اهتز المحيط من حولي.
وانتشرت عاصفة قوية من الرياح المضغوطة من البقعة التي كنتُ فيها حين تصادمت قبضتي مع كف دليلة المفتوحة.
وحلَّ صمتٌ تام بعد ذلك بوقت قصير.
فقد خمدت الرياح، وتلاشت الطاقة المنبعثة من قبضتيَّ فور ارتطامها بقبضة دليلة.
وسكن العالم من حولي.
وعندما رفعتُ رأسي، كانت دليلة تحدق بي في المقابل.
"هذا هو نطاقك الأول، أليس كذلك؟"
بدت غير متأثرة على الإطلاق.
لا يعني ذلك أنني لم أتوقع هذا.
"أجل، مستحيل أن يزعزعها شيء كهذا".
"....نعم".
"حسنًا".
سحبت دليلة يدها، متراجعة خطوة إلى الخلف لتضع بعض المسافة بيننا. ومع ملء الدفء المنبعث من المحيط للأجواء، زفرتُ بعمق، وأنا أشعر بجسدي يعود تدريجياً إلى طبيعته.
وعندما تطلعتُ لأعلى، كان المشهد قد عاد إلى حالته الطبيعية.
"ليس سيئاً".
علقت دليلة من مكانها.
"مع تقدمك الحالي، من المفترض أن تكون قادراً على تحويل هذا بالكامل إلى نطاقك الخاص". "شكراً لكِ".
"....أرني مفهومك الآخر".
"حسنًا".
نبض-!
قبض شيء ما على عيني فجأة. كان شعوراً غريباً بدغدغة أشبه بالحكة منها إلى الدغدغة. وعندما رفعتُ رأسي، ظهر وجه دليلة على مسافة غير بعيدة من مكاني.
ومضت المفاجأة في رؤيتها بينما بدأت عيني اليمنى تشعر بثقل لا يُصدق.
وكدتُ لا أقوى على إبقائها مفتوحة.
وسرعان ما أظلمت عيني اليمنى بالكامل. ولم أعد أرى منها شيئاً.
"آه".
وبدأ التنفس يصبح أكثر صعوبة أيضاً.
ومع ذلك، وداخل الظلام، استطعتُ رؤية نقاط أرجوانية خافتة. لم أكن أعلم ما هي لكنني
شعرتُ أنه بمقدوري التحكم بها. ولكن كان هناك شيء آخر يزعجني.
"بدأت ركبتيَّ تخور السيطرة".
واجتاحت موجة من الضعف جسدي، لتجبر ساقيَّ على الارتجاف.
وتراجعاً إلى الخلف، جلستُ فوق سطح ناعم.
وأحاط دفء غير مألوف بذراعيَّ وساقيَّ حين جلستُ. وعندما ألقيت نظرة إلى الأسفل، رأيتُ أيدي أرجوانية نحيلة تقبض على ذراعيَّ، وتوثقني إلى كرسي منسوج من الأيدي ذاتها.
"هاا... هاا..."
ومع صعود وهبوط صدري تلاحقاً، نظرتُ لأعلى.
كانت دليلة لا تزال هناك.
وقد شابت ملامحها قطبة جبين.
وأصبحت النقاط الأرجوانية في عيني اليمنى أكثر وضوحاً. لدرجة أنها بدأت تملأ عيني اليمنى بالكامل.
ولكن كانت هناك مشكلة أخرى.
فقد بدأت عيني اليمنى تصبح أثقل فأثقل.
ونتيجة لذلك، مال رأسي إلى الأمام.
"ما هذا بحق..."
لم أفهم ما الذي كان يجري لكن جزءاً مني علم أن الأمر يتعلق بالنقاط الأرجوانية في عيني اليمنى.
لذا...
مضيتُ قدماً وتخلصتُ منها.
"اذهبي".
وداخل العالم المظلم الذي يحيط بي، حولتُ انتباهي بأكمله نحو دليلة. وسرى شعور غريب بالارتياح عبر جسدي بينما بدأت النقاط الأرجوانية داخل عيني اليمنى بالتلاشي.
وبدأ الثقل الجاثم على عيني اليمنى يخف أيضاً وأصبح بإمكاني رفع رأسي مجدداً. وعندما فعلتُ، حبس المشهد الذي استقبلني أنفاسي.
وظلت دليلة في مكانها بينما انبثقت أيدي أرجوانية من حولها، تتشبث بجسدها بقوة. وكل بقعة أرجوانية تلاشت من عيني اليمنى أظهرت يداً أخرى، تقبض عليها بقوة
ونبضت الكرة البيضاء بداخلي وخفقت بسرعة بينما صغر حجمها.
وانبثقت المزيد من الأيدي من أسفل دليلة.
وتشبثت الأيدي بها بضراوة، دافعة بعضها البعض جانباً لتتسلق لأعلى، وتشدد قبضتها. ومع انبثاق المزيد منها، انكمشت الكرة البيضاء بداخلي، لتغذي الزحف الضاري للأيدي الأرجوانية.
وفي غضون ثوانٍ قليلة، غرق جسدها بالكامل تحت هذه الأيدي.
ولم يتبق سوى رأسها.
وبدت دليلة غير مكترثة طوال الوقت وبمجرد أن تشبثت الأيدي بعنقها، انفرجت شفتاها.
"يكفي".
وتوقف كل شيء بغتة عن الحركة.
سواء كانت الأيدي، أو أنا.
ولم أكد أقوى على رفع إصبع واحد بينما تجمد الفراغ من حولي.
وأحاط ضغط خانق بالمحيط، جاعلاً من الصعب التنفس. ولحسن الحظ،
لم يكن الضغط موجهاً نحوي، وإلا لكنتُ في مأزق كبير.
"....لقد رأيتُ ما يكفي".
كراك كراك!
انشقت المساحة كزجاج مكسور، مفسحة المجال لمكتب دليلة.
وعندما رفعتُ رأسي مجدداً، ظهرت هي على الطرف المقابل، تجلس على مكتبها بـملامح
هادئة. وكانت أصابعها النحيلة تنقر فوق الطاولة الخشبية.
"المدى الذي طوّرتَ به مفهومك الآخر مثير للدهشة".
"...أحقاً هذا؟"
كنتُ أنا أيضاً متفاجئاً بهذا.
فلم أكن أنا من طوّر هذا المفهوم. بل كان جوليان الآخر. وكنتُ أستخدم فحسب ما
قد طوّره هو.
وحقيقة أنه كان قادراً على تطوير المفهوم إلى هذا الحد في مثل هذه المدة القصيرة من الوقت
كانت مذهلة للغاية بالنسبة لي.
وجعلني هذا أتساءل عن بعض الأشياء.
مثل...
هل كان جوليان حقاً يفتقر إلى الموهبة؟ أم أن هوسه بالسيوف هو ما جعله يبدو بلا موهبة؟
إن كان الاحتمال الثاني هو الصحيح، فجوليان عبقري وحش أكثر مما ظننت.
"إنه ليس في نفس مستوى مفهومك الآخر، لكنه أيضاً ليس بنفس درجة التعقيد".
"التعقيد؟"
"نعم، ينبغي أن تكون مدركاً لهذا بنفسك".
"همم".
واستندتُ إلى الخلف على الكرسي.
إذا كانت تتحدث عن التعقيد، فإن مفهومي الأول كان بالفعل أصعب في الفهم
والتحكم مقارنة بالثاني. كانت هناك أنماط وتركيبات كثيرة للغاية توجب
عليَّ فهمها قبل استخدامها.
وكان ذلك على خلاف المفهوم الآخر الذي كان مباشراً ومكشوفاً للغاية.
وإلى حد ما، كان شبيهاً بمفهوم ليون.
بالطبع، في ما يتعلق بجزء "النقاط" فقط. وفي ما عدا ذلك، كان المفهومان
مختلفين تماماً.
"همم".
وإذ رفعتُ رأسي، بدت دليلة مستغرقة في تفكير عميق.
ومع تحسس يدها لذقنها، تقطَّب حاجباها الرقيقان. وحلَّ صمتٌ غريب في
الغرفة.
واستمر ذلك حتى رفعت رأسها ونظرت إليَّ مباشرة.
"هل... فكرتَ يوماً في دمج المفهومين معاً؟"
'البطل لا يستسلم أبداً في وجه الشدائد. بل يرتقي إلى مستوى الحدث ويغدو أقوى تحته.'
رجل العدالة.
ولم يكن بمقدور تيريزا الاستسلام هكذا.
ليس بعد تكبد مثل هذه الإهانة. ولم تكن لتسمح لنفسها بذلك. وإذ حدقت في الباب المؤدي إلى
ملك الشياطين الثالث، رمقته بنظرة شرسة ضارية.
لم ينتهِ الأمر بعد.
"ما الذي يجري هنا؟"
في الوقت المناسب تماماً. دخل التابع إلى الغرفة المشتركة.
ونفضت تيريزا ملابسها لتنظفها، ثم وقفت ونفخت صدرها. ومشت بعد ذلك نحو ليون
بخطى واثقة ونغزت ملابسه. وفي الوقت ذاته، ناولته الورقة.
"ما هذا؟" "توقيع".
"لأجل ماذا...؟"
"العرض".
ولم تشعر تيريزا بالحاجة إلى الكذب على التابع.
"أوه؟ لهذا فقط...؟ بالتأكيد".
لقد كان سهلاً للغاية كما هو عهده دائماً. وبإخراج قلم سريعاً، وقع التابع على الورقة. وإذ أومأت برأسها في رضا، لفت تيريزا
الورقة بعناية ودستها في جيبها.
وبدأت ثقتها التي تحطمت مسبقاً، تعود إليها.
كما هو متوقع من التابع.
لقد كان غبياً بقدر غباء وجهه.
ومع ذلك، كانت الأمور بعيدة كل البعد عن النهاية. فما زال يتعين عليها التعامل مع العقبة الأكبر.
ما الذي يمكنها فعله بالضبط لتجعلها توقع على الورقة؟ ملك الشياطين الثالث. لقد كانت معضلة
صعبة الحل.
وإذ جلست على الأريكة، تحسست ذقنها واستغرقت في التفكير.
"همم".
ما الذي يمكنها فعله بالضبط...؟
كان عقلها فارغاً. وبدا أي مخطط أو مهارة تملكها تحت تصرفها عديم الفائدة و
بلا معنى في هذه اللحظة.
"ما الخطب يا تيريزا؟ هل هناك شيء يزعجكِ؟"
"...نعم".
لقد كانت عاجزة بالفعل. ولم يتمكن عقلها من ابتكار أي إجراء ضد ملك الشياطين
الثالث. وجلس ليون بجوارها.
"أخبريني ما الذي يزعجكِ؟"
"آيفي".
"...وما الذي فعلته بالضبط؟"
"لم توقع". "آه... فهمتُ ما الذي يجري".
واستند التابع إلى الخلف على الأريكة.
"هممم. أظن أن لدي طريقة".
"ألا تصدقينني؟"
هز. هز.
"هل أنا غير موثوق به إلى هذا الحد؟"
إيماءة...؟
"إذن لن أقول شيئاً".
هز. هز.
"موثوق. موثوق".
"هييه... انظري إليكِ كيف تغيرين الرواية بهذه السرعة".
وقرص ليون أنفها مما جعل تيريزا تضيق عينيها بانزعاج.
"تـ، توقف".
"عليكِ أن تدفعي ثمن عدم احترامي".
"الـ، الرحمة!"
"هل أنا موثوق به؟"
"مـ، موثوق".
"انظري إليكِ كيف تكذبين علانية هكذا".
"آه...!"
وتخبطت ذراعا تيريزا في الهواء بينما قام التابع، الشرير كما هو، بضغط أنفها بقوة.
"حسنًا، أنا راضٍ الآن".
ونفض ليون يديه ثم شرع في التربيت على رأس الطفلة.
"تريدين معرفة كيفية إقناع آيفي بالتوقيع، صحيح؟"
إيماءة...
"حسنًا، لأكون صادقاً. ليس الأمر بهذا التعقيد".
"...؟"
ونهض ليون من الأريكة وصعد السلالم المؤدية إلى خارج الغرفة المشتركة. و
ظهرت علامة استفهام فوق رأس تيريزا وهي تتطلع إلى ظهره المتواري. إلى أين هو
ذاهب؟
ولم تضطر للانتظار طويلاً إذ عاد ومعه زجاجة في يده.
كانت تحتوي على سائل أصفر غريب. وقد تعرّفت عليه.
"هل تعلمين ما هذا؟"
"شراب".
"لا، أي شراب هذا؟"
"بيرة".
"جيد. هل تتذكرين ما حدث في المرة الأخيرة التي شربت فيها آيفي هذا؟"
"ما الذي تظنين أنه سيحدث إذا شربته مجدداً؟"
"...!"
وبعبارة أخرى، كانا ينويان تسميمها. طالما دخلت البيرة إلى جوف ملك الشياطين الثالث،
فإنها ستوقع؟
"إذاً ما رأيكِ في هذا؟ سأساعدكِ مجدداً، ولكن عليكِ أن تعديني بشيء في المقابل".
ونظرت تيريزا بتردد إلى ليون. ما الذي يخطط له هذا الرجل؟ وضاقت عيناها.
"لا تنظري إليَّ هكذا. لن أطلب الكثير. فقط... احرصي على تنظيف أسنانكِ مرتين في اليوم. ليس الأمر بهذا الصعوبة... إيه. ربما يكون كذلك".
وإذ لاحظ وجه تيريزا الممتعض، أطلق ليون ضحكة جوفاء. كما هو متوقع، كان هذا أصعب بكثير
مما ظن.
ولم يكن باليد حيلة على أي حال.
فقد أصبحت الفتيات، لسبب غريب، متعلقات للغاية بـتيريزا ولم
يكن بمقدوره منعهن من توبيخها طوال اليوم. وطالما تمكن من جعل تيريزا تنظف
أسنانها، فسيكون قادراً على تحرير نفسه من بضع توبيخات.
وللغرابة، أومأت تيريزا برأسها في النهاية.
"...حسناً".
"أوه؟"
وتفاجأ ليون ساراً. لم يكن يتوقع منها الموافقة. وتجدر الإشارة إلى أن جعل تيريزا تنظف أسنانها كان أصعب بمرتين من جعل كيرا تتوقف عن الشتم لبضع دقائق. في الأساس، كانت مهمة مستحيلة.
"هل تعدينني؟"
إيماءة. إيماءة.
"حقاً... هل ستفعلين ذلك حقاً؟"
إيماءة...!
"حقاً؟"
"...أسرع..."
"ها".
وابتسم ليون بسعادة.
"أظن أن ذلك اللعـ... كحم، أقصد جوليان قد انتهى به المطاف بتقديم اقتراح مفيد لمرة
واحدة".
وهكذا. بعد أن أقنع تيريزا بسعادة بتنظيف أسنانها مرتين في اليوم، هرول ليون إلى غرفة آيفي.
وإذ حدقت في ظهر ليون المغادر، التوى وجه تيريزا بخبث. وخافضة رأسها و
محدقة في يديها، تمتمت.
"...لقد بعتُ روحي للشيطان..."
شيطان ذو مظهر غبي.
هل أعجبتكم الترجمة؟
إذا كانت لديكم أي ملاحظات يرجى كتابتها في التعليقات.