الفصل 355: زاوية مختلفة [1]
“…إنه أنت، أليس كذلك؟”
لم تبدو الفتاة الصغيرة متأكدة تماماً. أجل، عيناها… كانتا لا تزالان فارغتين. لم تكن تراني، ولم تكن حاضرة فعلياً.
شعرت وكأنها إرادة متبقية.
مثل حصاة .
“كنت أعلم أنك ستأتي في النهاية. أنت تفعل ذلك دائماً.”
كان صوت الفتاة الصغيرة هادئاً، واضطررت إلى إجهاد أذني للاستماع. قفزت من على السرير وسارت نحوي.
تاك، تاك—
كانت خطواتها الصغيرة تنقر بإيقاع دقات قلبي.
با… ضرع! با… ضرع!
وقفتُ في مكاني، دون أن أنطق بكلمة. اكتفيت بالتحديق بها وهي تقترب مني.
شعورها كان خانقاً، لكنني بقيت متماسكاً.
ضغطت قدمان صغيرتان على كتفي بينما أطلّ رأس صغير من خلفي. كانت عينا حصاة مركّزتين على الطفلة، وجسده متوتراً وكأنه يستعد لشيءٍ ما. لكنني رفعت يدي وأوقفته عمّا كان ينوي فعله.
“ليس بعد.”
توقفت الفتاة الصغيرة في النهاية.
كان طولها بالكاد يصل إلى أسفل صدري، مما أجبرني على النظر إلى الأسفل لمقابلة عينيها التي بدا أنها تريد أن تمتصني في أي لحظة.
“…..”
كانت صامتة وهي تنظر إلي.
لم يتحدث أي منا.
على الأقل، في الثواني الأولى قبل أن تبتسم الفتاة الصغيرة من جديد.
“…ألا تعرف حقاً أين نُويل؟ أم أن هذا واحد آخر من مخططاتك؟”
با… ضرع! با… ضرع!
كاد قلبي يقفز من صدري.
“ه-لقد قالها…”
نُويل…؟ هو يعرف الاسم… هذا أكّد كل شيء تقريباً. مورتوم… لم يكن سوى نُويل!
اهتز عقلي.
اضطررت لقمع رغبتي في التقدم وإجبار الفتاة على الكلام.
لكنني علمت أن ذلك لن يكون قراراً صائباً.
رغم أنها لم تكن سوى إرادة متبقية—أقل قوة من حصاة بسبب الوقت الطويل الذي قضته داخل التمثال—إلا أنني علمت أن من ترك تلك الإرادة لا يزال حياً.
لم أرد أن يتم تتبعي بسبب تصرفاتي.
ولهذا السبب، لم يكن أمامي سوى أن أبقى ساكناً.
…كنت أواجه بالفعل مشكلة مع السيف بعد كل شيء.
“يا لي من حمقاء، ما هذا السؤال الغبي؟ من الواضح أنك لا تزال تبحث عنه. هوسك الغريب به لم يختفِ بعد، أليس كذلك؟”
كان في صوتها لمحة من التسلية وهي تتحدث.
ارتعشت قليلاً، وحبست أنفاسي وأنا أنصت لكل كلمة تنحت في ذهني.
“لدي الجواب إن كنت ترغب في سماعه.”
“….!”
ارتعشت ذراعي.
شعرت مجدداً برغبة ملحة لأن أندفع وأطالب بالإجابات. لكن العقل تغلّب في اللحظة الأخيرة.
“ما زلت لا تأخذ الطُعم؟”
بدت الفتاة الصغيرة خائبة الأمل قليلاً وهي تنزل رأسها وتربّت عليه.
“تعال، اضغط على يدك هنا واستخدم تلك القوى الخاصة بك. ستتمكن من معرفة أي شيء تريده. أين نُويل؟ أين أنا؟ ما كنت أفعله في آلاف السنين القليلة الماضية؟وجميع الإجابات التي تريدها.”
ارتعشت ذراعي.
للحظة وجيزة، شعرت برغبة في فعل ذلك.
كلمات الفتاة ضغطت على رأسي كأنها همسات إغراء ناعمة، تدفعني بخفة لفعل ما تطلبه.
لكنني قاومت.
وضعت يدي على صدري، شعرت بالعرق ينساب من جانب وجهي، وأبقيت يدي بعيدتين.
“إنه فخ… إنه فخ… إنه فخ…”
“ما زلت لا تفعل شيئاً؟”
بدت الفتاة الصغيرة محبطة.
نظرت إليها وأنا أُطبق فمي بصمت. كان قلبي يضغط على حلقي بينما أنزلت رأسي لأحدق في ذراعي اليمنى التي بدأت فجأة تتوهّج.
غمر جسدي ألماً مرعبا عندما بدأت في الارتعاش على الفور.
كان الألم شديداً لدرجة كادت تجعلني أصرخ، لكنني بصعوبة شديدة تمالكت نفسي.
خرجت بعض الأصوات بين الحين والآخر، وبدأت أقلق، لكن قلقي اختفى فور أن رأيت الورقة الرابعة والأخيرة تُضاء.
“هذا…”
حدقت في الورقة الرابعة، ولم أستطع إخفاء دهشتي، ونسيت وضعي للحظة.
“لماذا الآن من بين كل الأوقات…؟”
كانت المحفزات وراء كل ورقة غامضة. تظهر في أوقات عشوائية، ومن العدم.
شعرت بالضياع وأنا أحدق في الورقة الرابعة.
“ما وظيفتها؟ ماذا سيحدث إن ضغطت عليها؟”
بدأت الأسئلة تغمر ذهني، لكنها لم تدم طويلاً قبل أن تُعيدني إلى الواقع الخانق الذي كنت فيه، وقلبي يقفز فجأة حينما خطت الفتاة خطوة أخرى، ومدت يدها وأمسكت بذراعي بقوة.
“….!”
كانت لمستها باردة، وارتجف جسدي بالكامل.
حاولت التراجع، لكن قبل أن تتاح لي الفرصة، ضغطت يدها الصغيرة على إحدى الأوراق.
لم يحدث شيء.
تنفّست الصعداء، لكن ذلك لم يدم طويلاً، فقد أمسكت بيدي الأخرى ووجهتها نحو الورقة.
“….!”
تدفق العرق البارد من ظهري بينما حاولت المقاومة. حاولت أن أقبض يدي وأتراجع، لكن دون جدوى.
حتى حصاة لم يستطع فعل شيء.
بمجرد إشارة من يدها، أصبح حصاة عديم الفائدة.
“قد أكون ضعيفة، لكنني ما زلت أقوى مما تتخيل. والآن…”
وصلني صوتها الممزوج بالتسلية.
“دعني أرى قدراتك.”
كنت عاجزاً، وسرعان ما…
ضغط إصبعي على ذراعي.
لقد استهلكني الظلام فجأة.
حينما عاد الضوء إلى عينيّ، بدأت جيوب أنفي بالانسداد، ودمعت عيناي بسبب الدخان الكثيف في الهواء.
“أين أنا…؟”
أغمضت عيناي قليلاً، وبدأت أتكيف مع البيئة المحيطة.
رررمبل! رررمبل!
فجأة، بدأت الأرض من تحتي تهتز، وفقدت توازني وتراجعت بضع خطوات إلى الوراء، أتشبث بجانب مبنى متهدّم لأثبت نفسي.
“ما الذي…؟!”
رفعت نظري، فتجمّد قلبي حينما أدركت أنني أقف في مكان أعرفه جيداً—أنقاض مملكة ريلغونا، تماماً كما رأيتها في الرؤية.
خطوة خافتة ترددت إلى جانبي وجعلت جسدي يتجمد في مكانه.
“هذا هو…؟”
بعينين تائهتين، نظرت الفتاة الصغيرة حولها.
ورغم أنها كانت عمياء، إلا أن الأمر بدا وكأنها ترى كل شيء.
“هل هذا هو المستقبل الذي رأيته؟”
فتحت فمي، لكن قبل أن تخرج الكلمات، لمحت شكلاً من زاوية عيني.
“….!”
كان يدير ظهره لي، يخفي ملامحه، لكن حين حدّقت في شعره الأسود الكثيف وبنيته القوية المألوفة، أدركت ذلك سريعاً.
لم يكن سوى… أنا.
“هل أنا أعيد مشاهدة الرؤية الأولى…؟”
لا، ليس تماماً…
شعرت بخشونة الأرض تحت يدي، والتقطت حفنة منها.
حين تركت الحبيبات تنساب بين أصابعي، عرفت أن هذا ليس مجرد رؤية.
إذاً ما هذا…؟
بوووم—!
انهار مبنى بعيد، ومن بين أنقاضه خرج شكل مألوف.
“لقد… وجدتك أخيراً!”
صرخت بصوتٍ حاد بينما السماء تتحول إلى لون قرمزي.
كانت تبدو أكبر سناً، لكن لا مجال للخطأ—أويف.
شعرها القرمزي كان يتطاير مع الريح، وعيناها تتوهجان مثل شمسين صغيرتين، تنيران الأرض من تحتها… وتنيرانني أنا، وأنا أقف في ظلّها.
“هل هذا كل ما لديك لتقوله لي؟”
ها هو مجدداً…
تلك النظرة التي رأيتها في الرؤية الأولى.
كانت نظرتها تحوي شيئاً لم أستطع فهمه.
لكن بخلاف المرة السابقة، أصبح الأمر أوضح قليلاً.
لم تكن حزناً… ولا شوقاً.
بل كانت…
“خيبة أمل.”
ولكن لماذا…؟
أردت أن أقترب، لكن الضغط الهائل منعني.
في المقابل، كانت الفتاة الصغيرة تراقب كل شيء بصمت، وتعبيرها يصعب قراءته.
على عكسي، لم تكن متأثرة إطلاقاً بما يحدث.
كراكا! كراكا!
تماماً كما في الرؤية، بدأ البرق يضرب الأرض.
تدمّرت المباني، وانشقّت الغيوم، كاشفة عن إيفلين بكل عظمتها.
ملامحها كانت ساحرة كما أتذكرها، وهي واقفة في السماء، وثيابها تتطاير تحت قوتها العظيمة.
“إذاً… لقد وصلتِ أخيراً.”
“همم؟”
لم أكن قد انتبهت لذلك من قبل، لكن الآن حين ركّزت، بدا صوتي… أقل برودة مما أتذكر.
حين تحدث “أنا” مع إيفلين، بدا في صوته شيءٌ إضافي.
لكن ما هو تحديداً؟
لم أفكر في ذلك طويلاً، إذ بدأ العالم يتغير.
من الأحمر… إلى البنفسجي… ثم إلى الأسود.
ظهرت قبة سوداء ضخمة، تغلّفت بها معظم المناطق المحيطة.
شعرت بثيابي وشعري يتطاير أمام المشهد، وفقدت إدراكي لما يحدث داخل القبة.
أما الضغط—فكان مرعباً.
ما الذي كان يحدث هنا…؟
رررستل!
صوت حفيف مفاجئ أخرجني من أفكاري، حيث ظهر شخص آخر خارج القبة السوداء.
“إنه هنا…”
كان كما رأيته في الرؤية، عيناه الرماديتان تتوهجان بخطورة تحت السماء الداكنة والمحيط الرمادي.
واقفاً بثبات، وشعره يتطاير، وملامحه تبدو أكثر نضجاً وقسوة من الوجه الذي أعرفه.
ما زال ليون… لكن هناك شيء مختلف فيه…
“تصرفه… مختلف عن الرؤية.”
بدا أقل حدة في قراراته.
لكن مجدداً، لم تتح لي فرصة مشاهدة هذا الجزء في الرؤية السابقة.
وفي يده… كان يحمل سيفاً طويلاً ونحيفاً.
كان يلمع تحت الشمس البيضاء المعلقة في السمـ—
“هاه؟”
رمشت بعيني، وفركتهما وأنا أحدق في السيف مجدداً.
“ذلك…”
توقف قلبي فجأة، واستحوذت صدمة باردة مشلولة على جسدي بأكمله.
عيناي تجمدتا على ليون الواقف خارج القبة السوداء، وبدأت أحاول استيعاب ما أمامي.
“م-مهلاً، لكن…؟”
كافحت لأفهم المشهد، وزحفت إلى الخلف قليلاً.
“لا أستطيع فعل هذا.”
كلانك! كلانك.
“….!”
فقدت صوتي.
وضعت يدي على فمي من الصدمة، وأنا أرى ليون يفلت سيفه، فيسقط على الأرض.
ذراعاه ترتجفان بقوة، وعيناه تهتزان حزناً وهو يحدق في القبة السوداء أمامه.
“لا… لا أستطيع فعل هذا.”
كرّر، وهو يطبق شفتيه.
“أنا…”
“مستحيل…”
تدريجيا، وقفت من مكاني.
ونظرت نحو المشهد البعيد بعدم تصديق.
“….ما هذا؟ هل هو واقع مختلف؟ مستقبل مختلف؟ هل المستقبل قد تغيّر بسبب أفعالي؟ هل هذا هو—”
يدٌ وضعت على كتفي، فتوقفت.
وأدرت رأسي ببطء، لأقابل عيوناً مألوفة تنظر إلي.
“….آه.”
فمي انفتح وانغلق مراراً، أحدق في تلك العيون العسلية المألوفة جداً.
“ك-كيف؟ أليس هو كان…؟”
تذبذبت نظراتي بين القبة السوداء، وبين الشخص الذي وقف أمامي، وكأنني دمية مكسورة.
“هـ-ذا… م-ماذا؟”
لماذا هناك… نسخة أخرى مني؟
______________________________________