الفصل 359: المتسابقون النهائيون [1]
ليون لم يضيع الفرصة التي كانت أمام عينيه.
كيف له أن يفعل ذلك…؟!
في اللحظة التي بدأ فيها الدم يتسرب من فم أويف، ضغط قدمه إلى الأمام، واختفت النجوم من عينيه.
تشوشت صورته إلى الأمام، وفي أقل من ثانية ظهر أمام أويف.
“….!”
تغير تعبيرها، وأسرعت في تحريك يدها، مما أجبر جسد ليون على التوقف.
في العادة، كانت ستوجه سيفها نحو ليون لخلق بعض المسافة بينهما،
لكن من الواضح أنها لم تكن في حالتها الطبيعية، إذ أن وجهها ارتجف وركلت قدمها على الأرض، متقدمة نحوه.
ليون ظل هادئاً تحت اقتراب أويف.
‘المدى القريب… ممتاز…’
هذا كان مجاله.
اختفت النجوم من عينيه، مما جعلهما مظلمتين تمامًا.
تدفقت الطاقة خلال جسده وكأنه في مركز الكون.
رفع قبضته، وضرب بها نحو الأسفل.
شيوووو—
انفجر الهواء بصوت هدير مدوي بينما قطعت قبضته الهواء،
مغطاة بلون قرمزي ساطع أشبه بنجم سقط مشتعلاً في سماء الليل.
تدفقت طاقة هائلة للخارج، ورسمت المشهد بلون ناري،
وتركت أثرا من الضوء النابض في أعقابة.
“آه.”
كان مشهدًا جعل الجمهور يحبس أنفاسه.
تقلصت عينا أويف عند رؤيتها للمشهد، وتوقفت،
ثم عضّت على أسنانها.
تغيرت عيناها، وتحولتا إلى اللون الأزرق بينما تسللت المياه من الشقوق تحت المسرح وكونت فقاعة حوله.
كانت تحركاتها سريعة، وبحلول الوقت الذي وصلت فيه قبضة ليون،
كانت الفقاعة قد تشكلت بالفعل.
بوووم!
انفجار مرعب وقع لحظة اصطدام قبضة ليون بالفقاعة،
مما حطمها إلى ملايين القطع.
“هاه!”
“أوه لا!”
صرخ الكثيرون عند المشهد، قلقين من حدوث أمر سيء،
لكن عندما هدأت الأمور، لم تكن أويف في أي مكان يمكن رؤيته.
تغير تعبير ليون إلى الجدية وهو ينظر حوله.
أين هي…؟ إلى أين ذهبت؟
تذبذب ~
“….!”
حرك ليون رأسه إلى اليمين، فرأى إحدى البرك العديدة التي تكونت نتيجة الهجوم تتحرك.
لم يتردد في سحب سيفه وقطع نحوها.
سووش!
ظلت البركة على حالها.
تذبذب ~
كل بركة بدأت تتحرك قبل أن تندمج ببطء،
مشكّلة هيئة مائية تشبه أويف.
للوهلة الأولى، بدت غير مصابة، لكن…
“كح! كح…!”
بدأت تسعل بعد أن اتخذت شكلها.
“أوخ!”
وضعت يدها على صدرها، وتراجعت عدة خطوات،
بينما شحب وجهها.
“كح…!؟”
شاهد ليون كل ذلك بصمت قبل أن يغلق عينيه.
‘يبدو أن الأمر قد انتهى.’
كان يشعر بذلك.
كانت في رمقها الأخير.
هذا كان كفاحها الأخير.
كفاح يتطلب منه أن ينهي الأمر.
“هوو.”
أخذ نفسًا عميقًا، ثم رفع سيفه أمامه بينما استقام ظهره، وضغط قدميه معًا.
يد واحدة خلف ظهره، لمس جسد السيف طرف أنفه وهو ينظر إلى الأمام بلا مبالاة.
‘…. ما زلت بحاجة إلى أن يخبرني جوليان كيف اكتشف الخطوات، ولكن دعنا نجربها.’
أغمض عينيه وفتحهما بعد لحظة.
ساد الصمت العالم.
“كح!”
كما لو أنها شعرت بتغير في محيطها، استدارت أويف،
والتقت بعيون ليون بينما تجمد جسدها.
“لـ-لا.”
بدأت عيناها في التذبذب، ولكن لم تكن هناك مقاومة.
أومأ ليون بهدوء، واهتزت عيناها مرة أخرى.
هذه المرة، ظهر الارتباك في نظرتها.
“مـ-ماذا؟ أين…”
كانت أويف الحقيقية تعود ببطء.
ابتسم ليون، وضغط قدمه إلى الأمام.
ثم، وهو يوجه سيفه نحو أويف، تمتم داخل عقله،
‘الحركة الأولى للفن المنسي؛ الطعنة الغير مرئية.’
طعن إلى الأمام بمقدار بوصة واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
تجمد جسد أويف بالكامل.
شاهد الجمهور ذلك بصدمة،
بينما وقف بعضهم غير قادرين على احتواء صدمتهم، حيث ضغطت أيديهم على القضبان.
حتى تعبير ديليلا تغير، ووضعت مذكرتها جانبًا.
“بففف!”
تحطم الصمت بأمطار من الدماء،
بينما بدأ الدم يخرج من فم أويف وهي تسقط على ركبتيها،
وعيناها تعكسان الصدمة والخوف.
نظر إليها ليون بوجه شاحب قبل أن يهز رأسه قليلاً.
‘مرحبًا بعودتك.’
بينما كان الجميع في حالة صدمة،
كان هناك شخص واحد فقط لم يسمح له بالصدمة.
الحكم.
“…الفائز هو…”
“…ليون إليرت من إمبراطورية نورس أنسيفا.”
كاربينغا، الإمبراطورية الخضراء .
مثل بريمير، تقع عاصمة الإمبراطورية الخضراء بالقرب من أهم شق في المرآة.
عالم المرآة، على الرغم من خطورته،
كان مكانًا مليئًا بالموارد.
إذا تم التحكم فيه بشكل مناسب، فإنه يصبح كنزًا لا يُقدّر بثمن.
عائلة مانتوفاج، الحاكمة حاليًا،
وأنقى العائلات، تسيطر على ذلك المكان.
حاليًا، داخل القصر الملكي.
جلس شخصان في صمت يشاهدان البث المباشر.
كان الجو مشحونًا بالتوتر، ووقف العديد من الخدم في الخلف دون أن يجرؤوا على قول كلمة واحدة.
كيف لهم، عندما كان أقوى شخصين في الإمبراطورية يظهران مثل هذه الوجوه؟
لم يجرؤ أحد على القيام بذلك.
كل ما استطاعوا فعله هو مشاهدة القتال في صمت.
كان قتالاً مبهراً، عرض بالكامل قدرات أولئك الذين ظهروا على الشاشة.
ولم يكن من المستغرب أن يُختاروا كالأكثر موهبة في جيلهم.
…من المؤسف أنهم لا ينتمون إلى إمبراطوريتهم.
لكن، هممم؟
أحد الخدم ضيق عينيه، ناظرًا بتركيز أكبر على البث.
تحديدًا على ذلك الذكر ذو العيون الرمادية.
‘ألا يبدو مألوفًا؟’
نعم، بدا كذلك. لكن من هو—
توقفت أفكار الخادم حين نظر إلى الإمبراطور الحالي.
تجمد دماغه للحظة عندما تطابقت ملامح المتسابق مع وجه الإمبراطور.
لم يكونا متطابقين تمامًا، لكنهما متشابهان إلى درجة مرعبة.
وأخذًا بالاعتبار لون العينين…
‘أوه، لا.’
بـا… ثامب! بـا… ثامب!
شعر بنبض قلبه يدق بقوة داخل عقله.
ضغط على صدره، مما جعل الجو خانقًا بشدة.
سووش!
قفز الخادم تقريبًا عندما وقفت الإمبراطورة،
شعرها الأسود المربوط بعناية انسدل خلف كتفها بينما ارتجفت عيناها الرماديتان الباهتتان،
ووجهها بدأ يتغير ببطء.
“سأذهب.”
“…توقفي.”
قبض الإمبراطور على يد الإمبراطورة.
كان سريعًا جدًا لدرجة أن الخادم لم يتمكن حتى من تتبع حركته.
“هذا ليس الوقت المناسب.
إذا غادرنا موقعنا، فسنضع الإمبراطورية في خطر.
وإذا اكتشف أعداؤنا ذلك، فما الذي سيمنعهم من مهاجمتنا؟”
“هوه، من فضلك.”
سحبت الإمبراطورة ذراعها،
وحدقت في الإمبراطور بنظرة حادة.
“لن يجرؤ أحد على فعل شيء.”
“…ولماذا تظنين ذلك؟”
“لأنني موجودة.”
بانغ!
دست الإمبراطورة قدمها على الأرض فاهتز القصر بأكمله،
مما أجبر الخدم الموجودين على التمسك بالجدران ليثبتوا أنفسهم.
كانوا جميعًا مذعورين من الموقف.
القصر كله مبني من أقسى وأمتن المواد.
ولشخص أن يقدر على فعل هذا…
فقط الإمبراطورة جوردانا كاليانا كانت تقدر على مثل هذا.
لا، كان هناك شخص آخر قادر على مثل هذا أيضًا.
“اهدئي.”
توقفت الاهتزازات فور وقوف الإمبراطور.
لوّح بيده، فتجمد كل شيء في مكانه.
“أهدأ؟”
ضحكت الإمبراطورة،
وعيناها لم تستطيعا إخفاء الغضب واليأس فيهما بينما انجرفتا نحو البث.
“سواء أعجبك الأمر أم لا، فسأذهب.”
ضغط الإمبراطور شفتيه،
وتجعد حاجباه.
“…سأحضر ابننا.”
توقفت، ثم أضافت،
“أبنائنا…”
—الفائز هو…
كان الاستوديو هادئًا بينما أعلن الحكام عن المنتصر الأخير.
—…ليون إليرت من إمبراطورية نورس أنسيفا!
كارل ويوهانا لم يستفيقا من الصدمة إلا عندما اكتمل الإعلان،
ونهض الجمهور من مقاعدهم، وتصفيقهم يدوّي في أرجاء الكولوسيوم.
ظهر ليون في البث، يلهث بشدة وهو يتنفس وهج انتصاره.
كان يبدو مرهقًا، لكنه في ذات الوقت، فخور بفوزه.
“كان انتصارًا رائعًا.”
تمتم كارل، وعيناه لم تتركا ليون.
ما زال يتذكر اللحظات الأخيرة وحركته الأخيرة.
حتى في معركته ضد أميل، لم يستخدم تلك الحركة…
ما الذي تغير فجأة؟
‘هل كان يتراجع…؟’
لعق كارل شفتيه الجافتين.
لم يكن هناك فائدة من محاولة فهم الأمر بنفسه.
كان يملك خبيرة معه لهذا الغرض.
“يوهانا، ما رأيـ—”
توقفت كلمات كارل عندما وقعت عيناه على يوهانا،
التي كانت تحدق في ليون بتعبير جدي للغاية.
لم يرها تتصرف هكذا من قبل.
وبينما كانت منبهرة بليون في السابق،
إلا أن الأمر الآن كان مختلفًا قليلًا.
بدت وكأنها…
خائفة؟
‘لا، لا يبدو هذا صحيحًا.’
“يوهانا؟”
“هم؟”
عندما ناداها، أخيرًا استفاقت،
واستدارت لتنظر إلى كارل، الذي كان يحدق فيها بقلق.
“هل كل شيء على ما يرام؟”
“آه، نعم.”
أومأت برأسها بفتور.
لكن رغم محاولتها التظاهر بأنها بخير،
كانت بعيدة عن ذلك.
الحركة الأخيرة… والتموضع… كانا…
‘بلا عيوب.’
كونها فارسة من الطبقة السابعة،
رأت يوهانا الكثير في حياتها.
استخدمت العديد من الأسلحة وشاهدت تحركات لا حصر لها.
لكنها لم ترَ قط حركة بهذه المثالية.
لم يكن هناك أي خلل،
كل حركة انتهت عند طرف السيف.
لم تكن تعرف ما هو هذا الفن القتالي، لكنه كان…
كاملاً.
لدرجة أنها شعرت بالنقص.
‘لا، لا يمكنني أن أقول إنه كامل.’
في الحقيقة، كان هناك عيبان.
الأول… ليون نفسه.
كان ضعيفًا جدًا.
ما زالت قادرة على تتبع حركاته، وهذا أول خلل.
أما الخلل الثاني…
‘هناك شيء ما في خطواته لم يكن سليمًا.’
عندما استعرضت المشهد في عقلها،
كانت كل الحركات متصلة ومتجهة نحو طرف السيف،
ما عدا قدمه اليمنى.
كان هناك خلل طفيف في تلك الخطوة جعل السيف غير كامل.
‘…إنه غير مكتمل.’
شعرت يوهانا بشيء من الشفقة عندما أدركت ذلك،
لكنها تمكنت بسرعة من كبح خيبة أملها،
وأخذت نفسًا عميقًا،
ثم أعادت تركيزها على أجهزة التسجيل.
“كانت معركة مذهلة.”
“أتعتقدين ذلك أيضًا؟”
كارل، الخبير، تمكن فورًا من فتح نقاش استمر عدة دقائق،
قبل أن يطرح السؤال المنتظر:
“النهائي، جوليان ضد ليون. من تتوقعين أن يفوز؟”
“من؟”
كادت يوهانا أن تجيب بـ”جوليان” دون تفكير،
لكنها فجأة أدركت أن فمها لا يتحرك.
‘جوليان…’
حاولت قول اسمه،
لكن الكلمة لم تخرج.
وميض سيف ليون عاد ليتكرر في ذهنها،
وتغير تعبير وجهها.
‘ليون؟’
فتحت فمها، محاولة تمتمة اسمه، لكن…
ما زالت غير قادرة على نطق الكلمات.
ظهر في ذهنها مشهد سحر جوليان العاطفي الطاغي،
وزاد ذلك من حيرتها.
“آه.”
وهنا فقط، أدركت الحقيقة.
“أنا…”
كانت قادرة على رؤية كل طرف يدمر الآخر.
ببساطة،
“…لا أعلم.”
___________________________________