كانت عيناه العسليتان تحدقان بي بنظرة شديدة الاختناق، قبل أن تتحول سريعًا نحو اليمين حيث وقفت طفلة صغيرة، تحدق في المشهد بتسلية.
ابتسمت، وهي تتنقل بنظرها بيننا نحن الاثنين.
"هيهيهي."
بدت عيناها ممتلئتين بالبهجة.
".... يبدو أنك حقًا لك يد في كل شيء يا أوركولوس."
أدار رأسه لينظر إليها، وكان تعبيره يبدو لا مباليًا تمامًا. التقت عيناهما للحظة قصيرة قبل أن يفتح "أوركولوس" فمه أخيرًا،
"لقد تجاوزت مدة بقائك. حان وقت رحيلك."
"تظن...؟"
"نعم."
"هذا مؤسف، لكن أظن أن الأمر لا بأس به. لقد رأيت وتعلمت ما يكفي. أيًا كان ما تحاول التدخل فيه، فلن يوقفني. لقد أصبحت أضعف، وأنا—"
بمجرد تلويحه بيده، تجمدت الطفلة.
وبينما قبض قبضته، ذاب شكلها في الهواء، واختفى دون أثر. لم تحصل حتى على فرصة للرد.
راقبت كل ذلك وأنا في حالة ذهول، ولم أخرج منها إلا عندما عادت تلك العينان العسليتان للانغلاق عليّ مجددًا.
"....."
كان حضوره خانقًا، لكنني لم أشعر بالتوتر تحت نظرته.
كنت أعلم أنه لا ينوي إيذائي.
لا، "أنا" لم أكن أنوي إيذائي.
الرجل الذي أمامي لم يكن سوى أنا.
كنت أعرف فحسب أنه أنا.
"أنا..."
فتحت فمي محاولًا سؤاله كيف كان هنا رغم وجود "أنا" آخر بالفعل في منتصف القبة، لكن بمجرد أن فتحت فمي، تحدث هو،
"أنا بالفعل أنت."
كان الأمر كما لو أنه يستطيع قراءة أفكاري.
"هذا بالفعل هو المستقبل."
تحدث دون أن يمنحني فرصة لقول أي شيء.
"...وما تشعر به حقيقي."
رمش بعينيه ونظر إليّ مجددًا.
"لا تبعد عينيك عني. سيحين دورك قريبًا بما يكفي."
"هاه؟"
ثم ترك كتفي، محولًا انتباهه بعيدًا عني واختفى.
"انتظر...!"
حاولت مد يدي نحوه، لكنه كان قد خرج بالفعل عن متناولي.
"أين؟!"
نظرت في كل مكان بحثًا عنه، لكنه بدا وكأنه غير موجود في أي مكان. أين ذهب...؟ أين—
"لا أستطيع... فعل ذلك. لا أستطيع..."
أعادتني صرخات ليون إلى الواقع.
كان جاثيًا على ركبتيه، يحدق في يديه المرتجفتين بوجه شاحب. بدا في حالة يرثى لها، غير قادر على تنفيذ أفعاله.
حدقت في المشهد بذهول قبل أن تخطر لي فكرة فجأة.
"هذا هو المستقبل..."
تذكرت فجأة كلماتي، فتغير تعبير وجهي.
انتظر...!
'هذا مختلف عن الرؤية.'
ألا يعني ذلك أن المستقبل قد تغير؟
ففي النهاية، إذا لم يكمل ليون الأمر، فهذا يعني أيضًا أنني لن أموت
في المستقبل؟
"...هل هذا ممكن؟"
شعرت فجأة بالخفة.
لن أضطر إلى الموت كما حدث في الرؤية الأولى.
لسبب ما، شعر صدري بالخفة عند التفكير في ذلك. رغم أنني لم أكن أهتم كثيرًا بموتي في الماضي، إلا أن الأمور كانت مختلفة قليلًا الآن. كان لدي هدف وسبب للعيش. إذا لم أعد مضطرًا للموت في المستقبل، إذن—
"ارفع رأسك."
تردد صوت بارد بخفة في الهواء، مهدئًا رأسي.
نظرت إلى الأسفل، فرأيت الـ"أنا" الذي وقف أمام ليون.
كان تعبيره مخفيًا خلف شعره، لكن مجرد النظر إليه جعلني أرتجف وأتراجع دون إرادة.
"آه."
ابتلعت ريقي بصعوبة.
ازداد صدمتي فقط عندما استجاب ليون لكلماته.
ليون... كان يستطيع رؤيته.
"أنت..."
لم يبدُ ليون متفاجئًا حتى من ظهوره.
كنت مذهولًا من الوضع، محاولًا فهم ما يحدث. لماذا بدا الأمر وكأن هذه لم تكن المرة الأولى التي يراه فيها؟ لكن ماذا عن الـ"أنا" الموجود داخل القبة؟ وما نواياه في الظهور أمام ليون؟
'هل يحاول ضمان ألا أموت...؟'
نعم...
سيكون ذلك منطقيًا.
كنت سأفعل الشيء نفسه لو امتلكت القوة.
"ماذا تفعل؟!"
أطلق ليون صوتًا مذعورًا.
وبمجرد وصوله إليه، أمسك أوركولوس وجه ليون بكلتا يديه، ورفعه ليقابل نظرته بينما كان وجه ليون يرتجف.
"....لا تنسَ مهمتك."
كان صوته متعدد الطبقات.
تقلصت حدقتاي.
'هذا...!'
تجمد العالم فجأة، ولم يعد بإمكاني سماع سوى كلماته.
"كل شيء عملت بجد من أجله... لا تدعه يذهب هباءً بسبب هذه اللحظة الواحدة. لقد تحدثنا عن هذا من قبل. عليك أن تفعل ذلك."
"هاا... هاا..."
بدأ تنفس ليون يزداد ثقلًا.
"لـ-لكن..."
"لقد عملت بجد من أجل هذا."
قاطعه أوركولوس قبل أن تتاح له فرصة الكلام، وأصبح صوته أكثر تداخلًا.
"لقد وصلت إلى هذه النقطة. لا تدع كل شيء ينهار بسبب مشاعرك. إنه"
لا شيء!"
"هاا... هاا... هاا..."
"أنه ما بدأته."
أمال أوركولوس رأسه لينظر بشكل أفضل إلى ليون الذي أصبح تنفسه أكثر وأكثر اضطرابًا.
"لا تدع موتًا بلا معنى يقف في طريقنا."
"هاا... هاا... هاا... هااا..."
ركل أوركولوس السيف الموجود على الأرض، ومد يده اليمنى ليُظهر خاتمًا أسود مألوف الشكل. وبعد لحظات، تجسد سيف وسلمه إلى ليون.
"اذهب."
عاد صوته متعدد الطبقات مرة أخرى.
"أنه الأمر."
"هاا... هاا... هاا... هااا... هاا...!"
تحولت عينا ليون إلى اللون الأحمر القاني.
لكن ذلك لم يكن كافيًا.
لم يكن كافيًا لجعله يلتزم بالكامل.
"افعلها..."
جاءت الركلة من الـ"أنا" الآخر، الذي دفع رأسه نحو القبة السوداء، وصوته يتردد بخفوت في كل مكان.
"....اقتلني."
عندها انهار ليون أخيرًا، وامتدت يداه بيأس نحو السيف وأمسكتا به، بينما أصبحت عيناه مذعورتين، وكأن الأدرينالين يجري في جسده.
قفز إلى الأمام ودخل القبة المظلمة حيث اختفى شكله.
"...."
ساد الهدوء فجأة.
شاهدت كل هذا من مكاني، غير قادر على إبعاد عيني عن المشهد الذي هزني حتى الصميم.
لم أعرف ماذا أقول أو كيف أتصرف.
'هل هكذا حدث الأمر حقًا...؟'
رؤية المستقبل... كنت قد ظننت سابقًا أنها تغيرت بسبب تغير موقف ليون المفاجئ، لكنني كنت مخطئًا. لم تتغير أبدًا. كنت فقط أشاهد كل شيء يحدث من...
زاوية مختلفة.
"لكن..."
لماذا...؟
لماذا يحدث هذا؟
لماذا أراد أن يقتل... نفسه؟
إلا إذا...
كرااك—
تردد صوت تشقق خافت في الهواء.
رفعت رأسي، وبدأ الضوء يتسرب من القبة السوداء التي ظهرت عليها علامات التفتت. شاهدت، وأنا مشدوه، المزيد من الشقوق وهي تزحف عبر سطحها، وتنسج عبر القبة كشبكات معقدة قبل أن...
تحطم!
تحطم كل شيء، كاشفًا عن ظلال خمسة أشخاص.
ثومب!
وقفت كيرا وإيفلين وأويفي جميعًا في الهواء، بينما وقف ليون خلف جوليان الذي كان راكعًا على الأرض، وسيف مغروس في ظهره.
كانت الفتيات صامتات.
كان ليون صامتًا.
كنت صامتًا.
كان العالم صامتًا.
كانت كل الأنظار موجهة إلى ليون الذي وقف أمام نسخة جوليان من الرؤية، والتي ظهرت عليها علامات الحياة بينما كان صدره يرتفع وينخفض بخفة.
كان الكأس متناثرًا على الأرض، ومحتوياته تتسرب منه.
كان تعبير ليون مختلفًا عن السابق، أكثر هدوءًا وبرودة بكثير. نظر إلى نسخة جوليان من الرؤية بينما انفصلت شفتاه،
"لا تقلق. سأحرص على أن أجعل الأمر سريعًا."
تردد صوته بلطف في كل مكان بينما ارتفعت نظرته، محولًا انتباهه بعيدًا عن أحد نسختيّ إلى أخرى.
واقفًا في المكان نفسه كما كان من قبل، بدا غير مرئي للآخرين، إذ لم يبدُ أن أويفي والآخرين لاحظوا وجوده.
كانوا جميعًا ينظرون بدلًا من ذلك إلى ليون الذي كان يقبض السيف بقوة.
'هذا...'
رمشت بعيني، متخيلًا المشهد للحظة، وعندما فعلت ذلك، ارتجف جسدي كله.
وذلك لأن...
"هذا... لقد رأيت هذا من قبل."
كان نفس المشهد تمامًا من اللمحة الصغيرة للعبة التي أراها لي نويل
في آخر يوم لي.
حتى الآن، استطعت تذكر كيف ظننت أن ليون كان ينظر إليّ عبر
الشاشة.
لكن ماذا لو...
نظرت إلى ليون ثم إلى نفسي الأخرى.
ماذا لو كان ذلك صحيحًا فعلًا؟
"هاه."
غطيت فمي.
'....كيف يمكن لهذا أن يكون؟'
"هذه هي الخطوة الأخيرة، أليس كذلك؟... الخطوة الأخيرة قبل أن ينتهي جحيمي أخيرًا؟"
نفس الكلمات، ونفس التعبير، بينما تراجعت عينا ليون، وبدأ الهدوء الذي حاول الحفاظ عليه يظهر عليه التشقق ببطء، ليحل محله الألم...
الحزن.
لكن كان هناك شيء مختلف في الوضع مقارنة بما رأيته على
التلفاز.
هذه المرة...
"إنها كذلك."
جاء صوت ردًا.
"ما الذي تنتظره؟ لقد أكملت بالفعل الجزء الأصعب."
قبض ليون على قميصه، مجعدًا إياه ببطء بينما كان وجهه يرتجف.
"...هاه."
ظهرت ابتسامة ضبابية على وجهه.
"سأفعلها."
خفض رأسه لينظر إلى جوليان.
حدث تغير بمجرد قوله تلك الكلمات. فجأة رفع الـ"أنا" الراكع على الأرض رأسه، وكانت عيناه تحدقان مباشرة في عيني ليون، اللتين ارتجف وجهه فجأة.
"توقف عن إطالة الأمر."
لم يخرج من حالته إلا بتذكيري له، بينما عض ليون شفتيه.
"آه، نعم... لا ينبغي أن أطيل الأمر."
رفع ليون يده، كاشفًا اللمعان البارد للسيف. ارتجفت عيناه الرماديتان الباهتتان قليلًا بينما هبط النصل بحركة واحدة سلسة.
شيلينغ-!
"لقد انتظرت طويلًا جدًا من أجل هذا."
تدحرج رأس بعد ذلك بقليل، متوقفًا تحت قدمي الـ"أنا" الآخر بينما انحنى لالتقاطه.
سال الدم من عنق الرأس المقطوع، وبينما أبعد نظره عن الرأس، التقت عيناه بعيني.
شعرت بأن جسدي تجمد.
رمش ببطء، محولًا انتباهه مجددًا إلى الرأس.
"ستفهم قريبًا بما يكفي."
تمتم، بينما امتدت يده الأخرى نحو ذراعه حيث ظهر وشم مألوف.
"....كل ما عليك فعله هو أن تتذكر."
خفض نظره، وضغط على الوشم.
"تذكر كل ما حدث."
أضاء العالم بلون أبيض، وسرعان ما ابتلعني الظلام.
وبحلول الوقت الذي عاد فيه الضوء إلى عالمي، كنت قد عدت إلى القصر.
هل أعجبتكم الترجمة؟
إذا كانت لديكم أي ملاحظات يرجى كتابتها في التعليقات.