"لم يعد هناك مجال للتراجع الآن."
وأنا أحدق في الكاهن الجالس على الكرسي أمامي، تراجعت إلى الخلف وأخذت نفسين عميقين.
كانت عيناه خاليتين من الحياة، وملامحه جامدة.
حككت جانب عنقي.
"قد لا يبعد هذا كل الشبهات عني، لكنه قد يمنحني وقتًا ثمينًا لأفهم الوضع بصورة أفضل."
أدرت رأسي أتفقد المكان، فوقعت عيناي على جسد البابا. ربّتُّ على ساقي، ثم انحنيت ووضعت الجسد داخل الخاتم.
وبعد ذلك مباشرة، نظفت الغرفة ثم بدلت ملابسي. ولحسن الحظ أنني كنت أحتفظ ببعض الملابس الاحتياطية داخل الخاتم.
في حالتي الحالية، فإن الخروج سيكون دليلًا دامغًا ضدي.
كان عليّ أن أصبح نظيفًا تمامًا قبل أن أغادر.
وبالطبع، لم يكن ذلك كافيًا إطلاقًا لإخراجي من هذا المأزق. أول ما احتجت إلى معرفته هو عدد الأشخاص الذين كانوا على علم بوجود البابا.
ولحسن الحظ، لم يكن الحصول على هذه المعلومة يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة إليّ.
"لكن قبل ذلك..."
حوّلت انتباهي إلى المهارة الجديدة؛ [عينا الرائي]. وبينما أحدق فيها، اجتاحني شعور غريب.
"كيف تعمل هذه المهارة بالضبط؟"
كنت فضوليًا بشأن مهارتي الجديدة.
كيف تعمل تحديدًا؟ هل ستكون النسخة المطورة مختلفة بحيث أستطيع الآن التحكم في الرؤى بدلًا من ظهورها عشوائيًا؟
إن كان الأمر كذلك فعلًا...
"لا بد أن أجرب."
لم يكن لدي الكثير من الخيارات بالنظر إلى وضعي الحالي. فإذا تمكنت من رؤية لمحة من المستقبل المحتوم، فقد أجد وسيلة للخروج من هذا المأزق.
"نعم، تستحق المحاولة."
أغمضت عيني وهدأت نبضات قلبي المتسارعة.
كانت فكرة رؤية المستقبل متى أشاء مثيرة للغاية. فمعظم الرؤى كانت غامضة ومفاجئة، وتتركني في أغلب الأحيان عاجزًا عن معرفة ما ينبغي فعله. لكن الأمر سيختلف إذا استطعت رؤية المشهد نفسه أكثر من مرة.
فهذا سيمنحني فهمًا أعمق للوضع، ويمنع تكرار مواقف كالذي حدث للتو.
"هوو."
هدأت ذهني، ودارت المانا في جسدي بينما فعلت المهارة.
غمرني هدوء مفاجئ، فأراح ذهني. وبعد لحظات استقر خدر غريب في رأسي، وشعرت فجأة وكأنني أطوف في الهواء. كانت تجربة غريبة فاجأتني، لكن الأكثر إثارة للدهشة كان مدتها.
إذ لم تستمر سوى... بضع ثوانٍ قبل أن تتلاشى تمامًا.
"هم؟"
وعندما فتحت عيني مجددًا، أدركت أنني ما زلت داخل الغرفة.
"ما هذا..."
لم يحدث شيء؟
قبضت يدي وبسطتها، وأدركت أنني، على عكس ما يحدث أثناء الرؤى، كنت أملك السيطرة الكاملة على جسدي.
ولم يكن لهذا سوى معنى واحد.
أن المهارة قد فشلت.
"لماذا؟"
غطيت فمي، وأخذت أطرق الأرض بقدمي. تدافعت شتى الأفكار في ذهني وأنا أحاول معرفة ما الذي أخفق بالضبط، لكن مهما فكرت، لم أجد إجابة.
"لا بد أن هناك محفزًا ما لم أكتشفه بعد، وهو ما سيمكنني من استخدام المهارة."
لكن ما ذلك المحفز تحديدًا؟
فكرت في قضاء بعض الوقت لمحاولة اكتشاف الإجابة، لكنني أوقفت نفسي عندما تذكرت وضعي الحالي.
"ليس الآن."
كانت هناك أمور أكثر أهمية يجب أن أتعامل معها في تلك اللحظة.
حولت انتباهي إلى الكاهن، وربتُّ على ظهره عدة مرات قبل أن أضغط بإصبعي على جبهته؛ "إيميرسيا."
"هم، هم."
وفي النهاية، انفتحت جفنا الكاهن.
"هـ-هاه؟ أين أنا...؟"
بدا الكاهن مشوشًا في البداية، لكن ما إن وقع بصره عليّ حتى عاد إليه وعيه بسرعة. حاول على الفور المقاومة، لكنه توقف في اللحظة التي تحرك فيها.
"لا أنصحك بالحركة."
"أنت- آه؟!!"
ومع صوت بلعٍ مسموع، تجمد الكاهن في مكانه. أخذ ينظر حوله، وارتجفت عيناه بوضوح وهو يتتبع الخيوط الرفيعة الكثيرة التي غطت الغرفة بأكملها.
"أنت... أنت... لقد قتلت-"
"دعنا لا نتحدث عن ذلك."
ابتسمت، مقاطعًا الحديث، وفي الوقت نفسه شددت الخيوط التي غطت الغرفة كلها.
"لا تقلق، فأنا لا أنوي قتلك في الواقع."
لم أكن متأكدًا تمامًا مما سأفعله به، لكن أمرًا واحدًا كان واضحًا: كنت بحاجة إلى معلومات، أكبر قدر ممكن منها. ولم أكن أنوي التهاون معه للحصول عليها.
"قتلك سيجلب لي ضررًا أكثر من النفع. في الوقت الحالي، سأطرح عليك بعض الأسئلة، وكل ما عليك فعله هو الإجابة."
"...و-وما الذي يجعلك تظن أنني سأتكلم؟"
أجاب الكاهن وهو يرمقني بنظرة حادة مباشرة.
كانت نظرة تهديد لم تؤثر فيّ. فقد سبق أن حدق بي أشخاص أقوى منه بكثير.
"إذا لم تتكلم، فسأضطر إلى إجبارك على الكلام."
"آه؟"
ضحك الكاهن.
"أتقول إنك ستعذبني لتحصل على الإجابات؟"
"لا، لا، لا."
هززت رأسي، واقتربت منه واضعًا راحة يدي على رأسه.
"أنا لست بارعًا في التعذيب، لكن بإمكاني أن أفعل ما هو أكثر من ذلك بكثير."
شددت أصابعي حول جمجمته، فكتم الكاهن أنينًا. وقبل أن يتمكن من الصراخ،
ركزت ذهني، وهمست بكلمة واحدة في داخلي: الحزن.
تصلب جسده على الفور، وانهمرت الدموع على خديه.
"هـ-هق... م-ماذا فعلت..."
"...أعلم. لا بد أنك كنت تكن الكثير من التقدير للبابا."
"ا-البابا؟"
"مم. وأنا أيضًا أشعر بالحزن لرحيله المفاجئ. كيف أمكن أن يموت بهذه الطريقة؟"
قطرة! قطرة!
"الغضب."
"ماذا تعرف أنت!؟"
دوّى صوت الكاهن فجأة في أنحاء الغرفة. واحمرت عيناه بشدة، بينما تطاير اللعاب من فمه.
"...أنت من قتله! كيف تجرؤ حتى على ذكر اسمه! كيف تجرؤ!؟"
كانت صرخاته عالية إلى درجة أنها كادت تملأ الغرفة بأكملها. ولم أكن قلقًا كثيرًا من أن يسمعها أحد.
فكل هذا، في النهاية، لم يكن حقيقيًا.
بااانغ-!
وفجأة، اندفع باب الغرفة مفتوحًا، ودخل عدة أشخاص.
"ما الذي يحدث هنا!؟"
كان من بينهم كاهن طويل ونحيل. الكاهن نفسه الذي استقبلني عند المدخل برفقة الكاهن الجالس أمامي. كان ذا شعر أسود قصير وأنف طويل، وأخذت عيناه الحادتان تمسحان الغرفة.
"هاه!؟"
وما إن وقع بصره على الكاهن أمامي حتى تبدلت ملامحه جذريًا.
"كيف تجرؤ!؟"
وأشار إليّ.
"أمسكوا به!" كان الرجال سريعين. ففي غضون أنفاس معدودة، تمكنوا من السيطرة عليّ بالكامل. حاولت المقاومة،
لكن تحت قوتهم المشتركة، هُزمت في النهاية.
وعندها فقط تحرر الكاهن أخيرًا.
"هل أنت بخير؟ ماذا حدث؟"
"أورخ! أيها الوغد!"
سويش!
نهض الكاهن وركلني مباشرة في صدري.
بانغ! بانغ! بانغ!
كانت ركلاته متواصلة ومفعمة بالقوة.
"كيف تجرؤ!؟ كيف تجرؤ!؟ كيف تجرؤ!؟"
"الغضب."
"الغضب."
ومع كل ركلة، بدا غضبه يتضاعف، فتزداد الضربات عنفًا ويرتفع صوته أكثر،
عارمًا وغاضبًا.
"كيف تجرؤ!؟"
كانت عيناه محتقنتين بالدم، ومع كل صرخة كانت قطرات اللعاب تتطاير من فمه، وكل كلمة تقطر غضبًا لا يمكن احتواؤه.
"...كيف تجرؤ على قتل قداسته!! أيها الوغد!"
بانغ!
أرسلتني الركلة أطير نحو الجانب الآخر من الغرفة، لأرتطم بالجدار. ودوّى صوت تكسر العظام في المكان، لكن ذلك لم يكن كافيًا لإرضاء الكاهن، إذ اندفع نحوي.
"سأقتلك- أويك!"
"توقف!"
ولم يتوقف إلا عندما احتضنه الكاهن الآخر من الخلف وأمسكه.
"دعني! دعني يا كايل! سأقتله! دعني أقتله!!"
"توقف! اهدأ! أخبرني أولًا بما حدث! اهدأ!!"
"كايل، إذًا فهذا اسمه."
ومهما صاح كايل، لم يهدأ الكاهن، وظل غضبه موجهًا نحوي. وعرفت أن هذا يكفي.
"الحزن."
"ت-توقف! توقف..."
تغيرت نبرة الكاهن فجأة، وانطفأ غضبه.
"...هـ-هو، هـ-هو..."
ومع انهمار الدموع على خديه وحجبها لعينيه، توقف أخيرًا عن الاندفاع نحوي.
"ما الذي يحدث؟ اهدأ. أخبرني بما جرى."
"هق... هـ-هو."
وبينما كانت شفتاه ترتجفان، أشار إليّ.
"هـ-هو قتله. ق-قداسته... لقد قتله."
"م-ماذا؟"
ارتسمت الصدمة على وجه كايل وهو يترك الكاهن الآخر.
"م-ماذا قلت؟"
"هـ-هق... لقد قتله. أ... أنا رأيت ذلك بعيني."
"لا، لا، هذا مستحيل."
تراجع كايل عدة خطوات إلى الوراء.
"كيف يمكن أن يحدث هذا؟ لقداسته قوة عظيمة. كيف يموت على يد طالب؟"
"أ... أنا لا أعلم، ل-لكنني رأيت ذلك بعيني."
"لا، أرفض تصديق هذا. لا يمكن أن يكون قد مات بهذه الطريقة. لا بد أن شخصًا آخر
هو من فعل ذلك."
"ومن غيره!؟"
صرخ الكاهن فجأة.
"...الأشخاص الوحيدون الذين يعلمون بوجود قداسته هم أنا وأنت والكاردينال أمبروز،
والحارس ماتياس. فمن غيره يمكن أن يكون فعلها!؟"
"ل-لكن..."
"أتقترح أن أحدنا دبر الأمر؟ كايل، أنت تعلم أن ذلك مستحيل. إذا مات البابا، فلن يتمكن الكاردينال أمبروز أبدًا من أن يصبح البابا بنفسه. والحارس ماتياس مقيد
بالسلاسل المقدسة، ونحن الاثنان أبعد ما نكون عن القدرة على تنفيذ شيء كهذا. إنه هو! لا بد أنه
هـ...م."
توقف الكاهن فجأة، ثم رفع رأسه وألقى نظرة حوله. وأخيرًا، انتبه إلى الأشخاص الآخرين الموجودين في الغرفة.
"انتظر، لماذا هم هنا؟"
"هم؟"
رمش كايل بعينيه.
"ماذا تقصـ-"
"لا يمكن أن يكونوا هنا. لقد اتفقنا على أن الشخصين الوحيدين المسموح لهما بدخول
هذه الغرفة هما أنا أو أنت. فلماذا...؟"
اتسعت عينا الكاهن فجأة بينما استدار رأسه نحوي، والتقت عيناه بعيني وأنا أتكئ على الجدار.
وازداد اتساع عينيه عندما رآني.
"أ-أنت... أ-أنت..."
"من المؤسف أنك انتبهت بهذه السرعة. لقد كنت غارقًا في غضبك لدرجة أنك لم تلاحظ شيئًا.
على أي حال... أكمل ما كنت تقوله. هل أربعة أشخاص فقط هم من يعلمون بوجود البابا في الأكاديمية؟"
تحدثت عبر فم كايل.
ومع التفات رأس الكاهن إليه، أدرك الحقيقة، وارتجفت عيناه.
لكن الأوان كان قد فات.
فقد حصلت بالفعل على كل المعلومات التي احتجت إليها.
بفرقعة من أصابعي، تشقق العالم وانهار من حولي. رمشت بعيني، فوجدت
نفسي مجددًا داخل الغرفة، ولا تزال يدي تضغط بقوة على جمجمة الكاهن.
وعندما سحبت يدي، خيم صمت مريب على الغرفة.
"حسنًا."
خفضت رأسي لأنظر إلى الكاهن الذي لا يزال فاقدًا للوعي. وما إن هممت بفعل
شيء، حتى طرق أحدهم الباب.
طرق- طرق-
"ماريان؟ هل كل شيء على ما يرام؟"
لقد كان الكاهن الآخر.
كايل.
هل أعجبتكم الترجمة؟
إذا كانت لديكم أي ملاحظات يرجى كتابتها في التعليقات.