مع اقتراب الشتاء، بدأت درجات الحرارة داخل أرجاء الأكاديمية تنخفض. حتى إن زفير الأنفاس صار يتحول إلى بخار في الهواء.
"كيف كان رد فعل كنيسة أوراكوليوس؟"
تدلى الضباب في الهواء بينما تكلم رجل ذو شعر أشقر طويل منسدل وعينين خضراوين نافذتين. كانت ملامحه شابة، وكأنه بالكاد تجاوز العشرين من عمره. وبدا كأي طالب عادي في الأكاديمية.
إلا أن أصحاب البصيرة المدربة كانوا يدركون أنه لم يكن يشبه أي طالب. بل بدا كعاصفة مكبوتة، قادرة على تمزيق كل شيء في لحظة بمجرد خاطرة.
-إنهم هادئون على نحو غريب.
جاءه الرد بصوت هادئ ونقي. وكان صوت سكرتير إيفان.
-صمتهم يبعث على القلق. أخشى أن يكون هذا مجرد الهدوء الذي يسبق العاصفة.
"همم، أشعر بالأمر نفسه. ولن ألومهم إن كان ذلك صحيحًا. خاصةً بعد وفاة باباهم."
تشنج حلق إيفان، وبعد عدة سعلات تمكن من تصفية صوته.
"... هل حاولت التواصل مع الكاردينال أمبروز؟"
-نعم، حاولت، لكنني لم أتلق أي رد.
"يبدو أنه لا يثق بنا."
-وبالنظر إلى طبيعة التقرير الذي وصله، فمن الطبيعي ألا يثق بنا.
"صحيح، بالطبع."
ظل تعبير إيفان هادئًا، لكن عينيه شردتا للحظة. واكتسى العالم من حوله باللون الرمادي، وفقد كل أثر للألوان. ولم يستفق إلا عندما سمع صوت سكرتيره يخرج من جهاز الاتصال.
-وفقًا لما أبلغ به هولوي، يبدو أن ما حدث كان فخًا متعمدًا نُصب لنا. وعلى الأرجح أن السماء المقلوبة تقف وراءه، بهدف دق إسفين بيننا وبين إحدى الكنائس السبع، وفي الوقت نفسه التخلص من أحد حراسنا.
"كنت قد توقعت ذلك."
كان إيفان قد أدرك هذه النقطة مسبقًا. فمن المرجح جدًا أن يكون هذا الموقف قد دُبر لاستهدافهم.
ولهذا السبب لم يكن أمامه خيار سوى الحضور شخصيًا لحل المسألة.
فلم يكن بإمكانهم تحمل خسارة عنصر قوي مثل ماتياس. فذلك سيكون ضربة كبيرة لهم. لقد باغتهم هذا الموقف بالكامل، ولم يترك لهم إلا وقتًا ضئيلًا لتقييمه على النحو الصحيح.
"أوه، يبدو أنني وصلت."
توقف إيفان، واستقرت عيناه على المبنى الذي أمامه، ثم أغلق جهاز الاتصال. لم يكن المبنى ضخمًا ولا صغيرًا، لكن بمجرد أن نظر إلى الأسفل، شعر بوجود عدة شخصيات قوية تحته.
'يبدو أن هذا هو المكان.'
دخل المبنى بهدوء، ثم سار عبر درج ضيق إلى الأسفل. وفي الطريق، كان يتوقف بين الحين والآخر لتأكيد هويته. فقد كانت الإجراءات الأمنية مشددة للغاية.
وفي النهاية، وصل إلى غرفة الاحتجاز، ولم يتردد في دخولها.
"وصلت متأخرًا قليلًا عما توقعت. أرجو أن تعذروا تأخري."
وما إن دخل غرفة الاحتجاز حتى وقعت عيناه على أكثر الحضور طغيانًا.
"آه، دليلة. مضى وقت طويل. يبدو أنك أصبحت أقوى منذ آخر مرة رأيتك فيها. ليس سيئًا."
كانت نبرته كنبرة كبير يخاطب من هو أصغر منه. وبعد أن حيا دليلة، حيا الآخرين أيضًا، ثم استدار ينظر إلى الزجاج المعتم.
ومع تضييق عينيه، ظهرت على الجانب الآخر من الزجاج هيئة هزيلة مكبلة بالسلاسل.
"يبدو أنكم لم تتهاونوا معه، أليس كذلك؟"
"نظرًا لقوته، وللمشهد الذي شهدناه، لم يكن بوسعنا أن نتهاون."
"لا، نعم. لا ألومكم."
لوح إيفان بيده متجاهلًا رد دليلة. وبينما كان يحدق في ماتياس خلف الزجاج، اختفت الابتسامة عن وجهه، وبدأت هيئته تتحول تدريجيًا إلى الجدية. وفجأة، خيم ضغط ساحق على جميع من في الغرفة.
أما دليلة وحدها، فلم يبدُ أنها تأثرت.
"أود أن أنفرد به للحظة، إن أمكن."
"....لك ذلك."
أومأت دليلة برأسها نحو هيرمان، فأومأ الأخير على مضض، ثم مضى ليفتح باب غرفة الاحتجاز.
'كان ذلك سهلًا.'
فكر إيفان، وهو يسحب ضغطه عنه ويدخل الغرفة الصغيرة.
كان الصوت الخافت لخطوته هو ما أيقظ ماتياس من شروده. وما إن رفع رأسه، حتى توقفت خطوة إيفان. بدا ماتياس منهكًا للغاية، وقد غاصت هالات سوداء قاتمة تحت عينيه.
"لا تبدو بخير."
"....لم أنم كثيرًا."
حتى صوته كان أجشًا. ومن الواضح أنه لم يقضِ وقتًا جيدًا.
خفض إيفان رأسه حتى التقت عيناه بعيني ماتياس الخضراوين الداكنتين.
"أخبرني بكل ما حدث بالتفصيل."
"....عن ماذا؟"
"لا تقلق بشأن من هم في الخارج. لن يسمع أحد شيئًا. فقط أخبرني بكل ما أدى إلى هذه اللحظة."
|| ||
وبعد تردد قصير، انخفض رأس ماتياس وبدأ يتحدث.
"لقد كان فخًا."
اشتد انقباض فك ماتياس.
"منذ اللحظة التي دخلت فيها، كان ماريان قد طُعن بالفعل في بطنه، وكانت جثة البابا ملقاة على الأرض. ومن الوهلة الأولى، بدا وكأن كايل هو من فعل ذلك، لا سيما أنه كان يشهر سيفه أيضًا في وجه الطالب. لم يكن أمامي خيار سوى التدخل لمنعه من قتل الطالب. وبالطبع، منذ اللحظة التي دخلت فيها، كنت أعلم أن المشهد كله مجرد تمثيلية."
"....وبما أنك كنت تعلم، فكيف انتهى بك الأمر إلى هذا الوضع؟"
"آه، هذا."
أنزل ماتياس نظره إلى الأصفاد في يديه وابتسم بمرارة.
"لأنني لم آخذ في الحسبان أن الفخ لم يكن معدًا لكايل، بل كان..."
"معدًا لي."
حتى بعد مرور يوم كامل، ظل ماتياس يعيد المشهد في ذهنه مرارًا وتكرارًا. وكلما رتب تفاصيله، شعر بإحساس غريب يتسلل إلى كل جزء من جسده.
كان شعورًا مجهولًا، لا يستطيع أن يجد له وصفًا.
"لقد كان... كان الأمر وكأنه يقرأني ككتاب مفتوح."
"يقرأك ككتاب مفتوح؟"
"...نعم."
أومأ ماتياس برأسه قسرًا.
"منذ الزمن الذي سأستغرقه للوصول، إلى ثقته بأنني سأدرك أن كل هذا مجرد فخ، وحتى يقينه بأنني سأبقي كايل حيًا لاستجوابه لاحقًا. كل شيء سار بالطريقة التي أرادها."
ارتجفت شفتا ماتياس قليلًا، وتوقفت أفكاره عندما وقع بصره على يديه بعدما خفض رأسه.
آه، ماذا؟
يداي... إنهما ترتجفان.
لماذا؟ ماذا، كيف؟ كيف يمكن أن...؟
حبس أنفاسه، وأجبر الارتجاف على الهدوء وهو يسند ظهره إلى الجدار.
"لقد بدا الأمر وكأنه رأى كل شيء مسبقًا."
"رآه مسبقًا؟"
انعقد حاجبا إيفان عند الكلمات غير المتوقعة التي خرجت من فم ماتياس، بينما أومأ الأخير برأسه مكررًا الكلمة نفسها.
"رآه مسبقًا، نعم."
ثم تمتم بصوت خافت بالكاد يُسمع،
'... كأنه راءٍ.'
ظل عبير البخور يملأ الأجواء، متسللًا إلى كل ركن من أركان المصلى. وكان رجل يرتدي ثيابًا بيضاء راكعًا فوق وسادة حمراء صغيرة، ورأسه مطأطأ في صلاة صامتة أمام التمثال الشاهق الذي ينتصب أمامه.
'ليقد روحه إلى سبات هادئ.'
ترددت همهماته الرقيقة بهدوء في أنحاء المصلى، بينما اخترق الضوء النوافذ العالية، وألقى وهجًا خافتًا على جسده.
'... ولتستمر روحه في خدمتك بكل مجدك.'
استمرت تمتمات الكاردينال أمبروز في التردد داخل المصلى، بينما واصل البخور احتراقه. وظل راكعًا على تلك الهيئة لساعات طويلة، يردد الصلاة نفسها مرارًا وتكرارًا.
ورغم مظهره المسن، لم يرمش حتى بعينه. ولم يتوقف إلا عندما دوى رنين جرس صغير.
دونغ! دونغ-
رفع رأسه.
"فلترقد بسلام."
كانت تلك صلاته الأخيرة على البابا الراحل.
لقد انتهى وقت الحداد.
نهض الكاردينال بمساعدة نفسه، وانحنى مرة واحدة أمام التمثال، ثم اتجه إلى الغرفة الخلفية.
ومع صرير الباب الخشبي تحت يده، استقبلت ناظريه غرفة صغيرة خافتة الإضاءة.
ألقى الكاردينال نظرة في أرجاء الغرفة، ثم ثبت بصره على المكتب الخشبي.
كانت هناك ورقة صغيرة موضوعة فوقه، وإلى جوارها ظرف ممزق، وقد بدت حوافه مهترئة، وكأنه فُتح على عجل.
لقد كانت رسالة.
رسالة بالغة الأهمية وصلته منذ وقت ليس ببعيد.
كانت قصيرة، وجاء فيها؛
أكتب إليك لأخبرك ألا تتدخل، يا أمبروز.
لقد كان موتي بإرادتي.
كان كل ذلك من أجل ربنا.
"...إذًا، هذا هو اختيارك؟"
تأمل أمبروز محتوى الرسالة بعناية. ثم، وبعد تنهيدة خافتة، أمسك بها ووضعها فوق الشمعة، وأخذ يراقبها وهي تشتعل.
ومع تناثر رماد الورقة في الهواء، أغمض الكاردينال أمبروز عينيه.
"كما تشاء، يا صاحب القداسة."
كلانك-!
ومع انغلاق باب غرفة الاحتجاز، خرج إيفان، وقد بدا وجهه أكثر كآبة بكثير مما كان عليه عند دخوله. خرج دون أن ينطق بكلمة، بينما وقفت دليلة تراقب ملامحه في صمت.
كانت تدرس وجهه محاولة أن تستشف منه شيئًا. لكن، ولسوء الحظ، كان وجهه خاليًا من أي تعبير.
لم تستطع دليلة أن تقرأ شيئًا من ملامحه. فما الذي جرى داخل تلك الغرفة بالضبط؟ وعن ماذا تحدثا؟
ومع تضييق عينيها قليلًا، أسندت دليلة ظهرها إلى الجدار.
كان هذا الوضع بأكمله معقدًا، ومتداخلًا مع قوى خارجية عديدة. وإذا لم تتصرف بحذر، فقد تُزج الأكاديمية في الأمر أيضًا.
توك توك-
أخرجها صوت الطرق المفاجئ على الباب من أفكارها.
ومع التفات الجميع نحو الباب، دخل رجل الدين، وقد بدا وجهه أكثر جدية من المعتاد. وجال ببصره على الحاضرين، ثم قال،
"لقد انتهت الاستعدادات."
وفي الحال، غرقت الغرفة في صمت خانق. ودون أن ينتظر أحدًا ليتكلم، غادر رجل الدين الغرفة، وقاد الجميع إلى غرفة أخرى، حيث كان جوليان هناك.
كان جالسًا على كرسي خشبي، وعيناه مفتوحتين على اتساعهما، وقد وُضعت كمامة في فمه لمنعه من الكلام، بينما ظهرت دائرة سحرية أرجوانية باهتة تحت قدميه. وكانت تتوهج بضوء أبيض خافت، في حين خيمت طاقة لعنة كثيفة في الأرجاء.
تمركز رجل الدين إلى جوار جوليان، ووضع يده على كتفه.
"إن كان لدى أحدكم ما يريد سؤاله، فليفعل الآن. وإلا فسأبدأ."
"...."
قوبلت كلماته بصمت قصير.
ولما رأى ذلك، أومأ رجل الدين برأسه ورفع يده ليبدأ. وفي اللحظة التي بدأت فيها المانا تتدفق نحو أصابعه، قاطعه صوت.
"سأب-"
"انتظر."
تقدم إلى الأمام إيفان نفسه. وفجأة، خيم توتر خانق على الغرفة، بينما تجاهل إيفان نظرات الجميع، واقترب من جوليان المقيد، وحدق مباشرة في عينيه المحتقنتين بالدم.
"أنت."
قال بصوت منخفض.
"من تكون حقًا؟"
هل أعجبتكم الترجمة؟
إذا كانت لديكم أي ملاحظات يرجى كتابتها في التعليقات.