الفصل 3089: عملاقان
لقد تم تحرير ‘العملاق’ اليشمي من مخالب الظلام السحيق، ولكن بدلاً من أن ينهار مثل قشرة فارغة، ظل سليماً – باستثناء الضرر الذي لحق بدرعه في الانفجار.
بدأت الشقوق في الدرع المرعب بالانغلاق، بفضل نفس سحر [الحجر الحي] الذي تمتلكه عباءة اليشم الخاصة ب صني. خفت التوهج المشع الذي يغمر الدرع الحجري تدريجيًا مع برودته بفعل تيارات الظلام المتدفقة.
ازدادت سطوة إرادة ‘العملاق’ العظيم الهائلة طغيانًا، وازدادت خبثًا. غمرت المدينة، فجعلت النيران التي تضيئها ترتجف وتخفت. وفي مكان بعيد، انبثقت خصلة ظلام هائلة ثانية من الوادي السحيق. وفي مكان ما خلفها، كانت القديسة وجيشها يخوضون معركة ضارية ضد عدو يفوقهم عددًا وعدة.
ضغط صني على أسنانه.
لم يكن الوضع يبدو جيداً.
‘العملاق’ اليشمي، وجيش القديسين الحجريين الساقطين، ورعب الهاوية الغامض… أيٌّ من هذه القوى كان مرعباً بما يكفي ليشكل تهديداً وجودياً، ولكن ماذا لو اجتمعت جميعها معاً؟ لم يكن من الممكن التنبؤ بكيفية انتهاء المعركة.
في الوقت الحالي، كل ما كان بوسع صني ونيفيس فعله هو القتال.
تردد صوتها الهادئ في ذهنه، وبدا أكثر كآبة من المعتاد.
[ صني… سأذهب للأمام.]
كان قصدها واضحًا. كانت نيفيس ستواجه مخلوق الظلام وتحاول تدميره، أو على الأقل إيقافه. هذا يعني أن على صني التعامل مع ‘العملاق’ اليشمي.
[بالتوفيق]
مرّت أمامه شخصية متألقة، تتحرك بسرعة البرق نحو حافة المدينة الرائعة. فردّ صني جناحيه المحترقين على اتساعهما، محلقًا في الهواء وهو يلقي نظرة قاتمة على ‘العملاق’ البغيض في الأسفل.
كان ‘العملاق’ اليشمي ينهض بالفعل من ركبتيه، والظلام القاتم المختبئ في قناع خوذته يغلي بإرادة خبيثة.
‘كيف ماذا بحقك أستطيع قتل هذا الشيء؟’
عبس صني قليلاً وهو يقيّم الوضع.
كان ‘العملاق’ الحجري المدرع مرعبًا، ينضح بهالة من الرعب والقمع تكاد تكون ملموسة. مع ذلك، لم يكن هو ‘العملاق’ العظيم الذي كان على صني تدميره، بل كان مجرد وعاء يمثل ملتقى روح ذلك الكائن الجبار.
تجسيد ‘العملاق’.
كان ‘العملاق’ اليشمي نفسه متجسدًا في جميع القديسين الحجريين الساقطين في المدينة. لذا، لهزيمته… كان على صني أن يقضي على كل قديس ملوث، بمن فيهم ‘العملاق’ البغيض.
لحسن الحظ، كان صني نفسه أكثر بكثير مما يبدو عليه للوهلة الأولى. كان فيلق الظل امتدادًا لروحه، وكذلك كانت ظلاله – في الواقع، كانت القوات التي كان يسيطر عليها أشد فتكًا مرات عديدة من القديسين الحجريين الساقطين الذين كان يقودهم ‘العملاق’ اليشمي.
كان الأمر ببساطة أن صني كان يخوض عشرات المعارك في أماكن أخرى في الوقت نفسه، لذا لم يتمكن من إطلاق العنان لقوة فيلق الظل الكاملة في العالم السفلي. كان عليه أن ينتصر في هذه المعركة بما لديه من موارد.
الخبر السار هو أنه مع كل قديس حجري ملوث يدمره، سيموت جزء من ‘العملاق’ اليشمي، مما يُضعف هذا الكائن البغيض، بينما في الوقت نفسه، ستزداد قوات صني قوة. أما الخبر السيئ فهو أن القديسة وجيشها يخوضون معركة خاسرة ضد آلاف من مخلوقات الكابوس القوية المتحصنة في تحصينات دفاعية هائلة.
لذلك، كان من الصعب التنبؤ بالجانب الذي سيخرج منتصراً بالفعل.
لم يكن أمام صني سوى الاعتماد على القديسة، لعلمه أنها لم تخذله قط. أما مهمته، فكانت مواجهة ‘العملاق’ المرعب – جوهر قوة ‘العملاق’ العظيم – ومنعه من الوصول إلى ساحة المعركة. أما نيفيس، فكان عليها أن تتصدى للرعب الهاوي. لكل منهم دورٌ يؤديه، وإذا فشل أحدهم، فسيسقط الباقون كقطع الدومينو.
هذا في حال لم يتغير الوضع، بالطبع. أما إذا حدث خطأ ما، فحتى لو أدّى الثلاثة أداءً مثالياً، فسيظل مصيرهم الفشل.
“لنقتل عملاقًا إذن…”
لمعت عيناه المشرقتان ببريق خافت خلف قناع خوذته.
‘عملاق’ عظيم؟ مواجهة مخلوق كهذا كانت مهمة مميتة، بلا شك. لكن صني كان يتوق بشدة إلى ضمّ ظل ‘العملاق’ اليشمي إلى فيلق الظل – لن يؤدي ذلك إلى زيادة قوته الإجمالية فحسب، بل سيُمكّن الثعبان أيضًا من اتخاذ الشكل نفسه. حاليًا، لم يكن هناك أي ظلّ من بين الأطياف التي حكمها صني يمكن للثعبان استخدامه لإطلاق كامل إمكاناته.
في الأسفل، استقرّ ‘العملاق’ اليشم أخيرًا ونظر إلى صني، بينما كان الظلام المحيط به يتحرك ليبتلع كل ضوء. ضمّ صني شفتيه. لقد كبّلت طبيعة العدو قواه، وجعلت فكرة قتاله تبدو انتحارًا. لكن مع ذلك، كان لدى صني حلٌّ لتلك المشكلة تحديدًا.
طوى جناحيه، وانحدر نحو أرضية المدرج العظيم المتصدعة. وبينما كان صني يسقط، تحوّل إلى ظل، ثم أطلقه من قيود جسده البشري الضيقة. انكشفت له حقيقة وجوده المظلم – الشاسع والغامض، العميق كالبحر – ثم تجسّد في هيئة شامخة.
وبعد لحظات قليلة، هبط عملاق ثانٍ على الصخور المحطمة، مما جعل الصواعد الهائلة بأكملها تهتز. كان بنفس طول ‘العملاق’ اليشمي، وكان يرتدي درعًا أسودًا مرعبًا يشبهه تمامًا.
تقابل ‘عملاقان’ من اليشم، يشبهان توأمين. الفرق الوحيد بينهما هو أن ظلامًا دامسًا يختبئ خلف قناع أحدهما. أما خلف قناع الآخر، فكان يشتعل ألسنة لهب بيضاء عاتية، تضيء الساحة القديمة المحيطة بهما.
تشكّل سيف أوداتشي ضخم في يد صني، وتألق نصله في الظلام. وكأنما ردّ، انبعث ظلام بارد من تحت درع ‘العملاق’ اليشمي، متجمعاً في سيف عظيم مُرعب.
رفع صني سيفه الأوداتشي وضرب به كتفه الأيمن مرتين.
وبدلاً من أن يردّ ‘العملاق’ اليشم على هذه اللفتة، تحرك للأمام كجبل يمشي.
الترجمة: كوكبة