"بففف... كـه."
أمسكت آيفي بفمها، محاولةً قصارى جهدها ألا تضحك. ولم تكن ببارعةٍ في ذلك.
"ألم تكوني ثملة؟"
"...كنتُ كذلك حتى تقيأتُ كل ما في جوفي".
"أوه".
أهناك شيءٌ كهذا حقاً؟ لم أكن متأكداً تماماً لأنني لم أثمل قط لدرجة التقيؤ في حياتي السابقة.
"رأسي يؤلمني، على أية حال".
وإذ مشت نحو مكتب الغرفة المشتركة، أخرجت عدة أقراص ودستها في فمها.
"هذا يساعد أيضاً".
"صحيح..."
وحوّلتُ نظري عنها إلى الأرض حيث كانت ترقد فتاة صغيرة، وعيناها شاخصتان بينما تحدق في السقف.
نظرة: الخيانة تأتي دائماً من أولئك الذين تثق بهم أكثر من غيرهم.
صحيح، أجل. كان هناك هذا... فأبعدتُ نظري عنها. لم يكن الخطأ خطأها حقاً إذ كان بمقدوري تخمين ما حدث تماماً، ولكن برؤية النظرات التي يرمقني بها الجميع، قررتُ التمهل في إعطائها المكافآت في الوقت الحالي.
هؤلاء اللعـ...
"همم؟"
وفي خضم أفكاري تلك، لاحظتُ شيئاً ما.
'أين دليلة؟ كنتُ لأقسم أنها كانت هنا قبل بضع لحظات فحسب'.
وقطّبتُ جبيني، متطلعاً حول الغرفة المشتركة لكنها لم تكن في الأرجاء. وعندما التفتُّ إلى ليون، هز رأسه لي فحسب.
'لا تسألني'.
'ماذا؟ أنا لم حتى...'
انتظر لحظة.
وتوقفتُ، متراجعاً خطوة إلى الخلف.
'هل تسامى تواصلنا بالأعين إلى مستوى جديد مجدداً؟'
أن يكون قادراً على تخمين أفكاري على هذا النحو...
"ماذا؟ لماذا تصنع هذا الوجه يا ليون؟ هل أنت ثمل أيضاً؟ هاك، خذ بعض الأقراص".
وإذ أغلقتُ عينيَّ، قررتُ تجاهل ما كان يجري حولي. فمن أجل صحتي العقلية، كان هذا هو الأفضل.
'بما أنها غادرت، سأتوجه عائداً إلى غرفتي فحسب'.
وبينما كنتُ فضولياً لمعرفة سبب قرارها بالمجيء معي والمغادرة فجأة، لم أطل التفكير في الموقف. ربما طرأ لها أمر ملح. وإذ شعرتُ بالتعب، صعدتُ السلالم ووصلتُ إلى باب غرفتي.
كليك!
"هوااام".
وبينما أطلقتُ تثاؤباً صغيراً، ظهر أثر خيال عند نهاية الغرفة. "ها".
لماذا لم أفكر في الأمر من قبل؟
وتوقفتُ في منتصف خطوتي، ملاحظاً دليلة وهي تجلس على كرسيّ وظهرا لي. وإذ هززتُ رأسي،
خلعتُ سترتي وعلقّتها جانباً.
"إذن كنتِ هنا. لا عجب أنني لم أستطع العثور عليكِ".
وللغرابة، لم تجب. وعادةً، كانت لتجيب على الفور.
بماذا كانت مستغرقة تماماً لدرجة أنها لم تلاحظني حتى؟ وحاولتُ مناداتها مجدداً.
"دليلة؟"
"أوهت".
وارتجف كتفاها بينما خرج صوت غريب من فمها.
أوهت...؟
ونظرتُ إلى دليلة. وبدت عديمة التعبير كعادتها دائماً، ولكن... ما هذا الصوت بالضبط؟
وضيقتُ عينيَّ.
"دليلة".
"...نعم؟"
"هل يمكنكِ النظر إليَّ؟"
"أنا أفعل".
ودار رأسها ببطء ليتجه نحوي. ولم يبدُ أن هناك أي اختلاف فيها. لذا،
استرخيتُ ببطء وتابعتُ.
"صحيح، لقد قلتِ إنكِ تريدين-"
"أوهت".
وارتجف كتفاها مرة أخرى، والتفت رأسها بعيداً. وتوقفتُ قبل أن أفتح
فمي مجدداً.
"إذن... كما كنتُ-"
"أوهت".
"..أقول..."
"وااوهت".
وااوهت؟
"إذا كنتِ تريدين الضحك، فاضحكي فحسب".
"لا، الأمر بخير".
وإذ ضربت وجهها بكلتا يديها، أطلقت دليلة كل ما كانت تحبسه قبل أن تعود إلى طبيعتها عديمة التعبير. وجلستُ بجوارها.
"الأمر يتعلق بـتيريزا، أليس كذلك؟"
والتفت رأسها بعيداً عني مجدداً.
صحيح، كان هذا كل ما احتجتُ لمعرفته. لقد رأت الأمر برمته بالفعل. ومع ذلك، كنتُ متفاجئاً. لم أظن أن دليلة قادرة على الضحك. وبدا الأمر منعشاً إلى حد ما.
"حسنًا. أنا بخير الآن".
ومدت دليلة يدها نحو الشوكولاتة الخاصة بها وأخذت قضمة. ثم، ناولتني واحدة.
"أتريد واحدة؟"
"....حسنًا".
ومددتُ يدي لأمسك بقطعة عندما توقفت دليلة فجأة. ثم، وبعينين مضيقتين، أعادت اللوح إلى الخلف. وتركني تصرفها هذا متفاجئاً.
ألم تكن هي من...؟
"إيه؟"
"قبل ذلك".
وتغير سلوك دليلة بأكمله، وبدا فجأة مخيفاً للغاية. وجف فمي
عند رؤيتها هكذا. ماذا حدث؟ لماذا تتصرف على هذا النحو؟
وقبل أن أتمكن من استيضاح أفكارها، مدت يدها إلى الأمام وتحدثت ببرود،
"أعده إليَّ".
أعده إليكِ...؟ ماذا-
"أعد إليَّ ما سرقتَهُ مني؟"
"آه؟"
كان الوقت متأخراً في الليل عندما عادت دليلة.
ورنّت 'كليك' ناعمة لـكعب حذاء بينما ظهرت في مكتبها. وكانت يداها تضغطان على
معدتها، وتمسك بعدة أغلفة. وداخل الأغلفة كانت هناك قطع منفردة من
الشوكولاتة.
وبملامح راضية، ألقت دليلة الأغلفة على مكتبها.
نعم، هذا هو الطريقة التي ينبغي أن تكون عليها الأمور.
وأومأت دليلة برأسها في رضا.
وقد تطلب الأمر بعض العناء لجمعها كلها مجدداً لكنها عادت إليها في النهاية. ورغم
أنها كانت قد تركتها بالفعل لـجوليان آنذاك، إلا أنها قد نفدت منها.
ونتيجة لذلك، أصبحت ملكاً لها تلقائياً مرة أخرى.
ولم تضع دليلة ثانية واحدة إذ مدت يدها نحو قطعة واحدة ووضعتها على الفور في
فمها.
"...."
وضيقت عينيها ببهجة.
القوام الناعم والمرن. الدافئ و...
"أوه".
وإذ فتحت عينيها، تذكرت شيئاً ما. وتوجهت نحو مكتبها، ثم جلست وفتحت
درجها حيث أخرجت مذكرات ذات مظهر مألوف.
وفضتها، ثم غمست قلم الحبر الخاص بها وشرعت في الكتابة فيها.
خربشة~
ومض بريق من الرضا على ملامحها بينما كان القلم ينساب عبر الورقة.
"انتهيت".
وبحلول الوقت الذي انتهت فيه، أومأت برأسها بسعادة.
وكان الكتاب يصبح أكثر فأكثر اكتمالاً.
[⚫ إنه يحب إطعامي.]
ومرت الأيام القليلة التالية سريعاً كلمح البصر.
ومع بقاء كل شيء معلقاً، لم يحدث أي شيء مثير وتمكن الجميع من الحصول على
بضعة أيام من الراحة.
في الصباح الباكر.
طق طق-
واستيقظتُ على الصوت المفاجئ لشخص يطرق الباب. وتأكدتُ من الوقت، ثم
أنتُ. لقد انتهت أيام الاحتفالات. واليوم كان اليوم الذي ستُعقد فيه جلسة الاستماع للاعتراف.
ومع تأجيلها لبضعة أيام بالفعل، لم يعد الأعضاء الرئيسيون للكنائس حاضرين. ووفقاً للإعلان، كان سيقوم بها الكهنة المسؤولون.
ولم أهتم بشكل خاص لذا لم يؤثر الأمر عليَّ كثيراً. ولم يكن بوسعنا قول الشيء نفسه عن أولئك الذين
كانوا متدينين للغاية.
طق طق-
وإذ تجاهلتُ الطرق، جلستُ وتوجهتُ إلى الحمام لأغسل وجهي.
وشعرتُ بالماء البارد ينساب على وجهي، لينتعش عقلي. ودافاً شعري إلى الخلف،
ألقيتُ نظرة على خاتمي وقبضتُ يدي.
'استهلاك المانا ليس بالشيء الذي يستهان به'.
ومن أجل إبقاء جوليان مختوماً داخل الخاتم، كنتُ بحاجة إلى ضخ المانا باستمرار في الخاتم.
واللحظة التي أنفد فيها من المانا ستكون اللحظة التي سيزول فيها التأثير ويستولي
هو على الجسد مرة أخرى.
وكان هذا أيضاً السبب في أن هذا لم يكن حلاً دائماً بل مجرد حل مؤقت فحسب.
ووجب عليَّ أن أكون في حالة ترقب دائم لـمانا الخاصة بي.
طق طق-
وما زلتُ أتجاهل الطرق وبدأتُ في تغيير ملابسي.
"اخرج".
ووصلني صوت مكتوم من الجانب الآخر من الباب.
لقد كان ليون.
"أسرع".
وواصلتُ أخذ وقتي كاملاً على مهل.
نعم، كنتُ أفعل هذا عمداً. "....اللعين".
وتباطأتُ أكثر.
وإذ أزرر قميصي من الأسفل إلى الأعلى، مررتُ عليها مرة أخرى، محكماً ربط كل واحد من
الأعلى إلى الأسفل. نعم، كان الأمر كله يتعلق بالترتيب. لم يكن بمقدوري إفساد الترتيب.
"أسرع".
وانحنيتُ، لأربط حذاءي.
وجربتُ بضع عقد حتى حصلتُ على العقدة التي كنتُ راضياً عنها.
"سألقي بكَ خارج الـ-"
كلانك!
وعندها فقط فتحتُ الباب. وكان في استقبالي ليون الذي كان وجهه بارداً وبليداً.
"صباح الخير".
ومشيتُ متجاوزاً إياه وشققتُ طريقي هابطاً السلالم.
'من الجيد أن يكون لديك فارص'.
ومع ما حدث مؤخراً، أُجبر ليون على البقاء بجانبي عند مرافقتي
لي. وبما أن هذا عمله، لم يكن هذا شيئاً يمكنه الاعتراض عليه.
واستغللتُ الموقف تماماً وجعلته يرافقني طوال الطريق إلى حيث كان
أعضاء كنيسة أوراكليوس مجتمعين.
"....لقد وصلنا أخيراً".
وكان الجزء الأفضل في الأمر كله هو حقيقة أن ليون لم يكن ينتمي حتى إلى هذه الكنيسة.
وتوجب عليه العودة إلى مكانه الخاص الذي كان على الجانب الآخر من الأكاديمية. وإذ شعرتُ بنظرته، خفضتُ رأسي وشكرتُه.
"يمكنك الذهاب".
"يا له من صباح رائع".
ومددتُ ظهري وحوّلتُ انتباهي نحو المبنى المهيب الذي يلوح أمام
عيني. ورغم أنه لم يكن من المفترض أن يكون كنيسة، إلا أنه كان يبدو من الخارج كـكاتدرائية
كبيرة مصنوعة من الحجر الداكن.
قاعة ميلتون.
وإذ تطلعتُ حولي، شققتُ طريقي إلى داخل المبنى.
"مرحباً بك".
واستقبلني بضعة كهنة عند مدخل المبنى، وكانت أرديتهم المألوفة تتطاير بينما كانت رائحة
البخور عالقة في الهواء.
وخلفهم كان هناك ردهة طويلة بها أبواب خشبية على كل جانب.
'هل هذا هو المكان الذي ستُعقد فيه جلسة الاستماع؟'
وعلى حد علمي، كانت جلسة الاستماع عبارة عن اجتماع فردي مع أحد كهنة
الكنيسة.
وحييتُ الكاهنين عند المدخل وناولتُهما بطاقتي الطلابية التي ألقيا عليها نظرة سريعة.
وومضت تعابير وجهيهما لبرهة وجيزة قبل أن يشيرا نحو غرفة معينة.
"هناك".
"....شكراً لكما".
ورغم أنني لاحظتُ النظرات الغريبة على وجهيهما، إلا أنني لم أفكر كثيراً في الأمر. فبعد كل شيء، كنتُ
مشهوراً جداً بعد ما حدث في القمة.
"هذه الغرفة؟"
ووصولاً إلى الباب الذي أشارا إليه، تطلعتُ حولي للتأكد من أنه الباب الصحيح
قبل أن أمد يدي نحو المقبض وأديره.
كلانك!
واستقبلني مشهد غرفة خافتة الإضاءة، تبلغ حوالي ربع حجم غرفتي، مؤثثة ببساطة ومفعمة برائحة البخور القوية. وبينما كانت الشموع تومض على الجانب، سقط انتباهي على القوام الطاعن في السن الذي يجلس في منتصف الغرفة.
وكان يرتدي ثوباً كهنوتياً أبيض غريباً، وبدا حضوره غريباً.
لقد كان...
"...ماذا؟"
ونظرتُ لأسفل إلى يديَّ، مستوعباً الارتجاف الخافت فيهما. وتغير تعبير وجهي ولكن بحلول
الوقت الذي أدركتُ فيه أن هناك خطأ ما، انغلق الباب بقوة.
كلانك!
وتجمد جسدي في مكاني ودار القوام برأسه، مظهراً عينه البيضاء العكرة.
"كنتُ أعلم أنني لم أكن مخطئاً".
وانتشر صوته في أرجاء الغرفة، يداعب أذنيَّ بلطف. ومع دوران رأسه، تتبعت دمعة
خطها على خده.
دريب!
وإذ مد يديه في اتجاهي، اهتز صوته.
"كنتُ أعلم أنني سأراك... يا إلهـ-ي".
هل أعجبتكم الترجمة؟
إذا كانت لديكم أي ملاحظات يرجى كتابتها في التعليقات.