الفصل 398: العودة إلى هافن [1]
بمجرد أن خرجت الكلمات من فمي، تغيّر الجو في الغرفة بالكامل.
شعرت فجأة بصعوبة شديدة في التنفس.
“ما الذي يحدث؟”
نظرت حولي وأنا مشوش. كانت إيفلين تحدق بي بعينين واسعتين وفم مفتوح.
ليون كان جالسًا وعيناه مغمضتان، ويداه مضغوطتان على صدره.
كان يبدو كجثة جاهزة للدفن.
“ما خطبه بحق الجحيم؟”
كان رئيس العائلة ينظر إليّ بالتعبير المعتاد… لا، رغم دقته، لاحظت تغيّرات خفية في تعبيره.
كان يبدو غير مرتاح بعض الشيء.
وعندما التفتُّ إلى والد إيفلين، لاحظت أنه لم يكن ينظر إليّ بل إلى الرجل ذو الشعر الأبيض.
“صحيح، لا بد أنه المندوب من المركز.”
لم أُعِرْه الكثير من الاهتمام سابقًا لأنه لم يكن يملك حضورًا قويًا.
كان وسيماً ويبدو في العشرينات من عمره.
لكن، الآن فقط وأنا أتأمله عن قرب، لاحظت تغيرًا غريبًا في تعبيره.
“هل هو شخصية رفيعة في المركز؟”
بصراحة، لم أكن أعرف الكثير عن المركز.
الكثير من معلوماتهم كانت سرية للغاية.
فقط الأعضاء الرئيسيون كانوا يعرفون خفايا ذلك المكان.
كل ما كنت أعرفه هو أنهم المنظمة المسؤولة عن مراقبة عائلة ميغريل.
لكن، مع ذلك…
كان هناك شيء غير طبيعي في الموقف.
لماذا…؟
“كُحم.”
بسعال خفيف، جذب رئيس العائلة انتباهي من جديد.
“جوليان.”
كانت نبرته لطيفة إلى حد ما.
ألطف مما اعتدت سماعه منه. وكان ذلك غريبًا، وأشعرني بعدم الارتياح.
“ما الذي يحدث بحق الجحيم؟”
“هل أنت متأكد أنك تريد أن تخطب الآنسة روزمبرغ؟ هل تدرك الفرق الهائل بينكما؟ ليس فقط في العمر، بل في القوة أيضًا؟”
“…أدرك ذلك.”
أومأت برأسي بتردد.
لسبب ما، شعرت وكأنني أحفر قبري بيدي.
خطرت لي فكرة عندما أدرت رأسي لمواجهة الرجل ذو الشعر الأبيض.
تذكّرت فجأة معلومة مهمة جدًا عن المركز.
عن قائده الحالي…
“…آه.”
غرق قلبي.
لا يمكن أن يكون، أليس كذلك؟
مد رئيس العائلة يده باتجاه الرجل ذو الشعر الأبيض.
“دعني أقدمك إلى أورسون روزمبرغ. الرئيس الحالي للمركز، والأب بالتبني للشخص الذي ترغب في خطبتها.”
فتحت فمي، لكن لم تخرج أي كلمات.
فقط… الدموع.
….كان هناك الكثير من الأشياء التي أردت فعلها في تلك اللحظة، لكنني لم أستطع.
في النهاية، لم يكن لدي سوى خيار واحد: أن أختم مشاعري.
ظهرت الأقفال في ذهني بينما برد عقلي.
“…فهمت.”
تمكنت أخيرًا من إخراج الكلمات وأنا أحدق في الرجل أمامي.
“إذاً هو والد ديليلا .”
خفضت رأسي لأحييه.
“إنه لمن دواعي سروري مقابلتك.”
قوبلت كلماتي بصمت غريب.
وعندما رفعت رأسي، واجهتني عينان عميقتان.
شعرت أن عالمي بدأ ينهار تدريجياً بينما بدأت أنجذب إلى عينيه.
ومع ذلك، وبشكل غريب، تمكنت من البقاء هادئًا.
….لقد اختبرت شيئًا مشابهًا من قبل.
“صحيح، من ديليلا…”
ما كنت أختبره حاليا هو نسخة أكثر اعتدالا مما استخدمته ضدي.
“أوه؟”
حدث تغيير في وجه أورسون وهو ينظر إلي.
يبدو أنه تفاجأ من قدرتي على مقاومة نظرته.
“…لا بأس بك.”
حتى أنه ألقى مجاملة علي.
لقد فوجئت قليلا بهذا لكنني شكرته مع ذلك.
“شكرًا لك.”
“ممم.”
أومأ برأسه بشكل خافت قبل أن يميل إلى الخلف على الكرسي.
“أنت تمامًا مثل والدك. لا تُظهر تغيّرًا في ملامحك رغم الموقف الذي تمر به.”
لا، ليس تمامًا…
اضطررت لإغلاق مشاعري كي أصل لهذه الحالة.
كنت قد متّ من الداخل بالفعل.
“…يبدو أنه شيء وراثي.”
“ابنتي بالتبني ليست مختلفة كثيرًا. هي أيضًا لا تُظهر مشاعر كثيرة. لكن حالتها مختلفة قليلًا عن حالتك.”
“صحيح…”
كنت أعرف كل شيء عن حالتها.
…بل وعرفت ما حدث لها في الماضي.
رررن~
اهتزت السلاسل التي كانت تغلق مشاعري.
كان هذا الوضع حقا خارج نطاق توقعاتي.
كنت أعلم أن والد ديليلا هو قائد المركز. كان هذا شيئا يعرفه العالم بأسره إلى حد كبير.
لكن… لم أتوقع أبدًا أن يكون والدها هو من يأتي مباشرة من المركز.
لم يكن شيئًا بإمكاني توقعه، نظرًا لمكانته العالية.
…ومن المحتمل أنه لم يكن ليظهر هنا أبدا لو كان الوضع طبيعيا.
لكن عندما فكرت في الأمر، الوضع لم يكن طبيعيًا.
ليون وأنا كنا موجودين.
السبب في ظهوره هو وجودنا.
“إذا كان هذا هو الحال، فلا داعي للقلق الشديد.”
ربما كان يعلم أيضًا أنني فعلت ذلك فقط لتجنّب الخطبة من إيفلين.
ارتحت قليلًا بعد أن وصلت لتلك النقطة.
“ديليلا جميلة جدًا، إن جاز لي القول. يمكنني تفهّم رغبتك بخطبتها. لكن للأسف، لست متأكدًا من أن الخطبة ممكنة. لست من النوع الذي يُخطب ابنته دون موافقتها. إن أردت خطبتها، فستحتاج إلى موافقتها، وبالنظر إلى حالتها…”
توقّف عند تلك النقطة، وكان المعنى واضحًا.
“ديليلا لا تستطيع الشعور بالمشاعر، لذا انسى الأمر. لن توافق أبدًا.”
“…أفهم.”
أومأت بخفة وتنهدت براحة سرًا.
“ما زالت لدي فرصة للنجاة.”
“إن استطعت الحصول على موافقتها، فلا أرى مانعًا من خطبتكما. لكن القول أسهل من فعله. الكثيرون حاولوا من قبل. أمراء من الإمبراطوريات الأربع، وخلفاء رفيعو المستوى. أنت مجرد واحد من بينهم.”
لم يُفاجئني بصراحة.
جمال ديليلا لم يكن بشريًا. كانت… تجسيدًا للكمال.
كان من الغريب ألا يُفتن أحد بجمالها.
“حسنًا، إذًا.”
فجأة، صفق أورسون بيديه ووقف. مرتديا ابتسامة، نظر حول الغرفة قبل أن يمد يده ليصافح رئيس العائلة.
“أعتقد أن هذا هو الوقت المناسب لكي أغادر. كان من دواعي سروري مقابلتك، ومرحبا بك في المركز . أتطلع إلى العمل معك في المستقبل.”
ثم التفت إلى إيفلين وليون.
…نظر إليهما بسرعة، ثم أومأ برأسه. وبعدها غادر برفقة الفيكونت فيرليس.
كلانك!
صمتت الغرفة بعد وقت قصير من رحيله.
عندما حدث ذلك، سقطت عدة عيون علي.
قمت بتدليك وجهي وأبقيت تعبيري ثابتا.
جلست على أحد الأرائك، التقطت فنجان شاي وأخذت رشفة منه.
“…شايٌ جيد.”
“إنه فارغ.”
كلانك—
غادر أورسون ملكية إيفينوس دون أن ينظر خلفه.
طوال الوقت، لم تفارق الابتسامة وجهه.
تذكّر تفاعله مع الابن الأكبر لعائلة إيفينوس وكاد أن ينفجر ضحكًا.
“…كم هو لطيف.”
كان أورسون يرى من خلال كل شيء.
كان من الواضح أن الابنة الكبرى لعائلة فيرليس والابن الأكبر لعائلة إيفينوس لم يرغبا في هذه الخطبة، وهو ما أدى إلى هذا الموقف السخيف.
“هاها.”
كلما فكر أورسون في الأمر أكثر، كلما وجد الوضع أكثر تسلية.
وفجأة، شعر برغبة في الاتصال بابنته بالتبني.
وبمجرد أن دخل العربة، فعل ذلك.
كليك—
—نعم؟
ظهرت ديليلا فوق جهاز الاتصال.
عينها السوداء العميقة اخترقت الإسقاط بينما عقدت حاجبيها قليلاً.
—…هل هناك شيء يا أبي؟
“همم، لقد عدت للتو من رحلة عمل. عادة لا أتصل بك في مثل هذه الأوقات، ولكن بصفتي والدك، من واجبي أن أخبرك بما حدث.”
عبست ديليلا، لكنها لم ترد.
عندها، دخل أورسون في صلب الموضوع.
“لقد طُلب يَدُكِ للزوا—”
—ارفض.
لم يكن هناك أي تردد في صوت ديليلا عندما قالت ذلك.
وكان أورسون يتوقع ردها تمامًا، ولم يغضب من مقاطعتها له.
“لقد رفضت بالفعل.”
—جيد.
أومأت ديليلا بخفة. ثم فجأة، خفضت رأسها واختفت من الإطار لعدة ثوانٍ، قبل أن تعود.
على الفور، عبس أورسون.
“هل تأكلين الشوكولاتة؟”
—هاه؟
اتسعت عينا ديليلا.
بدت مصدومة.
“كيف عرف؟!” هزت رأسها.
—مـنـو.
لكن لم تستطع خداع أحد. كانت شفتاها مغطاتين بالشوكولاتة، بل وفمها ممتلئ أيضًا.
أغلق أورسون عينيه بلا حول ولا قوة.
كان إدمانها أحد أكبر عيوبها.
لقد حاول عدة مرات مساعدتها في الماضي، ولكن كل شيء كان عديم الفائدة.
حتى أنه ذهب إلى حد حظر جميع المتاجر من بيعها لها.
ومع ذلك… كانت تجد دائمًا طريقة للحصول على الشوكولاتة.
كان ذلك يسبب له صداعًا دائمًا.
“لا بأس، أنا في مزاج جيد اليوم.”
“على أي حال، اتصلت بك فقط لأبلغك بالطلب. العرض لم يكن جديًا من الأساس. كانت مجرد حيلة من قبل الطرفين لمنع والديهما من إشراكهما معا.”
لم تُظهر ديليلا أي اهتمام يُذكر.
أومأت فقط موافقة على كلماته.
“لكن يجب أن أعترف، الاثنان يبدوان ثنائيًا جيدًا بالفعل. إحداهما ابنة عائلة فيرليس، والآخر هو الابن البكر لعائلة إيفينو—”
صدر صوت خافت من جهاز الاتصال. وعندما التفت أورسون برأسه، رأى ديليلا تحدق به بنظرة فارغة.
“…ما الذي حدث؟”
—هاه؟ آه..
استفاقت ديليلا بسرعة والتقطت ما أسقطته.
كانت قطعة شوكولاتة.
—…أسقطت هذه.
“حسن—”
تجمد أورسون فجأة.
“هل أسقطت الشوكولاتة ثم عرضتها عليّ؟”
طوال معرفته بديليلا، لم يسبق له أن رآها تسقط قطعة شوكولاتة من يدها.
كانت تعاملها وكأنها طفلها.
لا، بل أكثر من ذلك…
منذ الحظر، كانت دائمًا تخفي قطعة الشوكولاتة عنه. حتى عندما كان واضحًا أنها تأكلها، كانت تبقيها بعيدة عن ناظريه وتتظاهر بأنها لا تملك شيئًا.
“ما الذي…”
—الخطبة… هو طلبها؟
“آه، آه.. نعم.”
أومأ أورسون بخفة، غير قادر على فهم ما يجري.
—أوه.
تكرر صوت خافت مرة أخرى.
نظر أورسون إلى الإسقاط بتعبير مذهول.
“هل أسقطت الشوكولاتة؟”
—نعم.
انتظر منها أن تلتقطها.
…لكنها لم تفعل.
خدش أورسون رأسه.
“هل هي مريضة؟”
لكن حتى عندما كانت مريضة، لم تكن لتسقط شوكولاتتها.
—هل رفضت الخطبة؟
“…نعم.”
—حسنًا.
أومأت ديليلا.
كليك!
انتهت المكالمة.
جلس أورسون بصمت بعدها، يحدق في الفراغ أمامه بنظرة خاوية.
أعاد المشهد في ذهنه مرارًا وتكرارًا.
لكن كلما فكر فيه أكثر، زاد حيرته.
وفي النهاية، قرر التوقف عن التفكير.
…شعر أن هذا أفضل قرار لصحة عقله.
_____________________________________