الفصل 358: زاوية مختلفة [4]
—الجو بارد…
صوت هادئ تردّد في أرجاء الممرات الفارغة.
على عكس السابق، لم أكن أعلم أين هي.
كنت فقط أتبع الصوت.
—…إنه مظلم.
كان نفس الصوت الطفولي الذي سمعته من قبل.
الفرح والمرح اللذان كانا حاضرين من قبل لم يعودا موجودين.
لقد أصبح الصوت خافتًا الآن.
تردد صدى خطوتي بلطف عبر الممر الهادئ.
نظرت من حولي، ولم يبدُ المكان هادئًا وخاليًا كما كان في السابق.
بل، كلما تعمّقت، كلما زاد عدد الناس.
كنت أعلم أنهم مجرد أوهام.
محض خيال لرؤية قديمة، تُظهر لي كيف كانت الحياة ذات يوم في هذا الجناح من القصر.
لكن ما إن رمشت، حتى اختفى كل شيء.
الممرات…
أصبحت الآن باردة وخالية.
—إنه هادئ…
صوتها كان يبدو في كل مكان، ولا مكان في الوقت نفسه.
كنت فقط أمشي بعمى.
كنت… واثقًا أنني سأجدها قريبًا.
كنت أعلم أنني سأفعل.
—…أين الجميع؟
واصلت المشي عبر الردهات الفارغة، وصوت الطفلة لا يزال عالقًا في الأجواء بينما أتجول في جدران القصر.
كان المكان هادئًا، تمامًا كما كان من قبل.
كآبة معيّنة خيمت على الجو كلما تقدّمت، مما جعل كل خطوة أثقل من التي قبلها.
‘أين هي؟’
—أنا ضائعة…
وصلني الصوت مرة أخرى.
كان يتوسل لشيءٍ ما.
لشخصٍ ما…
وكنت أعلم ما هو، و…
وأن هذا…
هو السبب في ثقل خطواتي.
أنا فقط…
كر كرك—
تشققات رفيعة تشكلت فجأة على الجدران، تنتشر كشبكة عنكبوت في كل اتجاه.
توقفت خطواتي ونظرت إلى التشققات.
كانت تواصل الانتشار، لتصل إلى كل زاوية في المكان الذي كنت فيه.
تمعنت في المشهد للحظة.
‘إذاً هي فعلتها…’
أغمضت عيني.
لم يكن هناك شك… هذا من عمل إيفلين.
‘لابد أنها حررت الجميع…’
أكملت إيفلين مهمتها كما وعدت.
الآن جاء دوري.
كر كرك—
رأيت التشققات تزداد انتشارًا، فضممت شفتيّ وتقدّمت إلى الأمام.
لم يكن هناك وقت كافٍ.
….عجلت في خطواتي.
تك، تك—
في كل مرة أرمش، يظهر وهم من الماضي.
أشخاص يرتدون ملابس غريبة الطراز، يتحدثون وأكواب في أيديهم، وتسريحات شعرهم عجيبة وهم يضحكون بلا اهتمام.
كان ذلك تناقضًا حادًا مع الواقع الذي أعيشه الآن.
“إلى أين أنت ذاهب؟”
وصلني صوت البومة -العظيمة فجأة.
“….المكان على وشك الانهيار. عليك أن تغادر.”
قبضة.
“ليس بعد…”
“لماذا؟”
لماذا…؟
لأن الأمر لم ينتهِ بعد.
ليس بعد…
“لماذا تعتقد أنها فعلت ما فعلته؟”
الآن جاء دور البومة -العظيمة ليصمت.
“….أنا لا أعرف القصة.”
“صحيح…”
البومة -العظيمة لم يرَ ما رأيته.
مددت يدي، واستخدمت ‘حجاب الخداع’ لعرض جزء صغير من ما رأيته.
كان العرض سريعًا، وأتى رد البومة -العظيمة بعده مباشرة.
“من أجل الانتقام.”
“الانتقام؟”
“نعم. أنا أيضًا كنت سأرغب في الانتقام لو كنت محبوسًا داخل تمثال كل تلك المدة.”
“صحيح…”
وأنا كذلك، لو كنت مكانها.
ليس ذلك فقط، بل شهدت أيضا انهيار نظامها الملكي، وترى والديها يموتان…
أي شخص كان سيجن من ذلك.
“لكن هذا ليس الجواب الصحيح.”
“أليس كذلك؟”
“لا.”
كانت هناك قدرة فريدة تمتلكها الورقة الثانية ، وكانت أنني أستطيع إدراك مشاعر أولئك الذين لمستهم خلال وقت ماضيهم.
حين وقع كل شيء، لم تكن المشاعر التي شعرت بها الفتاة الصغيرة غضبًا، ولا حزنًا، ولا حتى رغبة في الانتقام.
بل كانت…
‘فرحًا.’
في تلك اللحظات، عندما انهار كل شيء، كان ما شعرت به هو الفرح.
‘لا معنى لذلك.’
هكذا كنت أظن في ذلك الوقت.
لم تتح لي الفرصة للتفكير كثيرًا حينها.
كل ما تلا ذلك جعل التفكير مستحيلاً.
لكن الآن، بعدما أتيحت لي الفرصة للتفكير، تمكنت من التوصل إلى نتيجة.
لماذا شعرت بـ”الفرح” في تلك اللحظات.
—…أنا وحيدة.
أغمضت عيني.
نعم، كانت كلماتها الأخيرة تلخّص الموقف تمامًا.
كانت… وحيدة.
قصرٌ عظيم كأي شيءٍ يمكن تخيّله.
أبٌ يحكم مملكة كاملة، و…
ثروة تستطيع أن تشتري لها كل ما قد تريده.
كان لديها كل شيء، ومع ذلك…
كانت لا تملك شيئًا.
“إن لم يكن انتقامًا، فما هو الجواب إذًا؟”
“…..”
لم أُجب.
عندما توقفت، أدرت رأسي.
وهناك، ظهرت صورة للملك.
كان يبدو أصغر سنًا مما بدا عليه في الرؤية.
شعره كان قصيرًا وأشقر، وشاربه السابق قد اختفى.
بدا أكثر هيبة، وكانت عيناه الزرقاوان مليئتين بالحيوية.
كانت صورة مثيرة للإعجاب.
…. ووضعت يدي فوقها، وتتبعت جميع التفاصيل في ذهني.
—لماذا لا يوجد أحد هنا…؟
أبعدت يدي، واستأنفت سيري مجددًا.
هذه المرة، كان لدي اتجاه.
كرا كرك—
حتى مع ازدياد التشققات في القصر، لم أسمح لها بأن تعيقني.
واصلت السير بنفس الوتيرة، نحو المكان الذي كان من المفترض أن أكون فيه.
نحو حيث كانت هي بانتظاري.
وفي النهاية، توقفت أمام باب خشبي ضخم.
كان أطول من الغرفة التي مكثت فيها تيريزا، وأكثر مهابة منها.
‘غرفة الملك.’
—…أنا هنا.
“أنا أعلم أنك كذلك.”
كرييييك—
دفعت الباب، كاشفًا عن غرفة الملك من الداخل.
كما توقعت، كانت الغرفة فسيحة، يهيمن عليها سرير ضخم في المنتصف، ومزينة بأثاث فاخر.
كانت هناك لوحات كثيرة منتشرة، وأغراض مطلية بالذهب مبعثرة في كل مكان.
ستائر تتدلّى على إطار السرير الكبير، تتمايل بهدوء، كاشفة عن الطفلة التي كانت تجلس عليه، وظهرها نحوي.
—أريد أن ألعب مع…
توقفت الطفلة، والتفتت ناحيتي.
تغير تعبير وجهها ما إن رأتني.
ابتسمت، ونظرت إلى البومة -العظيمة .
“كنت تود أن تعرف لماذا فعلت ما فعلته؟”
“….؟”
نظر إلي البومة -العظيمة بنظرة غريبة.
“لماذا أنت—”
مددت يدي الاثنتين، وظهرت قطة.
“آه؟”
بدا حصاة مذهولًا، لكنني لم أعره اهتمامًا.
“تيريزا، انظري ما الذي أحضرته لك.”
“هاه؟”
نظرت تيريزا إلى حصاة، ثم إلى البومة -العظيمة، ثم إليّ.
“هذه…؟”
“هل تريدين اللعب؟”
“هل يمكنني؟”
“يمكنكِ.”
وضعت حصاة على الأرض، وكان يبدو في قمة الارتباك.
“هيه، أيها البشري. أنا مخلوق جبار—هياك!”
“هيهيهي.”
قبل أن يكمل حصاة كلماته، سحبت تيريزا خديه، ورفعته من بطنه.
“واااهك! أنزليني! أطلقيني فورًا أيتها القزمة الشبيهة بالغريملين!”
“هاه؟”
الآن كان دوري لأتفاجأ.
منذ متى تعلم حصاة…
“أنت.”
وكأنه قرأ أفكاري، ردّ البومة -العظيمة بنبرة خفيفة.
نظرت إليه ورفعت حاجبي.
“أنا…؟”
“نعم.”
أومأ البومة -العظيمة، وقفز عن كتفي.
“أنت تقولها طوال الوقت عندما تأتي تلك المرأة. القط الأحمق أعجبته الكلمة، وأصبح يستخدمها دائمًا.”
م:TIFA: لمن لم يفهم جوليان كان ينادي على ديليلا عندما تتحول الى هيئة طفلة بالغريملين (شيطان)
“حقًا؟”
“نعم…”
“واخ!”
“هيهيهيهيهي!”
ضحكت تيريزا وهي تدور حصاة، وصرخاته اليائسة ترددت في المكان، مما جعلها تضحك أكثر.
أكثر ما كان مفاجئًا في الموقف هو أن حصاة، رغم احتجاجه، لم يكن يقاوم بجدية.
لو أراد حصاة، لما كان من الصعب عليه الهرب، أو حتى التنمّر على الطفلة الصغيرة.
لكنه لم يفعل أبدًا.
“ألن تلعب أنت أيضًا؟”
“هم؟”
أعدت انتباهي نحو تيريزا، فتحت فمي ثم ابتسمت.
“بالطبع، سألعب.”
مددت ذراعي لأجعل نفسي أبدو أكبر ما يمكن، ثم اندفعت نحو الطفلة الصغيرة التي أطلقت صرخة وألقت حصاة بعيدًا.
“هياااك!”
“واواواواوا!”
“تعالي إلى هنا!”
“لاااا!”
الفتاة أمسكت برأسها وركضت حول السرير، قبل أن تزحف تحته.
“تعالي هنا! لا تختبئي هناك! إن فعلتِ سألتهمك!”
انخفضت إلى الأرض ومددت يدي تحت السرير.
“كيااااك!”
صرخت تيريزا وخرجت بسرعة من تحت السرير.
“لااا!”
كر كرك—
التشققات استمرت في التشكّل ونحن نلعب.
لكننا لم نعرها اهتمامًا.
كان لا يزال لدينا وقت.
ركضت نحو حصاة الذي بالكاد تعافى، ثم عانقته ورمته نحوي.
“احمني!”
“هواااك!”
“البومة -العظيمة !”
“كما تتمنى!”
بــاك!
انقضّ البومة -العظيمة من الأعلى، وضرب رأس حصاة بمنقاره، مطيحًا به إلى الأرض.
“هوك—!”
“عديم الفائدة!”
صرخت تيريزا، ما جعل حصاة يرتجف ويهمس بأسى، “أنا تنين جبار…”
“…قطة غبية.”
راضٍ بإنجازه، استراح البومة -العظيمة فوق إطار السرير الخشبي، يرمق حصاة بنظرة باردة.
أما أنا، فواصلت مطاردة الطفلة الصغيرة.
لقد حاصرتها الآن، وكان هناك مرآة بسيطة مستندة إلى الجدار بجانبها.
“والآن؟!”
“هيااااك!”
رفعت كلتا يدي وألقيت بظلالها على جسدها الصغير.
لقد ارتجفت.
“لاااا!”
رأسها الصغير وعيناها تفتشان المكان بحثًا عن مخرج.
عن أي فرصة تمكنها من الهرب مني.
لكن الأوان كان قد فات.
لقد وصلت!
“كيااااااااك!”
عانقت جسدها الصغير وضغطته بقوة إلى صدري.
كانت صغيرة.
صغيرة جدًا لدرجة أنني شعرت وكأنني ألمس شيئًا هشًا جدًا.
وأنا أضمها، أدرت رأسي ونظرت إلى المرآة بجانبي.
وهناك، رأيت انعكاسي.
بشعر أشقر قصير، وعيون زرقاء عميقة، ومظهر وقور، لم أكن أشبه نفسي أبدًا.
ارتعش جسد الفتاة تحت عناقي، وساد الصمت في الغرفة.
‘إن لم يكن انتقامًا، فما الجواب؟’
ترددت كلمات البومة -العظيمة في ذهني من جديد.
شعرت بنظرات الإثنين، ضغطت على شفتي ونظرت للأسفل لألتقي بعيني الفتاة الجوفاء.
كانت عمياء…
لكنها لم تكن كذلك منذ ولادتها.
فقط بعد إصابتها بمرضٍ رهيب، فقدت بصرها.
ومنذ تلك اللحظة، أصبح العالم مظلمًا بالنسبة لها.
…وتوقف والدها عن الاهتمام بها.
على الأقل، بها هي.
لقد كان منشغلاً جدًا بالبحث عن الدم الذي قد يعالجها.
باستثناء حارسها الشخصي، لم يكن لديها أحد.
لا شيء…
‘الجو بارد…’
‘..إنه مظلم.’
‘إنه هادئ…’
‘…أين الجميع؟’
‘أنا ضائعة…’
‘لماذا لا يوجد أحد هنا…؟’
‘…أنا هنا.’
لكن كل ذلك تغيّر عندما تم الاستيلاء على جسدها.
عندها، أصبحت قادرة على الرؤية مجددًا.
…وكان ذلك عندما رأت والدها يندفع إلى غرفتها.
كان يبدو أكبر سنًا، وقد نظر إليها.
‘أبي…’
وقد نظر أيضًا إلى المشهد الذي كان ينتظرهما في الخارج.
لم يبعد نظره عنه أبدًا…
عندها خطرت فكرة لتيريزا.
‘إذا فعلت ذلك، هل سينظر إليّ مرة أخرى؟’
لو قامت بتقليد ما كان يحدث في الخارج، فهل سينظر إليها والدها؟
“أنا أنظر.”
مباشرة إلى عينيها.
كنت أنظر.
“نعم، أراك.”
ردّت الفتاة، وضغطت ذراعيها على جسدي بإحكام.
جسدها، الذي كنت أشعر به قبل لحظات، بدأ يتلاشى.
“أنت تراني…”
“أراك.”
سكتنا للحظة.
“شكرًا لك.”
ثم كسرت الصمت.
“…أبي المزيف.”
أبي المزيف…؟
كدت أنفجر ضاحكًا، وقد ارتسمت ابتسامة على وجهي بينما شددت على جسدها المتلاشي في حضني.
إذاً، كانت تعرف…
يا لها من فتاة ذكية.
كرا كرك—
التشققات حولي أخذت تنتشر بسرعة أكبر، وتصل إلى حدّها بينما القصر يهتزّ.
وبينما أحتفظ بالفتاة بقوة بين ذراعي، همست:
“….لقد التهمتكِ.”
تحطم—
______________________________________