دويّ-
اهتزّ المكان من حولي مرة أخرى، واندفعت نحوي موجة من الهواء المضغوط، فجعلت شعري وملابسي ترفرف.
في العادة كنت سأتفاعل، لكن المشهد أمامي شلّني تمامًا.
«...ماذا يفعلان؟ لا، أفهم أنهما يتدربان، لكن منذ متى وهما يتدربان معًا؟»
ومن مراقبتي لهما ولحركاتهما، أدركت أن هذه لم تكن المرة الأولى التي يتدربان فيها معًا.
كان واضحًا أن بينهما تفاهمًا ضمنيًا أثناء القتال.
عندما كان كايليون يهاجم، كان كايوس يتراجع ويمتص أثر ضرباته كلها. وعندما يحين دور كايوس في الهجوم، كان كايليون يتراجع ويتلقى جميع هجماته.
وبينما كنت أحدق فيهما وأرى الدماء المتناثرة في أنحاء الأرض، أدركت شيئًا. «الآن بعد أن فكرت في الأمر... أليس كايليون أفضل درع بشري ممكن؟»
وعندما رأيت الدم على الأرض يعود إلى كايليون، فيمتصه كله إلى جسده ويعالج إصاباته، أدركت أن فكرتي لم تكن بعيدة عن الحقيقة.
كان فعلًا...
دويّ!
أعدت تركيزي إلى القتال، فرأيت كايليون يرتطم بأقرب جدار. التوى وجهه من الألم وهو يترنح على الأرض.
«هاه...! توقف! توقف...!»
رفع يده أمامه وتحدث بصوت أجش.
«أنا... هاه... لم أعد أتحمل. دعني أسترح قليلًا.»
على الجانب الآخر، توقف كايوس في مكانه وأخذ نفسًا عميقًا. بدا سليمًا نسبيًا باستثناء بعض الخدوش هنا وهناك. للوهلة الأولى، بدا أن كايوس سيطر على القتال كله، لكن عندما رأيت بركة العرق تحته، عرفت أنه كان يتظاهر بالتماسك فحسب.
لا بد أنه كان منهكًا للغاية.
«لا، حتى هذا يبدو أقل من الحقيقة.»
وبينما كنت شاردًا في أفكاري، لم أدرك أن كليهما انتبه إلى وجودي. ساد هدوء غريب في ساحة التدريب، وعندما رفعت رأسي، وجدت أربع عيون تحدق بي. «أوه.»
فركت وجهي محاولًا جاهدًا التفكير في شيء أقوله.
لكنني لم أكن بارعًا في ذلك، فاستمر الصمت المحرج.
إلى أن سمعت كايليون يئن مرة أخرى.
استند كايليون بصعوبة إلى الجدار، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة. «هذا مؤلم.»
كانت كلماته موجهة إلى كايوس الصامت، الذي ظل ينظر إليّ. كانت نظرته حادة للغاية، مما جعلني أشعر بالانزعاج والحرج معًا.
لحسن الحظ، لم يطل الأمر، إذ رفع يده وأشار إليّ.
«قاتلني.»
كلمتان فقط، لكن المعنى وراءهما كان واضحًا.
وعلى الجانب الآخر، نظر كايليون إلى كايوس بعدم تصديق.
«...هل أنت جاد؟ ألا... هاه... تشعر بالتعب؟»
لم يرد كايوس، واكتفى بالتحديق بي.
بادلته النظرات وضيقت عيني، ثم نقلت تركيزي إلى بركة العرق تحته. لم يكن يبدو في أفضل حالة تسمح له بالقتال.
«هل أنت متأكد؟»
«متأكد.»
لم يكن هناك أي تردد في عيني كايوس.
وبينما ظل تركيزه منصبًا عليّ بالكامل، أشار إلى صدغه.
«استخدم سحرك العاطفي عليّ. دعني أشعر به.»
«...آه.»
إذًا هذا هو الأمر...
لم يكن يريد قتالي حقًا. كان واضحًا أنه ليس في حالة تسمح له بذلك. ما أراده بالفعل هو اختبار سحري العاطفي أو تجربته.
«صحيح، بعد ما حدث له، كنت سأفعل الشيء نفسه.»
ما حدث لكايوس لم يكن سرًا. كان الجميع يعرفون حالته، لكن لم يحتقره أحد بسببها. ففي النهاية، سواء امتلك مشاعر أم لا، ظل وحشًا.
بل يمكن القول إنه أصبح الآن أكثر وحشية مما كان عليه من قبل.
وقد أظهرت نتيجته في تحليل التقدم الثالث ذلك بوضوح.
«...هل ستفعل...؟»
رفعت رأسي ونظرت مباشرة في عيني كايوس، ثم أومأت.
«ولمَ لا؟»
تقدمت واقتربت منه. كنت أشعر بالفضول أيضًا لمعرفة مدى خطورة «حالته». إن كان لا يستطيع الشعور بالعواطف، فهل يعني ذلك أنه محصّن ضد السحر
العاطفي؟
وإن كان الأمر كذلك، أفلا يعني ذلك أنه أقوى مني؟
«أريد حقًا أن أعرف إن كان السحر العاطفي قادرًا على التأثير في شخص لا يشعر
بأي شيء.»
توقفت أمامه مباشرة، وعقدت حاجبيّ وسألت: «أي مرحلة
تريدني أن أختبرها عليك؟»
«المرحلة الأولى.»
رفعت حاجبي.
«...هل أنت متأكد؟»
كانت المرحلة الأولى هي اللمس. أقوى مراحل السحر العاطفي الخمس وأكثرها شدة.
إن لم أكبح قوتي، كنت واثقًا من قدرتي على إحداث ضرر دائم في دماغ أي شخص. وقد
فعلت ذلك بالفعل في الماضي.
ولهذا شعرت ببعض القلق حيال طلبه.
«متأكد. استخدم قوتك كاملة.»
لكن عندما رأيت مدى إصراره، لم أستطع سوى التنهد في داخلي. نقلت نظري
نحو كايليون الصامت، ثم وضعت يدي على كتف كايوس.
«إن لاحظت أي شيء غير طبيعي، فادفعني بعيدًا عنه.»
«حسنًا.»
أومأ كايليون وهو يمسك بكتفه. شعرت ببعض الارتياح عندما رأيته
يومئ. بوجوده هنا، استطعت الشعور بقدر أكبر من الأمان تجاه ما سأفعله.
أخذت نفسًا عميقًا، وقبضت على كتف كايوس وتمتمت،
«الفرح.»
كيف يكون شعور الفرح؟
كان كايوس قد نسي هذا الشعور منذ زمن طويل. لا، لقد نسي منذ زمن طويل كيف يكون شعور أي عاطفة
على الإطلاق.
ولهذا أراد من جوليان اختبار سحره العاطفي عليه. أراد أن يرى إن كان يستطيع
الشعور بها مجددًا.
...أراد أن يعرف إن كان قادرًا على جعله يتذكرها من جديد.
أن يتذكر كيف يكون شعور الفرح.
«تحمّل.»
ما إن انخفض صوت جوليان حتى تهيأ كايوس، وشعر بشيء دافئ يحتضن عقله.
في البداية، شعر بدغدغة بدأت من صدره وصعدت إلى رأسه.
بدأ عقله يشعر بالخفة، وازدادت الألوان من حوله سطوعًا. تسارعت ضربات قلبه
وشعر بشفتيه ترتفعان في ابتسامة.
لكن...
كانت هذه كلها تغيرات جسدية.
في الحقيقة، ظل عاجزًا عن الشعور بأي شيء. ورغم أن الألوان أصبحت أكثر سطوعًا، فإن التغير كان طفيفًا. ظل كل شيء
باهتًا في نظره. تسارع قلبه، لكنه لم يشعر سوى بدغدغة.
أهذا كل ما في فرحه؟
...لم يشعر بشيء يُذكر.
«لا شيء؟»
عندما سمع صوت جوليان، رفع كايوس رأسه وهزّه نافيًا.
«لا.»
«حسنًا.»
أغمض جوليان عينيه وتمتم بشيء آخر، «المفاجأة.»
قفزت نبضات قلب كايوس فجأة بعدما بدأت تهدأ. انتصب الشعر عند مؤخرة
عنقه، واندفع الأدرينالين في جسده. كانت التغيرات أوضح من قبل،
لكنها توقفت عند ذلك الحد.
ظل... لا يشعر بأي شيء. «لا شيء مجددًا؟»
هز كايوس رأسه.
«حسنًا إذًا.» نظر جوليان مباشرة إلى كايوس. وعلى خلاف السابق، أصبح تعبيره شديد الجدية، و
شعر كايوس بجسده يتوتر قليلًا.
«استعد، لن أكبح قوتي.»
«افعلها.»
وعندها سمعها.
«الحزن.»
لم تكن سوى كلمة واحدة، لكن تأثيرها كان أقوى من أي شيء
اختبره منذ زمن طويل. بدأ ألم حاد في صدره، لم يكن جسديًا، لكنه كان خانقًا، وكأن يدًا خفية تقبض على قلبه بقوة.
بدأت خطوط دافئة تنساب على جانبي خديه، بينما أخذت شفتاه ترتجفان.
رمش بعينيه، وأدرك أن رؤيته أصبحت ضبابية من دون أن يشعر.
هل كان يبكي؟
أدرك كايوس ذلك فورًا، لكنه عرف أن هذا لم يكن كافيًا. لم يكن سوى رد فعل جسدي
للمؤثر العاطفي الذي صنعه جوليان. ومع ذلك، ظل عقله صافيًا.
كان يستطيع التحرك وكسر عنق جوليان مباشرة لو أراد.
بالطبع، بشرط ألا يتمكن جوليان من الرد في الوقت المناسب. وكان كايوس يعرف أن جوليان
سيتمكن من الرد.
لكن لم تكن هذه هي المسألة.
المسألة أن سحره العاطفي، رغم نجاحه في خلق استجابة جسدية، لم يؤثر في صفاء عقله
على الإطلاق. وهذا يعني أن السحر العاطفي لم يكن فعالًا ضده، لكنه في
الوقت نفسه كان يعني أيضًا أنه لا أمل في استعادة مشاعره.
«...هل سيظل الأمر هكذا؟»
شعر كايوس بوخزة خفيفة في صدره.
كانت ضعيفة، لكنها ملحوظة.
«هل لن أتمكن من الشعور بالعواطف مجددًا؟»
أغمض كايوس عينيه وأطلق زفيرًا طويلًا. كان تقبّل الأمر سهلًا عليه نسبيًا. فمع
عدم تعلقه بأي شيء، كان تقبّل أي نتيجة أمرًا سهلًا.
ورغم الدموع، بدا تعبيره أكثر هدوءًا
بينما أغمض عينيه.
وبينما استولى الظلام على رؤيته، وصل إلى أذنيه صوت جاف.
«ركز، لم أبدأ بعد.»
«ماذا...؟»
لم يبدأ بعد؟
انفتحت عينا كايوس بسرعة وهو يرفع رأسه. وبينما كان يتساءل عما يمكن أن
تعنيه تلك الكلمات، ضربه الإحساس فجأة.
إن كان قد شعر سابقًا وكأن يدًا تقبض على قلبه، فقد شعر هذه المرة وكأن تلك اليد
أحكمت قبضتها، وعصرت قلبه بقوة جعلته يبدو على وشك التحول إلى كتلة مهروسة.
شعر كايوس بأن أنفاسه غادرت جسده.
بدأت ساقاه تخونانه، وازدادت رؤيته ضبابية.
كان يستطيع تجاهل الألم من قبل، لكن هذه المرة...؟ لم يستطع إطلاقًا. كان من المستحيل عليه
تجاهله.
كيف له أن يتجاهله وهو مؤلم إلى هذا الحد؟
«هاه... هاه...»
من دون أن يدرك، أصبح تنفسه أشد اضطرابًا. لم يكن لديه خيار آخر. شعر كايوس بأنه
سيختنق إن لم يستنشق كل الهواء من حوله.
ومع كل نفس، شعر كايوس بأن رأسه يزداد خفة.
لقد بدأ يفرط في التنفس من دون أن يدرك.
«هاه... هاه... هاه...»
مسح كايوس عينيه ونظر أمامه. اتسعت عيناه عند رؤية المشهد الذي استقبله. فبدلًا
من جوليان، ظهر شخص مختلف تمامًا.
كان شخصًا يعرفه جيدًا، فتغير تعبيره.
«أ-أبي...؟»
كيف يمكن هذا؟ لا، أين كان؟
حاول كايوس التفكير بوضوح، لكن عقله رفض الاستجابة له. ازداد الضغط على صدره
أكثر، وبدأ جسده كله يرتجف.
«هاه...! ها! هاه!»
مد يديه المرتجفتين نحو والده.
كان يريد أن...
«توقف.»
شق صوت بارد الصمت، وفي تلك اللحظة شعر كايوس بأن كل شيء تجمد. بدأت
صورة والده تتلاشى وتختفي من أمامه، وحلّت صورة جوليان مكانها ببطء، بينما أمسكت يد بساعده. وعندما أدار كايوس رأسه، رأى كايليون واقفًا بجوار جوليان مباشرة.
كان تعبيره صارمًا، لكن كايوس استطاع في الوقت نفسه أن يرى شيئًا آخر في
عينيه.
هل كان خوفًا...؟ لكن لماذا؟
لماذا كان...؟ «لقد فعلت ما يكفي.»
تمتم كايليون مرة أخرى، ثم أبعد يده عن جوليان، الذي أومأ بصمت وأدار
رأسه لينظر إلى كايوس.
وعندما شعر كايوس بنظرة جوليان، لاحظ ارتفاعًا طفيفًا عند زاوية شفتيه.
وقبل أن يتمكن من استيعاب المشهد، فتح جوليان شفتيه. «ليس سيئًا،» تمتم، «يبدو أن هناك أملًا لك.»
هل أعجبتكم الترجمة؟
إذا كانت لديكم أي ملاحظات يرجى كتابتها في التعليقات.