان قادرًا على متابعة ما يحدث، وتكافح عيونهم من أجل المتابعة بينما كانت السيوف تتدفق في الهواء بسرعة مذهلة، تنعطف وتغير اتجاهها في أي لحظة.
لم يكن هذا مجرد تبادل للضربات بالسيوف.
بل كان أيضًا لعبة ذهنية.
من سيسقط أولًا في الفخ؟
“….يا له من احتراف!”
لم يستطع كارل إلا أن يُشيد، وهو يشاهد المباراة بعينين تلمعان من الحماسة.
“بعد مرور خمس دقائق على بداية المعركة، بدأ كلا الطرفين يظهران علامات الضعف.لكن، إن نظرت جيدًا، سترى أن ليون في وضعية غير متكافئة بوضوح.هل سينتصر أميل؟ ما رأيك؟”
التفت للنظر إلى يوهانا.
على عكسه، لم تبدُ عليها الحماسة.
وذلك لأنها كانت شديدة التركيز على تحليل الوضع.
وبينما كانت تفرز كل ما لاحظته، قالت:
“ليون كان يقاتل طوال الوقت وهو حابس أنفاسه.”
“هاه؟”
تجمد وجه كارل عند سماع كلامها.
“يقاتل وهو لا يتنفس؟ لماذا قد يفعل ذلك؟”
“لأنه لا يملك خيارًا آخر.”
ردت يوهانا، وقامت بتكبير البث لتُظهر عدة لحظات توقف فيها ليون لأخذ نفس عميق قبل أن يهاجم.
“هناك سبب واحد منطقي يجعله يحبس أنفاسه أثناء القتال، وهو مجال أميل.”
“….؟”
“لاحظ كيف يضعف ليون في كل مرة يتنفس فيها بعمق.
هل تعتقد فعلًا أن السبب هو نقص الأكسجين؟”
“من الممكن…”
“لا، ليس تمامًا.”
هزّت يوهانا رأسها.
“قدرته في النطاق تسمح له باستعادة صفائه الذهني وزيادة قوته.من المفترض أن يصبح أقوى، لا أضعف.”
“آه.”
“أيا كان مجال أميل، فهو يمنعه من التنفس. في كل مرة يستنشق فيها شيئًا من الموجود على المنصة، يزداد ضعفه.”
“…..”
ضمّ كارل شفتيه بعد سماع تحليلها.
وإن كان هذا صحيحًا…
حوّل انتباهه نحو ليون الذي كان يكافح.
“…أخشى أن ليون لم يتبق له الكثير من الوقت قبل أن يستسلم جسده بالكامل.”
كلانك!
تطايرت الشرارات مرة أخرى بينما تبادل ليون وأميل الضربات.
كلانك، كلانك—
شعر ليون بوخز في صدره بينما حبس أنفاسه.
كان الأمر تمامًا كما قال كارل ويوهانا.
لم يستطع التنفس.
الرائحة التي كانت عالقة في الهواء أضعفته في كل مرة يتنفس فيها، ولم يكن لديه خيار سوى أن يتصرف بهذه الطريقة.
المشكلة الوحيدة هي أن ذلك أعاق أداءه.
“إن لم أستطع التنفس، فعليّ أن أجعله لا يتنفس أيضًا!”
ولهذا السبب، هاجم ليون بلا توقف.
اختفى جسده وعضلاته تتقلص وتتحرك، وضرباته تتصل ببعضها البعض بسلاسة، مشكّلة رقصة مبهرة بالكاد استطاع أميل صدها.
كلانك!
انطلقت شرارة قوية في الهواء بينما ترنّح أميل، وتزعزعت دفاعاته للحظة.
تقلصت عينا ليون في تلك اللحظة.
“الآن…!”
كانت هذه فرصته، ولم يكن يريد إضاعتها.
ركل الأرض بقوة وانطلق للأمام مهاجمًا من الأعلى.
سووش!
كانت تصرفاته متهورة بعض الشيء، فمن المحتمل أن يكون هذا فخًا، لكنه لم يكن يملك الوقت للتردد.
تألقت النجوم في عينيه، ثم بدأت تتلاشى واحدة تلو الأخرى بينما كانت قوته تتزايد، وكذلك هجماته.
كلانك! كلانك!
رد أميل بالمثل، جسده يلتف ويتحرك بسلاسة، متفاديًا بعض الهجمات بينما يرد ببعضها.
كانت حركاته أنيقة ومتقنة.
أكثر بكثير من ليون، الذي كانت هجماته أكثر دقة ووحشية.
“خه…!”
كانت معركة مريرة، أحد الطرفين يحاول كسب الوقت، والآخر يدفع نفسه لأقصى حد بسبب نفاد الوقت.
“أوهك!”
كان وجه ليون محمرًا بالكامل بينما كان يضرب ويتقاطع بالسيف.
“أكثر…! أكثر!”
شعر برأسه خفيفًا وبصره بدأ يتشوش.
كان على وشك الانهيار.
….كان بحاجة لأخذ نفس.
ومع ذلك، رفع رأسه وحدق في خصمه الذي لا يزال يقاوم.عندها، شد على أسنانه وأصرّ على المتابعة.
تلاشت النجوم في عينيه واحدة تلو الأخرى بينما القوة تتدفق في جسده.
كلانك! كلانك—!
ازدادت الشرارات سطوعًا وعضلاته انتفخت، مما أدى إلى شدّ ملابسه.
“عليّ أن…”
كان وجه ليون شاحبًا تمامًا وعيناه غير مركّزتين.
ورغم كل هذا، استمر في التأرجح بسيفه.
سلاش! سلاش—
صفّر الهواء مع كل ضربة، وشكله بدأ يتداعى، وخطواته أصبحت متعثرة.
شكل أميل تزعزع مرة أخرى.
تغيّر تعبيره، واستغل ليون تلك اللحظة.
ركّز قوته في خصره ووجّه ضربة بكل ما أوتي من قوة.
“آآآه!”
صرخ ليون، مفقدًا ما تبقى لديه من هواء.
كلانك!
ازداد التصدع في دفاع أميل.
“أوخ!”
شعر ليون بجسده يتوقف.
“الهواء…!”
…كان عليه أن يتنفس، لكنه كان يعلم أيضًا أنه سيخسر لو فعل.
“خه!”
فواصل الهجوم.
سلاش! سلاش!
ضرب وهاجم وواصل الضرب.
كل ضربة كانت تجبر أميل على التراجع.
حاول الرد، لكن هجمات ليون لم تترك له أي فرصة.
كان كآلة…
يكرر نفس الحركة مرارًا وتكرارًا.
كل ما كان يفكر به هو قطع خصمه، الذي لم يعد يراه بوضوح.
كلانك!
شعر بأن سيفه ارتطم بشيء، لكنه لم يكن متأكدًا مما هو.
وبينما كان يحبس أنفاسه، استمر في تكرار نفس الحركة.
إما هو… أو خصمه…
سووش— سو…
شعر ليون بأن سيفه توقف في منتصف الطريق.
حاول دفعه أكثر، مستمدًا قوته من النجوم، لكن سيفه لم يتحرك.
وكأن جسده كله فقد قوته.
عندها، أدرك ليون الحقيقة.
“آه.”
لم يعد قادرًا على التحمل.
شعر بأن ركبتيه تنهاران، فترك سيفه وجثا على الأرض.
“هااا…”
لأول مرة منذ فترة، أخذ نفسًا عميقًا، ملأ رئتيه
بالأكسجين، حيث شعر العالم من حوله بالهدوء بشكل مخيف.
عيناه كانتا لا تزالان مشوشتين، ولم يكن قادرًا على التفكير بوضوح.
“الفائز هو…”
ورغم حالته، استطاع سماع كلمات الحكم.
“ليون إليرت من إمبراطورية نورس أنسيفا!”
_____________________________________