«من...؟!»
التفت رأس إيفان إلى الخلف بسرعة، واندفعت المانا من جسده بينما توتر بالكامل استعدادًا للقتال. انتصب الشعر خلف عنقه، وانقبضت قبضته بقوة.
قبض شعور مجهول بالرعب على قلبه.
وعندما التفت إلى الخلف، تغير تعبيره حين لاحظ أنه لم يكن هناك أحد
يقف خلفه.
«...ماذا؟»
انعقد حاجباه بقوة.
«هل كنت أتخيل فحسب؟»
لا، كيف يمكن ذلك؟ كان إيفان مصابًا بجنون الارتياب، لكنه لم يكن واهمًا. كان يدرك أن شيئًا شريرًا يحدث.
كان يؤثر في عقله وتسلسل أفكاره.
وربما كان كل ما يحدث له نتيجة لذلك التأثير.
«نعم، هذا هو التفسير الوحيد.»
ضغط إيفان على أسنانه وأدار رأسه نحو مقدمة مكتبه، فاحتبس نفسه في صدره عندما لمح شخصًا أمامه. كانت كلارا، مساعدته، جالسة قبالته كما عرفها دائمًا. بشعرها الكستنائي ونظارتها ذات الإطار البيضاوي، كانت شخصية يعرفها جيدًا.
ارتجفت عيناه عند رؤيتها، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه.
«من أنت؟»
كانت نبرته ثابتة، وكان من الممكن الشعور بانخفاض حرارة الغرفة.
ابتلع إيفان ريقه بصمت وحدق في كلارا الجالسة أمامه. وبابتسامة بسيطة على وجهها، ضحكت بخفة.
«أنت تعرف بالفعل من أكون، لكن هذا ليس مهمًا.»
«ليس مهمًا...؟»
«نعم، ليس مهمًا.»
دفعت كلارا الشراب إلى الأمام.
«عليك أن تشرب.»
تجمد وجه إيفان للحظة، لكنه سرعان ما فهم كل شيء. اجتمعت قطع الأحجية في مكانها، وأدرك أخيرًا ما كان يحدث له.
«هاه، أهذا هدفك؟ أن تجعلني أشرب؟»
ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجه إيفان. اختفى الخوف والتردد السابقان من ملامحه بينما جلس على كرسيه. وفي الوقت نفسه، بدأ يستعد للإمساك بالشخص الجالس أمامه.
كان يستطيع معرفة أنها لم تكن موجودة جسديًا، لكنه ربما يتمكن من اكتشاف شيء إن أحسن التصرف.
ولهذا قرر مجاراتها في الحديث.
«أن أجعلك تشرب؟»
أسندت كلارا ظهرها إلى الكرسي، وعقدت ذراعيها وساقيها. كانت هيئتها وتصرفاتها مختلفة تمامًا عن كلارا التي عرفها إيفان. ورغم معرفته بأنها لم تعد حية، فقد ظل الأمر يربكه.
«هل يمكنك تغيير مظهرك؟»
«مظهري؟»
«نعم، أعرف أنك لست هي. إنها ميتة.»
«قتلتها أنت.»
انقبض فك إيفان، وضحكت كلارا. وضعت يدها على وجهها، فتغيرت ملامحها. ومع صوت «طقطقة» خافت، تشوه وجهها. طال أنفها، وازداد فكها حدة، وغلظ حاجباها. وفي غضون لحظات، شعر إيفان كأنه يحدق في انعكاسه.
لم يكن في مظهرها أي عيب، فتجهم وجهه.
«ما رأيك بهذا؟»
«عودي كما كنت.»
ضحكت كلارا، وعادت ملامحها إلى شكلها السابق.
عندها فقط استرخى إيفان قليلًا. لكن قلبه انقبض في الوقت نفسه. تردد لقب معين في ذهنه، وشعر بجفاف فمه: «الذي يمشي بيننا.»
«حسنًا، بعيدًا عن المظاهر. كنت أحاول فعلًا أن أجعلك تشرب.»
«...؟»
توقف إيفان لحظة ونظر إلى كلارا، ثم ارتفعت شفتاه.
«كما توقعت.»
وبما أنها كانت واضحة جدًا بشأن نواياها، فكيف له ألا يجد الموقف مضحكًا؟ ولأن إيفان عرف مقصدها، ازداد يقينه بقراره ألا يشرب. فاللحظة التي يشرب فيها هي اللحظة التي يخسر فيها.
ولم يكن ينوي الخسارة.
لم تتأثر كلارا بابتسامة إيفان، وانحنت إلى الأمام ورفعت غطاء الصندوق الخشبي لتكشف عن زجاجة النبيذ بداخله. وبحركة سلسة، نزعت سدادتها، فملأت رائحة فاكهية غنية الهواء. وكأنهما ظهرا في الوقت المناسب، برز كأسان زجاجيان من العدم.
وبحركة واحدة، ملأت الكأسين وأخذت أحدهما لنفسها. رفعت الكأس إلى شفتيها،
وسألت بلطف،
«لماذا تظن أن الناس يشربون؟»
«...لأنه يمنحهم شعورًا جيدًا.»
«شعورًا جيدًا؟»
ارتشفت من شرابها، وانتشرت ابتسامة خفيفة على ملامح كلارا.
«نعم، يمكن القول إن هذا أحد الأسباب. بعض الناس يشربون فعلًا من أجل
المتعة، لكن...»
وضعت الكأس، ونظرت كلارا مباشرة إلى إيفان.
بدت عيناها كأنهما تخترقان روح إيفان، فأرسلتا قشعريرة في
جسده.
«...معظم الناس يشربون لينسوا.»
ضاقت عينا إيفان، وانقبض قلبه قليلًا.
«نعم، هناك ذلك أيضًا.»
«هل كنت تشرب لتنسى؟»
«إلى أين تريدين الوصول بهذا؟»
ارتفع صوت إيفان من دون أن يشعر، واندفعت المانا المحيطة به إلى الخارج بقوة أكبر. وعند رؤية ذلك، رفعت كلارا يديها.
«اهدأ، لا داعي للغضب. لا أحاول استفزازك. أنا فقط أحاول التعرف إليك بشكل أفضل.»
«آه، هراء. أتظنين أنني لا أعرف أي حثالة أنت؟ مهما كنت تحاولين فعله، فأنا أعرف أنك تخططين لشيء سيئ. لن أنخدع بأي هراء
تدبرينه.»
«هاها، يؤسفني أنك تشعر هكذا.»
لم تبدُ كلارا منزعجة على الإطلاق من كلمات إيفان. بل كانت تستمتع بالمشهد. لأن...
من بين الكرات الست الملونة المخبأة داخل جسد إيفان، بدأت الكرة الحمراء فجأة
تكبر.
«كنت أتحدث بلا تفكير فحسب. إن كنت لا تريد الحديث عن ماضيك، فلا داعي لذلك. لا يهم على أي حال، صحيح؟ أنا متأكدة أنك كنت تشرب لتنسى كل الأمور المروعة التي لا بد أنك مررت بها. لكنك الآن في القمة، ولم تعد مقيدًا بالأشياء نفسها التي دفعتك إلى الشرب. أنت حر. وأصبحت الآن من يجعل الناس يمرون بما مررت به، أليس كذلك؟»
«ماذا؟»
ما هذا الهراء الذي كانت تقوله؟ هو يجعل الآخرين يمرون بما مر به؟
صحيح أنه كان حرًا، لكنه لم يجبر أحدًا قط على فعل ما لا يريده.
«أراهن أن الذين دفعوك لتصبح ما أنت عليه فكروا بالطريقة نفسها أيضًا. «أنا
لم أجبره قط على فعل شيء لا يريده. لقد فعل كل شيء بإرادته.»»
رفع إيفان رأسه، وارتجفت عيناه.
«ماذا قلتِ؟ كيف لك أن تعرفي ما أفكـ—»
«الأشياء التي «أجبرك» الآخرون على فعلها لم تكن في الحقيقة أمورًا أُجبرت عليها، أليس كذلك؟ لو
أردت، لكان بإمكانك الانسحاب، صحيح؟»
«لا، هذا... هاه...»
أصبح تنفس إيفان أثقل من دون أن يدرك.
«لم تشرب لأنك أردت نسيان ما كان الآخرون يجبرونك على فعله، بل
لأنك أردت نسيان حقيقة أنك كنت مستعدًا لقتل كل أولئك الأطفال و
العائلات من أجل أن تصبح ملكًا.»
«لا، هذا غير صحيح إطلاقًا. فعلت ذلك لأن شخصًا آخر كان سيفعله إن لم أفعله أنا. ولو كنت أنا، فسأتمكن على الأقل من تقليل الخسائر. والآن بعدما وصلت إلى القمة، لا يستطيع أحد إجباري
على فعل تلك الأشياء مجددًا. أنا حر. أستطيع فعل ما أريد.»
«حر؟»
ارتفعت أطراف ابتسامة كلارا أكثر.
ظهر على وجهها استمتاع واضح.
«ماذا؟ ما المضحك؟»
«لا شيء.» هزت كلارا رأسها وارتشفت من الشراب. وكبرت الكرة الحمراء داخل صدر إيفان
مرة أخرى، ودوّى صوته في أرجاء المكان.
«ما الأمر؟! ما المضحك؟!»
اهتزت النوافذ من شدة صوته وارتفاعه.
ضمت كلارا شفتيها، وأبعدت فمها عن الكأس وهزت رأسها.
«كنت أضحك لأنك تظن أنك حر.»
«مـ... ماذا؟ أنا حر. عم تتحدثين...؟»
«متى كانت آخر مرة حظيت فيها ببعض الوقت لنفسك؟»
«هـ-هذا...»
بدأ إيفان يتلعثم حين حاول التفكير في إجابة. لكنه أدرك بخيبة أمل
أن ذهنه كان فارغًا. حاول جاهدًا تذكّر آخر مرة حظي فيها ببعض
الوقت لنفسه، لكنه لم يجد جوابًا.
بعض الوقت لنفسه... متى كانت آخر مرة حظي فيها بوقت لنفسه؟
حاول إيفان التفكير، لكن كلما فكر أكثر، ازداد ذهنه فراغًا.
«إذًا لا تستطيع تذكّرها.»
رفع إيفان رأسه، ولاحظ أن ابتسامة كلارا اتسعت أكثر. حتى إنها
امتدت الآن إلى خديها. كانت مخيفة، وكادت تدفعه إلى مهاجمتها في
مكانها.
لكن ما إن دخلت تلك الأفكار إلى عقله حتى اختفت بالسرعة نفسها.
كان الأمر كما لو أن...
عواطفه كانت تُضبط بعناية، بحيث كلما بلغ غضبه وخوفه ذروتهما، خُفِّفا بما يكفي لمنعه من الاندفاع نحوها.
أدرك إيفان ذلك، ومع ذلك لم يستطع فعل شيء.
هو...
«تقول إنك حر، لكن هل أنت حر حقًا؟ أنت تعمل طوال اليوم، ولا تملك تقريبًا أي وقت
لنفسك. لا زوجة لديك. ولا أطفال. حياتك فارغة. لا، ليست فارغة تمامًا.»
خفضت كلارا رأسها ونظرت إلى يديه.
تبع إيفان نظرتها، ونظر إلى الأسفل أيضًا، فتغير تعبيره بشدة.
«مـ-ماذا...؟»
عندما حدق في يديه، لم يرَ سوى بقعة دم لا تنتهي. بقعة شعر أنه لا يستطيع غسلها، ومن داخل الدم استطاع رؤية وجوه. كانت جميعها مألوفة له. من الأطفال
إلى النساء، وحتى المجرمين الذين قتلهم.
كانوا جميعًا يمدون أيديهم نحوه، ويتوسلون إليه أن يرحمهم.
«ساعدني!»
«لـ-لماذا تفعل هذا بنا؟»
«أيها الوحش...!»
تسارع تنفس إيفان بشدة.
وفي الوقت نفسه، ظل صوت كلارا يتردد في أذنه كهمسة ناعمة.
«ربما لم تعد تقتل بنفسك، لكن الدم الذي يريقه مرؤوسوك يقع على عاتقك.
وما جعلتهم يفعلونه هو ما جعلك رؤساؤك السابقون تفعله. سعيت إلى الحرية، لكن
كل ما فعلته هو الوصول إلى قمة القفص الذي كنت تحاول تسلقه. بل إنك
أكثر سجنًا من أي وقت مضى.»
«لا، هذا ليس...»
«غير صحيح؟»
شعر إيفان بوخز في أذنيه عندما سمع ضحكة خافتة.
«أتظن أنه غير صحيح؟ انظر حولك.»
رفع إيفان رأسه بتيبس، وشعر بانقباض رئتيه. لم يرَ سوى مكتبه. لم تكن هناك
أي تغييرات في المكان، لكنه فجأة بدا أضيق من أي وقت مضى.
«كم مرة تغادر هذه الغرفة؟ كم رأيت من العالم الخارجي غير
هذه الغرفة خلال السنوات القليلة الماضية؟ هذا المكان...»
وفي طرفة عين، ظهرت كلارا أمامه مباشرة، تحمل كأسًا في يدها.
«...هو قفصك.»
هز إيفان رأسه، راغبًا في إنكار كلامها، لكن حين نظر حوله، بدت الجدران
فجأة كأنها تضيق من حوله. كان إيفان يعرف أنه وهم، لكن في
الوقت نفسه، بدا كل شيء حقيقيًا للغاية.
من ضربات قلبه المتسارعة إلى الصوت الناعم الذي يدغدغ أذنيه.
بدا كل شيء... حيًا للغاية.
«حياة كهذه، كنت سأرغب في نسيانها. إذًا... لماذا تمنع نفسك؟»
مدت كلارا يدها إلى الأمام، وامتدت ابتسامتها إلى خديها، فبدت مخيفة للغاية.
«اشرب.»
دع نفسك تنسى.
هل أعجبتكم الترجمة؟
إذا كانت لديكم أي ملاحظات يرجى كتابتها في التعليقات.