همس لحن الكمان الرقيق في الغرفة التي خيّم عليها الصمت.
تناثر الزيت في الهواء بينما أصدرت المقلاة أزيزًا.
وبكميه المطويين، قلّب هولو المقلاة.
«أوه، يا للهفوة~»
ترك هولو المقلاة، وأمسك بالمنشفة القريبة ومسح ياقته التي لطخها الزيت. ورغم ارتدائه مئزرًا، فقد تناثر بعض الزيت على ملابسه.
«آه، وقد كنت أحب هذه القطعة حقًا.»
تنهد هولو برفق، وابتعد عن المقلاة واتجه إلى الحوض.
كان على وشك فتح الصنبور حين اهتز جيبه.
زز ززز-
ارتعشت عين هولو قليلًا، لكنه كبح انزعاجه وأخرج جهاز الاتصال.
وبصوت «طقطقة» خافت، وضعه على أذنه واستمع إلى الرسالة المرسلة.
لم يتغير تعبيره كثيرًا عند سماع الرسالة. ولم تكن الرسالة طويلة أيضًا. وبعد بضع ثوانٍ، أبعد جهاز الاتصال عن أذنه وهز رأسه.
«يا للخسارة.»
أزيز-
وبينما ظلت المقلاة تصدر أزيزًا في الخلفية، اتجه هولو إلى غرفة المعيشة وجلس على الأريكة الحمراء ذات المقعد الواحد.
وصاحب الأزيز الخافت في الخلفية صوت الكمان الناعم والعذب. وكان اللحن من إحدى مجموعات هولو المفضلة.
كان الاستماع إليه يساعده على الاسترخاء.
أغمض هولو عينيه واستسلم للظلام.
استرخى عقله، ثم سرعان ما فتح عينيه. عندها تغير المشهد أمامه.
لم يعد جالسًا على الأريكة في شقته.
ظهر أمامه مكتب كبير، يتسلل الضوء من خلفه. كان شخص يجلس إلى المكتب ورأسه منحنٍ فوقه، فيما انتشرت رائحة الكحول النفاذة في الهواء. تناثرت عدة زجاجات فوق المكتب، وكان شعر الرجل الأشقر أشعث. وخلفه، راح عدة أشخاص يربتون على جسده محاولين إيقاظه. لكن مهما فعلوا، لم يتحرك الرجل. كان غائبًا تمامًا عن الوعي.
«سيدي...! سيدي، أرجوك استيقظ!»
«سيدي!»
«لماذا توجد كل هذه الزجاجات هنا؟»
«أوه، لا. ماذا نفعل؟»
جلس هولو على الأريكة يراقب ما يجري دون أن يظهر الكثير من المشاعر. ورغم وجوده، لم يبدُ أن أحدًا لاحظه.
راقب الأحداث بوجه خالٍ من التعبير. ولم يلقِ على الموجودين في الغرفة ولو نظرة واحدة، بل حدق في إيفان فحسب. وداخل جسده، ظهرت ست كرات. كانت لكل واحدة منها لونها المميز، وكل منها ينبض بخفوت.
عندها ارتفعت شفتا هولو، وأمال رأسه إلى الخلف.
«هاه.»
أخذ نفسًا عميقًا، فخرجت خيوط ملونة خافتة من الكرات إلى الهواء، قبل أن تتدفق إلى فمه.
تقلصت الكرات بسرعة، واعتلت وجه هولو نشوة عارمة.
ومع استمرار تقلص الكرات، بدأ جسد إيفان يرتجف. وكان ذلك كافيًا لإثارة ذعر المحيطين به، فسارعوا إلى محاولة مساعدته، لكن الارتجاف ازداد سوءًا مع مرور الوقت.
«مهلًا! هناك شيء يحدث!»
«سيدي...؟!»
«جسده يرتجف!»
«أسرعوا وأحضروا المساعدة!»
«آخ...!»
سال اللعاب من فم إيفان بينما انقلبت عيناه إلى البياض. بدأ جميع من في الغرفة يشعرون بالذعر، باستثناء هولو الذي أحاطت به ستة ألوان مختلفة، تدخل جميعها عبر فمه بينما ازداد تعبيره نشوة.
«أحدكم...!»
ورغم كل محاولات الجميع لتهدئة إيفان، لم يكن بوسعهم فعل شيء. لم يستطيعوا سوى مشاهدة جسده يرتجف بلا توقف.
وفي النهاية، استقر جسده.
لكن الضرر كان قد وقع بالفعل.
«أين المساعدة؟!»
«لقد هدأ! أمسكوه جيدًا، بسرعة!»
مسح هولو زاوية فمه، ونظر إلى إيفان الذي أصبح جسده رماديًا بالكامل، ثم أطلق زفيرًا عكرًا.
حدق هولو في المشهد الذي يجري أمامه، وابتسم قبل أن يغمض عينيه.
ومع استيلاء الظلام على محيطه مرة أخرى، تلاشت ضوضاء الخلفية. وحل محلها صوت أكثر هدوءًا وسكينة.
أزيز~
ومع أزيز المقلاة، فتح هولو عينيه ورأى أنه عاد إلى
شقته.
كان الكمان يعزف برفق في الخلفية، فنهض.
«آه، كان ذلك لذيذًا.»
اتجه إلى المطبخ، واقترب من المقلاة وحدق في شريحة اللحم التي تنضج بداخلها. وبملعقة مسطحة في يده، قلب شريحة اللحم.
أزيز!
تناثر الزيت على وجهه، لكنه لم يتأثر بينما بدأ جلده يذوب، كاشفًا الوجه المختبئ تحته. كانت ملامح ناعمة، تعود لفتاة رقيقة ذات عينين صافيتين و
شعر كستنائي.
لكن هل كان ذلك حقًا وجهه الحقيقي؟
مسح جانب خده، فعاد وجه هولو إلى طبيعته بينما بدأ يدندن بهدوء. وفجأة، خطرت في ذهنه عبارة سبق أن قالها في الماضي، فارتسمت على
شفتيه ابتسامة خفيفة.
كان قد قالها على سبيل المزاح، لكن من كان ليظن أنها ستصبح الشيء نفسه الذي صنع لقبه؟
ومع ذلك، لم يكن يكرهه.
«أنت تعرف أنني موجود.»
«لكنك لا تعرف أين أكون.»
«أنا في كل مكان ولا مكان في الوقت نفسه.»
«أنا الهمسة في الصمت، والهيئة التي لا تستطيع تحديد مكانها.»
«أنا الذي يمشي بيننا.»
طَق طَق-
توقف هولو فجأة، ونظر في اتجاه الباب ومسح يديه
بالمنشفة القريبة.
أنزل كميه ووضع المئزر جانبًا، ثم سار هولو نحو الباب و
فتحه.
«آه، لقد وصلت.»
ابتسم على اتساعه.
«...شكرًا لانضمامك إليّ على الغداء، جوليان.»
«تقولون إنكم لم تتمكنوا من العثور على أي شيء رغم كل الوقت الذي
كان لديكم؟»
في فصل دراسي صغير، حدقت فتاة ذات شعر أسود طويل وشامة على شكل دمعة بجانب خدها
في جهاز الاتصال أمامها، وقد أظلم العبوس ملامحها. كان تعبير إليزابيث قاتمًا بما يكفي لدفع أي شخص حولها إلى الابتعاد.
ولحسن الحظ، كانت وحدها في الفصل. كما أنها لم تكن قلقة كثيرًا
من اكتشاف أمرها، لأنها أقامت حاجزًا صوتيًا من حولها.
-نعم، لم نسمع من قبل عن امرأة كهذه. تحققنا من صورتها، لكنها
لا تعمل في الأكاديمية.
«وهل حاولتم التحقق من طاقم المقابلة الذي حضر؟»
-نعم، ولا يبدو أنها تنتمي إليهم أيضًا.
«...يا للغرابة.»
ازداد تعبير إليزابيث قتامة.
لم تستطع نسيان تلك العينين الباردتين اللتين نظرتا إليها من علٍ، وجعلتا جسدها كله يرتجف.
وحتى الآن، كانت تجد صعوبة في النوم لمجرد التفكير في هاتين العينين.
بدتا كأنهما تطاردانها أينما ذهبت، وتراقبانها من جميع الجهات.
أرسل ذلك قشعريرة في ظهر إليزابيث، وجعلها شديدة الارتياب.
«إن لم تكن من الطاقم ولا من الأكاديمية، فمن تكون؟»
كانت هذه المرأة عاملًا غير متوقع.
وخصوصًا أنها كانت مقربة من جوليان، أو كما يسميه البعض، وريث
الفجر. أرادت إليزابيث الاقتراب منه لترى إن كانت الشائعات صحيحة حقًا.
لا، كانت صحيحة على الأرجح، لكنها احتاجت فقط إلى التأكد.
كان حاليًا أحد أكبر الأهداف داخل المنظمة. ومن يتمكن من
هزيمته سيحل محله بوصفه الوريث التالي، لكن إليزابيث كانت تعلم أن الأمر لن يكون بهذه السهولة.
كان عليها الاقتراب بحذر، وكانت المرأة ذات الرداء الأسود تمنعها من ذلك.
«مهلًا، ماذا لو...؟»
عندها خطرت لإليزابيث فكرة مفاجئة.
«إن فكرت في الأمر بهذه الطريقة، فكل شيء يصبح منطقيًا!»
صحيح...
لا عجب أن المرأة ذات الرداء الأسود لم تكن من الأكاديمية ولا من طاقم المقابلة، ومع ذلك بدت
قوية إلى هذا الحد.
كانت...
الحارسة الشخصية لجوليان.
تلك التي منحها له الفجر.
«هاه، لا عجب أنها نظرت إليّ بكل ذلك العداء عندما اقتربت من الوريث.»
كان السبب أنها حارسته الشخصية.
وإلا فلماذا تنظر إليها امرأة بهذه القوة بتلك النظرة القمعية والخطيرة
؟ لم يكن ذلك سوى تحذير منها.
«إذًا هكذا هو الأمر.»
هزت إليزابيث رأسها ووضعت جهاز الاتصال جانبًا.
«...يبدو أن الاقتراب من الوريث قد يكون أصعب قليلًا مما ظننت.»
ومع ذلك، ابتسمت إليزابيث.
فقد كانت تحب التحدي كثيرًا.
«يسرني أنك استطعت الحضور. لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة تحدثنا فيها مع
بعضنا.»
دخلت شقة هولو، ونظرت إلى المائدة المرتبة بعناية، فلم أستطع سوى الإعجاب بها. بدا الطعام رائعًا، وانتشرت في الهواء رائحة طيبة. وكدت أشعر بمعدتي تقرقر من الرائحة.
تمكنت من الحفاظ على هدوئي، وأخذت إحدى المقبلات وتذوقتها.
«هذا جنوني.»
لم تكن هناك كلمات كثيرة يمكنني استخدامها لوصف مذاق المقبلات. فقد كان يفوق
ما توقعته.
«إذًا؟ كيف وجدته؟»
«...لم أكن أعرف أنك طاهٍ بارع إلى هذا الحد.»
«هاها، إنها مجرد هواية صغيرة لدي. هي والموسيقى.»
«أوه؟»
وبالفعل، كان هناك لحن خافت يعزف في الخلفية. لم ألاحظه في البداية، لكنه كان
موجودًا. وكان لحنًا مريحًا للغاية.
«هل يعجبك؟»
«...نعم، ليس سيئًا.»
لم أكن مهتمًا بالموسيقى حقًا، لكن هذا اللحن بدا ملائمًا للمناسبة بشكل غريب.
ورغم أنني لم أكن أعرف بعد سبب دعوة هولو لي إلى وجبة، فإنني لم أفكر كثيرًا في الأمر. كان الأستاذ هولو شخصًا أنسجم معه جيدًا. وفوق ذلك، كنت متأكدًا أيضًا من أن لديه أمرًا مهمًا يريد التحدث عنه، نظرًا لمدى جدية نبرته حين
طلب مني مقابلته.
«اجلس، اجلس. هناك بعض الأمور التي أريد التحدث معك بشأنها.»
أشار إلى الأريكة القريبة، ففعلت ما طلبه وجلست.
وعندما جلست، ناولني كوبًا من الماء، فأخذته.
«هاها.»
فجأة، عندما سمعت ضحكة هولو، أملت رأسي ونظرت إليه. ما الذي كان
مضحكًا؟ لماذا كان يضحك؟
«آه، آسف. تذكرت شيئًا مضحكًا فحسب.»
لوّح هولو بيده ووضع الكوب. وبابتسامة بسيطة على وجهه، نظر
إليّ.
«لا أعرف السبب حقًا، لكنك تذكرني بشخص أعرفه. شخص
عرفته منذ وقت طويل جدًا. من مزاحك إلى تصرفاتك.»
ضحك هولو مرة أخرى، وأصبحت نبرته أكثر جفافًا.
«...أنت تذكرني به فعلًا.»
هل أعجبتكم الترجمة؟
إذا كانت لديكم أي ملاحظات يرجى كتابتها في التعليقات.