الفصل 397: مقاطعة إيفينوس [4]
جلست ثلاثة شخصيات في صمت.
لم يتحدث أحد، بينما كان ألدريك يحدّق في الورقة البيضاء أمام مكتبه.
كانت مكتوباً عليها:
— الفيكونت إيفينوس
الكلمات كانت محفورة بالذهب.
حدّق ألدريك في الورقة لوقت غير معلوم. وبحلول الوقت الذي رفع فيه رأسه، شعر بنظرتين موجهتين نحوه.
واحدة كانت لرجل يعرفه، الفيكونت فيرليس، أما الأخرى فكانت لرجل ذو شعر أبيض طويل وملامح وسيمة.
عينيه كانتا عميقتين للغاية، وعلى الرغم من مظهره الشاب، إلا أنه كان أكبر شخص في الغرفة.
يرتدي ملابس بيضاء أنيقة تطابق لون شعره تماماً، وجلس على الكرسي بارتياح وقد تقاطع ساقاه.
ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه بينما كان ينظر نحو الورقة أمام مكتب ألدريك.
“….أظن أنك حصلت على وقت كافٍ لاستيعاب هذا الخبر. اسمح لي أن أكون أول من يهنئك على ترقيتك.”
“تهانينا، فيكونت إيفينوس.”
أضاف الفيكونت فيرليس من الجانب بابتسامة.
كان أيضا سعيدا جدا بترقية ألدريك. لقد استفاد كثيرا من خطط ألدريك.
على الرغم من أنه لم يحصل على أي أرض، إلا أنه حصل على الكثير من المال.
…وهذا كل ما كان يهمه. كان لديه بالفعل ما يكفي من الأراضي، ولم يكن مهتماً بالمزيد.
المزيد من الأراضي لم يكن بالضرورة أمراً جيداً.
في بعض الأحيان، كانت مجرد مصدر إضافي للمتاعب.
كان أكثر من راضٍ عن التعويض المالي. هدفه كان إثراء أراضيه الحالية والاستثمار فيها بدلاً من تطوير أخرى جديدة.
“شكراً لكم.”
تعبير وجه ألدريك لم يتغير كثيراً رغم كلمات التهنئة.
كان أكثر حذراً من الرجل الجالس بجانب الفيكونت فيرليس.
‘…لم أكن أتوقع أن يأتي من بين جميع الناس.’
كان الوضع خارج توقعاته.
ومع ذلك، لم يكن أمامه خيار سوى أن يبقي نفسه متماسكاً.
“أعتقد أنك لست هنا فقط لتهنئني على ترقيتي، أليس كذلك؟”
“هاها، أنت على حق.”
ضحك الرجل ذو اللباس الأبيض بينما مد يده بورقة أخرى.
“أنا متأكد من أنك تعرف سبب وجودي. أود دعوتك رسمياً للانضمام إلى المركز.”
أنزل ألدريك رأسه لينظر إلى الرسالة التي مُررت إليه.
لم يفتحها، بل اكتفى بالنظر إلى الرجل الذي يرتدي ملابس بيضاء.
“…. سيكون الكثير من الناس مستاءين من اختيارك. هل أنت متأكد من أنك تريد دعوته؟”
الانضمام إلى المركز لم يكن أمراً سهلاً.
كان هناك الكثير من المرشحين كل عام، ولم يكن هناك ما يضمن انضمام المرء إلى المجلس الحالي بالفعل.
كل مرشح كان من النبلاء رفيعي المستوى ولديه قدر معين من النفوذ.
وكانت مقاطعة ريمسال أحد الأمثلة على ذلك.
رغم محاولاتها المستمرة لسنوات، إلا أنها لم تستطع الانضمام.
وكان هذا حال العديد من العائلات النبيلة الأخرى.
…ولهذا السبب كان ألدريك مرتبكا بسبب العرض.
هل كان المركز حريصا جدا على تجنيده لدرجة أنهم كانوا على استعداد لمواجهة رد فعل عنيف من الأسر النبيلة الأخرى التي تتنافس على الأنضمام ؟
إذا كان الأمر كذلك…
أعاد الورقة إليه.
“سأنضم.”
لقد أظهروا مدى تقديرهم له، وقبله.
قبوله الفوري فاجأ الفيكونت والرجل الذي يرتدي ملابس بيضاء. لم يتوقعا منه أن يوافق بهذه السرعة.
“….ألست بحاجة إلى وقت للتفكير؟”
“لا، لقد اتخذت قراري بالفعل.”
كان المركز وسيلة جيدة لزيادة نفوذه. ألدريك كان رجلاً جشعاً. إذا استطاع أن يحصل على المزيد، فسيفعل.
كانت هذه طريقته في التفكير.
….للأسف، بعد كل ما حدث، سيحتاج إلى سنوات، أو حتى عقود، ليحصل على المزيد.
كان صبوراً، لكن إن تمكن من الحصول على شيء بسرعة، فسيختار الطريق الأسرع.
والمركز كان أفضل خيار متاح حالياً.
أصبحت الغرفة صامتة عندما توقفت جميع الأطراف عن الكلام.
حدّق ألدريك مباشرة في عيني الرجل الذي يرتدي ملابس بيضاء. ورغم أن نظرته كانت خانقة، إلا أنه حافظ على هدوئه.
وفي النهاية، ارتسمت ابتسامة على وجه الرجل.
“حسناً.”
انحنى إلى الأمام.
“بما أنك وافقت، يمكننا الآن مناقشة شروط انضمامك. يجب دفع ثمن مقابل الانضمام إلى المركز. يمكنك اعتبارها مساهمة من الأعضاء المشاركين في المنظمة. قد تكون رسوماً مالية أو أشكالاً أخرى من التفاوض. نحن مرنون في هذا الجانب.”
تم قضاء الدقائق التالية في مناقشة الرسوم التي سيتعين على ألدريك دفعها للانضمام.
كانت هذه حالة شائعة، ولم يكن ألدريك منزعجاً منها كثيراً.
خاصة وأن الثمن الذي سيدفعه كان يستحق المزايا التي سيحصل عليها.
…. كانت المناقشة فعالة إلى حد ما.
وافق ألدريك على جميع الشروط تقريباً، وسرعان ما تم التوقيع على ورقة بين الطرفين.
“ممتاز.”
وقف الرجل الذي يرتدي ملابس بيضاء، ومد يده نحو ألدريك.
“…. إنه لمن دواعي سروري أن أرحب بك في المركز.”
“شكراً لك.”
وقف ألدريك هو الآخر لمصافحته.
ورغم أنه لم يبتسم، إلا أن علامات الرضى كانت ظاهرة قليلاً على وجهه.
“أوه، صحيح…”
وكأنه تذكّر شيئاً، نظر الرجل الذي يرتدي ملابس بيضاء حول الغرفة قبل أن يستقر مرة أخرى على كرسيه.
“سمعت أن ابنك والمرافق له موجودان. إذا لم تمانع، أود أن ألتقي بهما. لقد شاهدت أداءهما في القمة وأرغب في تهنئتهما شخصياً. سيكون من دواعي سروري لقاء نجوم المستقبل في إمبراطوريتنا.”
“…. لا بأس بذلك.”
جلس ألدريك مرة أخرى، وبعد أن وضع الأوراق جانباً، نظر نحو الباب.
“لقد أخبرتهما مسبقاً. يجب أن يكونا في طريقهما الآن.”
لقد توقّع مثل هذا الطلب مسبقاً.
إلى توك—
وكما هو متوقع…
بعد دقائق من حديثه، سُمع صوت طرق خفيف على الباب.
“ادخلوا.”
صوت ألدريك الهادئ تردّد في المكان، ثم فُتح الباب بعد لحظات، ليكشف عن ثلاث شخصيات.
كان جوليان واقفاً في الوسط، بينما وقفت إيفلين وليون إلى جانبيه.
وفور دخولهم، تغيّرت تعابير كل من في الغرفة.
تجمّد وجه إيفلين عند رؤية والدها.
وتجمّد وجه ليون عند رؤية الرجل الذي يرتدي ملابس بيضاء .
….أما وجه جوليان فقد أظهر تغيرات طفيفة فقط. كان هو الأكثر هدوءاً بينهم.
“من الجيد أنكم هنا. كنا نتحدث عنكم للتو.”
وقف ألدريك وأشار لهم بالجلوس على الأريكة الكبيرة الواقعة بالقرب من المكتب.
بدا أن الثلاثة لا يمانعون الجلوس هناك.
ومع ذلك، لم يستطع ليون التوقف عن النظر إلى الرجل الذي يرتدي ملابس بيضاء من حين لآخر.
كان وجهه متجمداً تماماً، وكان رأسه يلتفت نحو جوليان مراراً وكأنه يحاول بشدة لفت انتباهه.
لكن للأسف، كان جوليان مشغولاً بالتفكير بأمور أخرى ولم يلاحظ محاولاته.
‘…بالنظر إلى الطريقة التي كانوا يتحدثون بها عنا وحضور والد إيفلين، أخشى أن تظهر أسوأ مخاوفي.’
كلما فكّر بالأمر، كلما غرق قلبه أكثر.
‘أحتاج إلى إيجاد عذر لوقف هذا الهراء.’
التفت برأسه نحو إيفلين. وكأنها تشاركه نفس الفكرة، أومأت برأسها.
“أبي.”
كانت أول من تكلّم، ووجهت كلامها لوالدها.
كان رجلاً طويلاً بملامح حادة. وعلى عكس إيفلين، كان يرتدي نظارات تعطيه مظهراً علمياً.
كان يرتدي ملابس داكنة بخطوط أرجوانية خفيفة. وعندما نادته إيفلين، مال برأسه قليلاً وابتسم.
“ما الأمر يا إيفلين؟ هل هناك شيء—”
“لا أرغب في الزواج حالياً.”
أصبحت الغرفة صامتة مباشرة بعد كلماتها. ضغط جوليان على شفتيه.
لم يتوقع منها أن تكون صريحة إلى هذا الحد. لكن لم يعد بالإمكان التراجع. لقد اتخذوا خطوتهم.
“….أنتِ لا ترغبين في الزواج حالياً؟”
“أليس هذا سبب قدومك؟ لتخطبني لجوليان؟”
تفاجأ الفيكونت فيرليس من كلماتها.
في الحقيقة، لا. لم يكن هذا سبب قدومه. لقد جاء ممثلاً للمركز من أجل التفاوض حول انضمام مقاطعة إيفينوس إلى المنظمة.
فكرة خطبتها لجوليان لم تخطر في باله حتى الآن.
‘لكن الآن بعد أن فكرت في الأمر… لن تكون فكرة سيئة.’
….السبب في فشل المحادثات سابقاً كان سلوك جوليان وعدم نضجه. لم يُظهر أي مستقبل واعد، وهذا أدى إلى انهيار المفاوضات.
لكن الأمور اختلفت الآن.
‘هو وسيم، ووالده يملك مستقبلاً واعداً، وموهوب جداً، كما أن إيفلين لا تبدو أنها تكرهه كما كانت من قبل…’
وإن لم تخطر الفكرة بباله سابقاً، فقد ظهرت الآن بينما كان يلتفت إلى ألدريك. الذي كان هو الآخر شارداً بالتفكير.
من وجهة نظره، سيكون الزواج بين جوليان وإيفلين مفيدا جدا.
تكن أراضي فيرليس غنية فحسب، بل كانت أيضا بجوار أراضيهم. إذا كان الاثنان سيتحالفان من خلال الزواج، إذن…
حدث تغيير في عينيه.
‘أوه، لا.’
كما لو أنها أدركت أن كلماتها قد جاءت بنتائج عكسية، بدأت إيفلين تشعر بالذعر.
‘…هذا، والدي، بدأ يفكر في الأمر جدياً.’
لقد عرفته جيدا بما يكفي لمعرفة هذا.
‘يا إلهي…’
أما جوليان، فرغم أنه لا يعرف ألدريك جيداً، إلا أنه لم يكن غبياً.
كان قادراً على رؤية أنه يفكر بالأمر فعلاً.
‘هذا سيء.’
بدأ عقله يعمل بأقصى سرعة.
‘…على الأرجح لن يقتنع بحجة أنني أريد التركيز على التدريب. يمكنني الهرب من الإمبراطورية، لكن هذا سيكون غير عملي. أحتاج إلى عذر لإبعاده الآن. شيء مثل… هدف جديد؟’
ظهرت فكرة جريئة في ذهن جوليان فجأة.
‘صحيح!’
كاد أن يضرب قبضته على راحة يده من شدة الحماسة.
‘سأتظاهر أنني واقع في حب شخص آخر، وأنه إن لم تكن هي، فلن أخطب لأي أحد. يجب أن تكون شخصاً مستحيلاً… لكن أكن له الإعجاب…’
ظهر شخص في ذهنه.
لم يكن عليه أن يفكر كثيراً ليعرف من.
رفع رأسه، وأخذ نفساً عميقاً. ثم، وهو يحدق مباشرة في والده، تمتم قائلاً:
“في الواقع، بخصوص الخطبة… أود أن أخطب.”
“….!”
ارتفع رأس ليون فجأة عندما أصبحت الغرفة صامتة.
كل الأنظار اتجهت نحو جوليان.
ضرع. ضرع.
ضغط ليون بسرعة على فخذه ضد جوليان بينما نمت عيناه بالدماء.
‘لا، جوليان…’
نظرة، نظرة.
تقلّبت نظراته بين جوليان والرجل ذو الشعر الأبيض.
ضرع. ضرع.
أصبح ارتطام فخذ ليون أكثر وضوحاً.
ومع ذلك، تجاهله جوليان وهو ينظف حلقه وفتح ألدريك فمه .
“تريد أن تخطب؟ …هل لديك مرشحة؟”
“نعم.”
تذكر ليون مشهدا معينا في الماضي وأصبح وجهه شاحبا.
“….من هي؟”
“ديليلا ڤي. روزنبرغ.”
أجاب جوليان ببرود.
“….هي من أرغب في خطبتها.”
سقط ليون على كرسيه بينما التفت لينظر نحو الرجل ذو الشعر الأبيض الذي بدا أن تعابير وجهه تغيّرت فجأة.
‘آه..’
رغب ليون في أن يدفن نفسه تحت الأرض.
‘لماذا…؟ لماذا الآن من كل الأوقات؟’
تقلّص وجه ليون وهو يبتعد قليلاً عن جوليان. من بين كل الأوقات، اختار أن يفعل هذا أمام هذا الشخص بالذات.
وبـ”هذا الشخص”…
كان يقصد:
أورسون روزنبرغ.
والد ديليلا، ورئيس المركز .
“آه.”
أغمض ليون عينيه وتوقّف عن التفكير.
لم يستطع إلا أن يصلي بصمت من أجل جوليان.
‘ارقد بسلام، أيها الأحمق.’
______________________________________