ظلت إيفي مستلقية بلا حراك، ومدّت حواسها إلى داخل جسدها لتتفقده.
كان الحبل الغامض يقيد يديها بإحكام، وشعرت أنها لن تتمكن من تمزيقه حتى لو استعادت قوتها. لكنه لم يكن مسحورًا لاستنزافها، لذلك بدأ جوهرها يعود إليها شيئًا فشيئًا.
كانت لا تزال تعاني عجزًا في الجوهر وأعراض استنفاده، لكن ذلك سيتغير قريبًا. وعندها ستتمكن من استخدام قدرتها من جديد. والأهم بكثير أن جسدها، حتى قبل ذلك، سيمتلئ بالجوهر مرة أخرى، فيصبح أقوى وأكثر قدرة على التحمل.
وهذا يعني أنها ستتمكن من مقاومة الطاعون بصورة أفضل. ويعني أيضًا أنها ستتعافى أسرع من الجروح الداخلية والخارجية التي ألحقها بها أزاراكس.
كان هدف إيفي أن تصبح قادرة على الوقوف بحلول عودة الحشد الفولاذي من هجومه على القلعة الحجرية. وعندها، حتى لو ماتت، فلن تضطر على الأقل إلى الموت على ركبتيها.
لكن شيئًا بهذه البساطة بدا الآن تحديًا يستحيل التغلب عليه.
تنهدت وركزت على توجيه جوهرها.
مرّ الوقت مشبعًا بالألم والترقب.
بعد فترة، وبينما كانت غارقة في ضباب نصف الوعي، سمعت إيفي صرخات وعويلًا مخيفًا يرتفع كموجة من مكان ما في المعسكر. تساءلت عما يحدث، لكنها لم تستطع أن تدفع نفسها للاهتمام.
وبعد مدة، خُيل إليها أنها سمعت صدى زئير بعيد يصم الآذان يخترق جدران الخيمة. كما سمعت أصوات انفجارات قوية، وشمت أثرًا خفيفًا للدخان.
كان طعم الهواء كالرماد.
ولم تعرف مصدر تلك الرائحة أيضًا.
ثم شعرت فجأة ببرد قارس.
حتى ذلك الحين، لم يكن لديها ما يكفي من الجوهر لاستدعاء حتى ذكرى واحدة. كان جسدها يشرب جوهرها بنهم، ويمتص منه المزيد والمزيد، لكنه ظل بعيدًا عن الامتلاء. أما الجانب الإيجابي، فهو أن جروحها كانت تلتئم أسرع نتيجة لذلك.
ركزت إيفي على التحكم في تدفق جوهرها، ووجهته عبر القنوات المشوهة التي تمتد في جسدها نحو المناطق التي أرادت إصلاحها أولًا. وفي الوقت نفسه، كانت عروق الجوهر نفسها تلتئم وتستقيم أيضًا.
«قليلًا بعد... قليلًا فقط...»
كانت لا تزال تتعافى حين ابتلع شفق الغروب الخافت العالم، ودخل أزاراكس الخيمة تفوح منه رائحة الدم والرماد.
وحين دخل، لمحت إيفي الجنود المنهكين والمصدومين. كما سمعت شيئًا من أحاديثهم.
واضطرت إلى كتم ضحكة.
«إذًا لهذا السبب...»
كان كاي قد أدرك بالفعل أهمية هجوم اليوم. وتحت قيادته، أذاق المدافعون عن القلعة الحجرية، نايت ووكر ومورغان وسيشان والباقون، الحشد الفولاذي الجحيم.
والأفضل من ذلك أن جيت لم تفوّت فرصة التحرك. فعلى الأرجح كانت تراقب الوضع بمساعدة صداها الغراب... لكن هذه المرة، لم تختر مهاجمة قافلة إمداد.
ولم تكن في مكان بعيد ترهب الإمبراطورية الفولاذية أيضًا.
بل تسللت إلى معسكر الحشد الفولاذي فور اشتباك أزاراكس ومحاربيه مع المدافعين عن القلعة داخل المدينة، وهاجمت مخازن الإمدادات مباشرة، مدمرة ما تبقى فيها من مؤن قليلة.
وهكذا، فشل الحشد الفولاذي في الاستيلاء على القلعة الحجرية، وأصبح بلا طعام، وفوق ذلك كان يعاني طاعونًا ينتشر بسرعة.
كان تعبير أزاراكس قبيحًا.
حدق في إيفي بنظرة مرعبة، ثم مد يده وجذبها بعنف لتقف على قدميها.
وعندها رأته في عينيه، مختبئًا خلف الغضب القاتل.
أزاراكس العظيم، طاعون الفولاذ، ملك الملوك... كان مضطربًا للمرة الأولى منذ أن قابلته.
حدق فيها بغضب، وهزها بعنف ثم فحّ:
«أكانت هذه خطتك منذ البداية؟!»
وعاجزة بين قبضته الحديدية، لم تستطع إيفي سوى الابتسام.
«كانت خطة جيدة، أليس كذلك؟»
للحظة، ظهر الذهول في عينيه.
ثم رد بالطريقة الوحيدة التي يعرفها، فصفعها بقوة وحشية.
رأت إيفي نجومًا، وطنّ عقلها من شدة الدوار. لكن أزاراكس كان أكثر ذهولًا منها.
فبينما كانت تترنح من الضربة، كان هو يحدق في يده بصدمة.
يده التي ضربها بها بتلك القسوة كانت ترتجف.
وكان دم أسود يتسرب من تحت أظافره.
رفع أزاراكس نظره ببطء، وحدق في إيفي ثم فحّ:
«ماذا فعلتِ؟ ماذا فعلتِ أيتها الساحرة؟!»
شعرت إيفي بأن بعض أسنانها قد تخلخلت، وأن شظاياها الحادة جرحت لسانها.
ومع ذلك، حاولت أن تمنحه أروع ابتسامة استطاعت رسمها.
وكان جوابها بسيطًا.
«قتلتك.»
بدا أزاراكس مذهولًا تمامًا للحظة. ثم انهار شيء ما في عينيه، وبدا أن الغضب قد التهمه بالكامل.
أنزل يده المرتجفة، وسحب خنجرًا طويلًا من حزامه، وغرسه في بطن إيفي بحركة سريعة واحدة. ومع تدفق الدم الداكن فوق يده، انحنت على نفسها وقد أعماها الألم.
خرج أنين غريب من بين شفتيها، ثم أخذ يعلو تدريجيًا.
بدا في البداية وكأنها تتأوه، لكن حين رفعت إيفي رأسها مجددًا، اتضح أنها كانت تضحك.
كانت تضحك بصوت عالٍ، وجسدها الضعيف المشوه كله يرتجف من الضحك. وبدا أن سماع ضحكتها أصاب أزاراكس بالذهول من جديد. تجمد للحظة، ثم زمجر وطعنها مرة، ثم مرة أخرى، ثم مرة أخرى...
وظل يطعنها حتى خفت صوت ضحكتها.
وأخيرًا ألقى الكاهنة على الأرض، ثم استدار وخرج من الخيمة مترنحًا.
وفي الخارج، أمامه...
كان محاربوه يعودون إلى المعسكر ويسقطون على الأرض ليستريحوا بعد هجوم شاق ومرير. كانوا يبدون متعبين، وضعفاء، وجائعين، ومرضى...
مهزومين.
شحب وجه أزاراكس.
أما خلفه، في تلك الأثناء...
فتحرّكت يدا الكاهنة المقيدتان، وارتفعتا ببطء لتلتفا حول مقبض الخنجر الذي ظل بارزًا من صدرها.
سحبته من جسدها ببطء، ثم أدارت نصله ووضعت حافته الحادة على الحبل الجلدي الذي يقيد معصميها.
هل أعجبتكم الترجمة؟
إذا كانت لديكم أي ملاحظات يرجى كتابتها في التعليقات.