الفصل 357: زاوية مختلفة [3]
سوش—!
قطع سيف في الهواء، يرقص مع الريح بينما اندفع طرفه الحاد نحو ليون، الذي ضاقت عيناه في حالة تأهب.
سرعة الهجوم جعلته يلهث دون نفس.
رغم أنه كان مُتعباً، إلا أنه ما زال قادراً على الرد.
رفع سيفه، وأدارَه إلى الجانب ليحوّل مسار الهجوم بعيدًا عن جسده.
كلانك!
تناثرت شرارات بينما تراجع خطوةً واحدة إلى الوراء.
“هوو.”
أطلق زفيرًا ثقيلًا.
ثم، أدار جسده، وأمال رقبته جانبًا، متفاديًا السيف الذي دار في الهواء وتوجّه مباشرةً نحو وجهه.
كلانك!
أدار ليون جسده من جديد، وعدّل سيفه لحظةً ليحوّل السيف مجددًا بعيدًا عن نفسه.
وبهذه الطريقة، تمكن من صد الهجوم واسترجاع جزء من طاقته المفقودة.
كان ببطءٍ يبدأ بالدخول في حالته القتالية…
كلانك، كلانك—
“لا يصدق.”
تمتمت يوهانا، تحدق في ليون بعينين تلمعان.
كونها فارسة، كانت تدرك تمامًا ما حدث وتعقيد حركات ليون.
بدأت تشرح:
“…ما فعله ليون ليس شيئًا يستطيع أغلب الناس فعله. وهذا يأخذ في الاعتبار الفرسان الأقوى منه. ما ترونه هنا ، هو التحكم في أنقى صوره.”
تلمع عيون يوهانا بإعجاب.
كلما نظرت أكثر إلى ليون، كلما بدأت يدها ترتجف.
لم تبدُ مهتمةً بأي معركة من قبل كما بدت الآن.
لاحظ كارل، الذي كان معها طوال الوقت، هذا التغير، وسأل:
“ماذا تعنين بالتحكم؟”
“…ما أعنيه بالتحكم هو مستوى الإتقان العام الذي يمتلكه الشخص على قدراته. في بعض الجوانب، يمكنك القول إن كايوس هو سيد التحكم في فن السحر العاطفي.”
“هم؟ لكن ألم يكن…؟”
“التحكم يمكن أن يساعدك كثيرا فقط.”
ابتسمت يوهانا بلا حول ولا قوة.
“حالة جوليان مختلفة. رغم أن تحكمه ليس بمستوى كايوس، إلا أن قوته الكلية وكثافتها فاقت سيطرة كايوس بكثير.”
“إذًا…؟”
“لو كان جوليان يتحكم أكثر، لكان فاز بالمعركة بسرعة أكبر بكثير.”
“هيسس.”
أخذ كارل نفسًا عميقًا.
رغم أنه لم يفهم تمامًا ما قالته يوهانا، إلا أنه أدرك من كلماتها أن جوليان يملك مجالًا هائلًا للنمو.
لقد كان مرعبًا بالفعل، وشق طريقه نحو النهائيات.
والآن تخبره أنه يمكن أن يكون أفضل…؟
ما هذا…؟
“ستكون معركة ممتعة إن وصلنا إلى تلك النقطة.”
تمتمت يوهانا، وعيناها تتبعان حركات ليون كما لو كانت تنظر إلى عملٍ فني.
“…تحكم ليون مقابل قوة جوليان الطاغية. وعلى عكس كايوس، هذه المعركة لن تحدث على أرض جوليان.”
وبينما كانت تعبث بأصابعها، لعقت يوهانا شفتيها.
فجأة، بدأت تتحمس للمعركة.
“هذا فقط إن تمكن من هزيمة أويف.”
نظرت للأسفل، ورأت أويف تتحكم بالسيف وكأنه أحد أطراف جسدها.
شعرت أن المواجهة المحتملة قد تكون صعبة الحدوث.
خاصة منذ…
“آه!”
قفز كارل من مقعده، وأشار بيده نحو البث بينما بدأت عينا أويف تتوهجان، والبرق يتراقص حولها.
“إنها تستخدم عنصرًا آخر!”
النار، الظلام، اللعنات ، والآن البرق…
ما هو حدها؟
تشكلت دائرة سحرية فوق رأس ليون بينما تفادى السيف بمهارة من خلال تعديل محوره وتخفيف أثر الضربة.
تغير تعبير وجهه إلى الجدية حين لاحظ الدائرة فوقه، وبصرخة منخفضة، ضرب الأرض بقدمه مندفعًا نحو أويف.
بانغ!
تحطمت الأرض تحت قوة حركته، وفي طرفة عين، ظهر أمام أويف.
“رائع!”
هتف كارل، وهو يرى حركة ليون.
“إنه يضع نفسه ضمن مدى أويف ليمنعها من الهجوم، مدركًا أن أي حركة منها قد تؤذيها أيضًا.”
كانت حركةً بارعة لم يستطع كارل إلا أن يمدحها.
وشعر الجمهور بنفس الشيء، حيث جلسوا على حافة مقاعدهم، يراقبون القتال بأنفاس محبوسة.
“الأمر ليس بهذه السهولة.”
تمتمت يوهانا، وتغير تعبير وجهها إلى الجدية.
كراكا!
تردد “تصفيق” مرعب في الهواء بينما وقف كل الشعر على جسد ليون، مشيرا نحو السماء.
بدأت عضلاته ترتعش، والمنطقة من حوله أصبحت بلا وزن.
تقلصت حدقتا عينيه.
“اللعنة.”
شتم، وقبض السيف في يده وألقاه في الهواء.
نزل البرق، مغيرًا مساره في اللحظة الأخيرة ليتجه مباشرة نحو السيف.
بوووم!
دوى انفجار مرعب في الأجواء، وأغلق ليون عينيه، مغمورًا بالنور الذي انبعث فجأة.
ولم يكن الوحيد الذي فعل ذلك، إذ أغمض الجمهور بأكمله أعينهم.
تحول البث إلى اللون الأبيض للحظة قبل أن يعود كل شيء إلى طبيعته.
وبحلول ذلك الوقت، كان الجميع قد أعاد تركيزهم إلى المنصة حيث وقف الشخصان.
“هاه… هاه…”
كان نفس ليون ثقيلاً للغاية، وشعره في فوضى.
شوهت علامات الحرق أسطح جلده وهو يترنح بضع خطوات.
انقبضت قلوب المتفرجين عند رؤية هذا المشهد.
خصوصًا عندما نظروا إلى أويف التي بدت بحالةٍ ممتازة، وتعبير وجهها كما كان منذ البداية.
“هذا…”
نظرت يوهانا إلى المشهد بعدم تصديق.
هذه الفتاة أويف…
أي نوع من الوحوش كانت؟
لم تكن فقط قادرة على استخدام كل تلك العناصر، بل كانت قادرة على استخدام تعاويذ مرعبة دون أن تُرهق إطلاقًا.
عندما نظرت إلى تنفسها المنتظم، وبشرتها النضرة، بدا وكأنها فقط تتنزه في حديقة.
جوليان كان مرعبًا، لكن هذه…؟
“أنا—”
“بفت!”
حدث تغير مفاجئ على المنصة حيث تجمّد الجو تمامًا.
توجهت كل الأنظار نحو أويف التي شحب وجهها.
ارتعشت عيناها، وغطّت فمها بسرعة.
تقطير!
وسط الصمت الذي لفّ المدرج، لطّخ الدم الأرض، متسللًا من بين أصابعها.
وقف العديد من الناس على أقدامهم من هول المشهد.
وكذلك فعلت يوهانا وهي تنظر إلى أويف التي أظهرت الضعف أخيرًا.
“هذا…”
أصبح تنفسها خفيفًا.
“…إذاً هي الأخرى وصلت إلى حدها.”
قبل لحظات.
كراكا!
“ها أنت ذا. ابق هادئا بينما أساعدك.”
تدفق العرق من جانب وجه إيفلين الشاحب.
قبل لحظات فقط، شعرت بألمٍ مرعب حين بدأت قواها تُسحب من جسدها.
جعلها ذلك عاجزة تمامًا لدقيقة كاملة قبل أن ينتهي كل شيء.
بحلول ذلك الوقت، وبمساعدة كيرا، استعادت نفسها بسرعة وبدأت بمساعدة الآخرين.
“هاه…!”
ومع دخول الدائرة السحرية إلى جسد الفتى الصغير، انحنت إيفلين إلى الخلف، وصدرها يعلو ويهبط بشدة.
كانت مرهقة، ولم تعد تشعر بجسدها.
كان عقلها بطيئًا، ورؤيتها مشوشة.
“هل أنتِ بخير؟”
“…لا.”
أجابت إيفلين لكيرا التي كانت تقف أمامها.
“أنا… هاه… أموت.”
“إنه أمرٌ سيء، أليس كذلك؟”
“ن-نعم…”
كانت تكذب إن قالت إنه لم يكن كذلك.
“ماذا الآن؟”
سألت كيرا، تنظر حولها.
كانتا تذهبان لمساعدة الناس، وتحقنان دوائر سحرية غريبة في أجسادهم.
لقد فقدت كيرا عدد الأشخاص الذين فعلوا ذلك معهم.
في الأصل، كانوا يقصدون فقط القيام بثلاثة إضافية، ولكن هذا تغير.
لم تكن تعرف ما الذي تسبب بالتغير.
“صحيح…”
لكن لم يهم، بينما جلست إيفلين تدريجيًا، ومدّت يدها للأمام لتظهر دائرة سحرية بنفسجية أمامها.
كانت كيرا على وشك أن تسألها عمّا تقصده، لكنها قُوطعت على الفور.
“استعدّي ذهنيًا. لا أعرف أين جسدك الحقيقي، لكن إن كنتِ في الساحة وصرختِ فجأة، فتوقعي أن يحدّق الناس بكِ.”
“هاه؟ ماذا تعني بـ—”
سناب!
فرقعت إيفلين بأصابعها.
توقف الزمن، العالم، وتجمدت المناطق المحيطة.
فقدت كيرا صوتها، وعندما رفعت رأسها، انكمشت حدقتا عينيها حينما ظهر شقٌّ عملاق أمامها.
‘ما هذا…!’
وسرعان ما أصبحت رؤيتها مظلمة.
“…..!”
وبحلول الوقت الذي استعادت فيه وعيها، انتفض جسدها، وفتحت جفونها فجأة.
كان صدرها يعلو ويهبط بسرعة بينما دخل الضوء إلى عينيها.
وبينما بدأت تتأقلم مع الوضع، أدركت أنها كانت تجلس بين الجمهور.
كان المكان هادئًا، وكل الأنظار كانت موجهة نحو أويف التي بدأت تنزف فجأة.
حدّقت كيرا في المشهد لثوانٍ قبل أن تطلق زفيرًا طويلًا.
“هوو…”
كانت إيفلين محقّة…
لو أنها صرخت، لكانت في ورطة حقيقية.
“هوو.”
أغلقت عيناي، وخرج الهواء من فمي.
‘ما الذي رأيته للتو…؟’
كان ذهني في فوضى.
اضطررت لاستدعاء الأقفال داخلي لأهدئ مشاعري.
كانوا لا يزالون يهتزون بعنف في ذهني، لكنهم تماسكوا .
‘…أحتاج إلى طريقة لتطوير التعويذة.’
كانت تعويذة من صنع يدي، ولا يمكن اعتبارها تعويذة مكتملة بعد.
لم يكن لها اسم حتى الآن.
على الأقل، ليس بعد.
كان عليّ اتخاذ عدّة خطوات ضرورية لأجل تحويلها لتعويذة حقيقية.
وعندما ينتهي كل شيء، كنت أنوي فعل ذلك.
“…..”
فتحت عيناي مجددًا، واستقبلتني الغرفة المألوفة.
تراقصت الستائر بينما تسللت نسمة باردة إلى الداخل.
وحين نظرت نحو السرير، كانت أويف تجلس بحالة شرود، راكعة وهي تمسح الهواء بيدها.
“أين هي…؟”
بدأت أبحث في أنحاء الغرفة عن الفتاة الصغيرة، لكن لم أجد أي أثر لها.
‘أين ذهبت؟’
كنت أشعر ببعض التردد والقلق في ملاحقتها، خاصة بعد ما رأيتُه للتو.
لكن عندها، ظهرت أمامي شخصيتان.
“ماذا حدث؟”
كانا “البومة -العظيمة ” و”حصاة”.
كلاهما كان يحدق بي بنظرة جادة.
“فجأة، أجبرت الفتاة يدك على لمس ذراعك، ثم تجمّد كلاكما في مكانه. ثم فجأة، تم قذف الفتاة بعيدًا.”
“هل هذا ما حدث؟”
“نعم.”
إذاً، لم يريا ما رأيت…
“هل تعرفان إلى أين ذهبت؟”
“نعم.”
أومأ حصاة برأسه الصغير، مشيرًا نحو الباب.
“إلى اليمين.”
“اليمين…”
“ألن تطاردها؟ بدت ضعيفة جدا ومختلفة عن ذي قبل.”
“…..”
لم أجب فورًا.
لكنني لعقت شفتي، وتحركت ساقاي من تلقاء نفسي بينما كنت بالفعل أخرج من الباب.
‘صحيح، من المحتمل أنه غادر جسدها.’
لم يتبقَ سوى روح الفتاة الصغيرة…
وكلما فكّرت بها، بدأ قلبي يثقل.
لكن لم يكن لدي خيار.
لأجل إنهاء كل هذا، كان علي أن أفعل ذلك.
“هاه.”
ابتلعت ريقي، وزدت من سرعتي.
_____________________________________