في قلب المعسكر الشاسع، انتصبت خيمة عظيمة تحيط بها ساحة خالية. وطوّقتها أكوام شاهقة من جماجم بشرية كانت يومًا لجنود الأعداء، كأنها زينة مروّعة. وفي الداخل، تزيّنت الخيمة بقرون وأوعال وحوش مخيفة قتلها ملك الملوك، وخيّم على المكان صمت ثقيل.
جلس أزاراكس العظيم، وباء الفولاذ، على عرش مهيب منحوت من حجر خشن. ووقف أسفل منه قادة الفيالق العديدة التابعة لحشد الفولاذ، أولئك الذين ما زالوا أحياء على الأقل. واصطف على جدران الخيمة عشرات الأبطال المتسامين وعدد قليل من الصاعدين، بوجوه متجهمة ومتحفظة.
في العادة، لم يكن يُدعى إلى مجلس الحرب سوى عدد نادر من الصاعدين، لكن بعد موت عدد كبير من الجنرالات أثناء الحصار أو إصابتهم بالوباء، اضطر من هم أدنى منهم رتبة إلى تولي قيادة القوات المنهكة.
أما الأماكن الأقرب إلى ملك الملوك، حيث كان يقف جنرالات الرعب السبعة عادة، فبدت خالية على نحو لافت.
وفي الواقع، اختلف هذا الاجتماع عن الاجتماعات السابقة، إذ كانت هناك مساحة واسعة خالية بين أزاراكس وضباطه، تعزله عنهم كخندق أجوف.
وكانت تلك المساحة موجودة لأن أزاراكس نفسه أصيب بالوباء.
ظل الفاتح عديم الرحمة مخيفًا وجبارًا، وكانت هيئته المهيبة تبث الرعب في قلوب مرؤوسيه، لكنه بدا أضعف أيضًا. كان ظهره منحنيًا، وبشرته شاحبة كالموت، وبقيت آثار دم أسود عند زاويتي فمه، وتحت أظافره، وأسفل فتحتي أنفه.
بل إن الدم ظل يتسرب منه، ناشرًا رائحة الحديد في الخيمة.
وباء الفولاذ يلتهمه وباء الدم... كان في ذلك شيء مخيف وساخر بشاعرية، جعل القادة المجتمعين يشعرون بمسحة من الرهبة المقدسة. وكأن الآلهة نفسها تعاقب ملكهم. وفي الحقيقة، انتشرت همسات في أرجاء المعسكر تقول إن ملك الملوك أغضب إلهًا بعينه، إله الحرب، إله الحياة والنصر والفتح.
ولهذا تمكنت مدينة تبدو ضئيلة الشأن من مقاومة أزاراكس كل هذا الوقت، ولهذا توقف زحف حشد الفولاذ الذي لا يُقهر توقفًا ساحقًا.
ولهذا عوقب جنود الحشد بوباء قاتل، وهلك كثير منهم بين أنياب الحرب.
وبالطبع، لم يجرؤ أحد على قول هذه الأمور بصوت مرتفع، لأن ذلك كان سيؤدي إلى مقتله. لكن مجرد جرأة الناس على الهمس بها كان أمرًا ذا دلالة. ففي السابق، لم يكن الجنود ليجرؤوا أبدًا على التعبير عن استيائهم، بل كانوا يعرفون أن عليهم كتمانه في صدورهم.
ولكن كيف لهم أن يظلوا صامتين الآن؟
ما زالت القلعة الحجرية صامدة، وأصاب الوباء ملك الملوك، وكل يوم يموت المزيد منهم. والأسوأ من ذلك أن أكثر المخلصين لأزاراكس، عبيده، قد ماتوا جميعًا. اختفى جنرالات الرعب، واختفى فيلقهم معهم. كما أُبيدت قوات أساسية أخرى من حشد الفولاذ أو ضعفت بشدة.
ورغم أن أعدادهم لم تكن كبيرة بما يكفي لإحداث فارق في صفوف حشد الفولاذ التي لا تنتهي، فإن الحشد نفسه تغير في غيابهم. والسبب أن محاربي الرعب وغيرها من فيالق النخبة التي هلكت يوم احترقت المدينة كانوا يمثلون قلب إمبراطورية الفولاذ، أي الأراضي التي ورثها أزاراكس عن والده الذي قتله، والتي كانت بالتالي أولى فتوحاته.
كان معظم الجنود الباقين ينحدرون من الممالك التي فتحها لاحقًا. انضمت بعض الممالك إلى إمبراطورية الفولاذ منذ بضعة أجيال، بينما لم تبتلع الإمبراطورية بعضها الآخر إلا مؤخرًا. وقد اختار ملك الملوك أعظم أبطال الممالك الساقطة، وهزمهم في قتال فردي، وجعلهم عبيدًا له... والآن ماتوا جميعًا.
لكن لم يُستعبَد جميع المحاربين الموهوبين. فقد عُدّ بعضهم أضعف من أن ينال اعتراف ملك الملوك، بينما وُلد آخرون أو ذاع صيتهم بعد الفتح. وبعضهم لم يرق له ببساطة بسبب أصولهم أو طباعهم.
وهؤلاء هم من انتهى بهم المطاف إلى قيادة الفيالق الأقل شأنًا في حشد الفولاذ، وهم من وقفوا اليوم داخل الخيمة العظيمة بعد أن عاشوا أطول ممن كان يُفترض أنهم أفضل منهم.
وغني عن القول إن ولاءهم لأزاراكس لم يكن راسخًا مثل ولاء عبيده وأولئك النخب المنحدرين من قلب إمبراطورية الفولاذ.
فبالنسبة إلى كثيرين، كان ولاؤهم قائمًا ببساطة على حقيقة أن قوته لا يمكن التغلب عليها، وأن الوقوف ضده يعني الموت لهم ولعائلاتهم وشعوبهم. وكان كثيرون أوفياء بدافع الشرف وثقل العهود التي قطعوها، لكن إخلاصهم لم يكن مطلقًا.
وككل شيء آخر في حشد الفولاذ، كان ذلك الإخلاص يتآكل ببطء تحت وطأة الخسائر المتزايدة والوباء وحماقة ملكهم الغاضبة.
«مولاي...»
تحدث أحد الجنرالات بصوت خافت تملؤه الحيطة المستسلمة.
«الجنود متعبون. والمؤن التي تجلبها القوافل الصغيرة لا تكفي لإطعام الجميع... رجالنا جائعون، والجوع سلبهم قوتهم. مات كثيرون بسبب الوباء، وما زال آخرون يموتون في المعارك.»
توقف لحظة، وألقى نظرة سريعة على رجل متسامٍ طويل القامة وقف صامتًا بين الجنرالات، متكئًا على رمح. كان أصغر سنًا من معظم الموجودين في الخيمة، وبدت ملامحه متحفظة ونظرته هادئة وثقيلة. كان من أقوى المحاربين الباقين في حشد الفولاذ، كما كان من سلالة عائلة ملكية حكمت إحدى الممالك المفتوحة.
ورغم أنه لم يشتهر بإنجازاته القتالية، كان الرجل ثابتًا وفطنًا، واشتهر بين الفيالق الأقل شأنًا بأن جنوده تكبدوا أقل عدد من الخسائر. نادرًا ما كان يتحدث، لكن كلماته كانت دائمًا محسوبة، ولذلك كان لها وزنها. تنهد الجنرال وأضاف، معيدًا نظره إلى جسد أزاراكس المنحني.
«لا يمكن لهذا أن يستمر يا مولاي. ولا ينبغي له أن يستمر. علينا أن نعود إلى ديارنا ونعوض خسائر قواتنا. والأهم من كل شيء، علينا أن نجد علاجًا للوباء... لا يمكن أن يستمر الحصار قبل أن نفعل ذلك.»
رمقه أزاراكس، الذي كان متكئًا على مسند عرشه، بنظرة قاتمة وظل صامتًا لبعض الوقت. واشتدت وطأة حضوره الخانق حتى أصبحت لا تُحتمل، فشحب الجنرالات المتسامون، بينما عانى الصاعدون لالتقاط أنفاسهم.
وأخيرًا، تحدث أزاراكس بنبرة خافتة تقشعر لها الأبدان:
«منذ متى وأنا أحكم جبناء؟»
ضم الجنرال شفتيه، مخفيًا كل أثر للهلع من عينيه.
تحرك أزاراكس قليلًا، فانشق جرح كان قد غطاه القشر وراح ينزف. وازداد وجهه المتجهم قتامة، فارتجف الجنرالات.
«ومنذ متى يظن ضباطي أن بوسعهم إصدار الأوامر إليّ؟»
انحنى إلى الأمام قليلًا، وحدق بحدة قاتمة في الجنرال الذي تكلم.
«هل تحاول تحدي سلطتي أيها الحقير؟»
انتفض الجنرال وهز رأسه.
«لا! لا يا مولاي. لم يكن أمرًا... بل مشورة.»
ابتسم أزاراكس، ثم تكشّر وجهه وبصق ملء فمه دمًا. وعندما تحدث، بدا صوته أجش ومهددًا:
«مشورة؟ فهمت... إذن ترى نفسك مؤهلًا الآن لتقديم المشورة إليّ. وأفترض أن الآخرين يشاركون هذا الجبان رأيه؟»
تبادل الجنرالات النظرات، محاولين إخفاء توترهم. وفي الحقيقة، كانوا يشاركونه الرأي، فجميعهم تقريبًا كانوا مترددين في مواصلة الحصار. بعضهم أرعبه الوباء، وبعضهم استشاط غضبًا بعدما رأى جنوده يموتون في هجمات عبثية. وأراد بعضهم العودة إلى دياره، حيث كانت الاضطرابات المتزايدة تهدد عائلاتهم ومكانتهم وأراضيهم.
ولم ير بعضهم سببًا لمواصلة القتال، فالمدينة احترقت بالفعل، ولم يبق فيها ما يستحق النهب حتى لو انتصروا. ولمّا كانت القلعة وحدها ما تزال قائمة، فلن ينال معظمهم أي مكافأة بعد الاستيلاء عليها.
لذلك، أرادوا جميعًا الشيء نفسه. أرادوا إقناع أزاراكس بالتخلي عن الحصار... لكن لم يجرؤ أي منهم على الكلام. أما من تكلم فكان أحمق شجاعًا بما يكفي، لأن ملكهم لم يكن معروفًا بالصبر. ولم يكن معروفًا بالرحمة تجاه من يتحداه أيضًا، ولذلك خاطر الرسول الشجاع بأن يُقتل في مكانه.
أطلق أزاراكس ضحكة خافتة.
«اسمعوني أيها البؤساء. أنا أزاراكس العظيم، وباء الفولاذ، ملك الملوك! لم أُهزم قط، ولم أفشل قط في انتزاع ما هو حقي. وهذه المدينة لن تكون مختلفة. سيستمر الحصار. وسيستمر الدم في التدفق.»
شقّت ابتسامة مخيفة وجهه الداكن الشاحب.
«وسيظل يتدفق حتى تُفكك القلعة الحجرية حجرًا حجرًا، ويُحرق جميع من احتموا خلف أسوارها أحياء، ويموت ملك البنّائين على يدي! سأقطع رأسه، وأصنع منه كأسًا، وأشرب به الخمر في الولائم التي لا حصر لها. وعندها سيضحك الناس ويقولون: انظروا! هذا هو الأحمق الذي تجرأ على تحدي أزاراكس الملك.»
التقط نفسًا بصعوبة.
«هذه إرادتي! وأنتم... جميعكم... لستم سوى أدوات أستخدمها لتنفيذها. لذا فكروا طويلًا ومليًا قبل أن تنطقوا بكلماتكم التالية. فما حاجتي إلى أدوات تعجز عن أداء الغرض منها؟»
خيّم صمت متوتر بين الجنرالات وهم يرمقونه بنظراتهم.
أمامهم، بدت هيئة أزاراكس الجبارة مخيفة كما كانت دائمًا... لكنها بدت مختلفة أيضًا. جلس ملتويًا على عرشه الحجري، متكئًا على المسند. ورغم أن عينيه اشتعلتا بحدة مرعبة، كان وجهه شاحبًا وهزيلًا. تسلل الدم الأسود من فمه وبلل لحيته، وغطت بشرته لمعة محمومة مريضة.
وكان تنفسه متقطعًا.
مات كثيرون بسبب الوباء... لكن أزاراكس لم يمت. ولم يكن سيموت أيضًا. قد يلتهم المرض المروع البشر العاديين، لكن جسده الجبار سيلتهمه في النهاية. ستمر أيام، أو ربما أسابيع، ثم يستعيد مجده السابق. وبحلول ذلك الوقت، سيكون كثيرون منهم قد ماتوا، وربما يموتون جميعًا.
لكن ملك الملوك سيبقى. سيظل حيًا حين يضعف أحفادهم من شدة الشيخوخة، وحين يحول الزمن عظامهم إلى غبار. فتلك هي طبيعة أنصاف الآلهة، ولم يكن هو نصف إله عاديًا. فقد كان أزاراكس أسمى هزم وقتل عددًا لا يحصى من أمثاله.
كيف لمخلوق كهذا أن يفهمهم؟
وكيف يمكنهم إقناعه بأن يفهم؟
تبادل الجنرالات النظرات وهم يرتجفون، وقد امتلأوا بالهلع والاستياء.
ماذا يمكنهم أن يقولوا؟ وما الحجج التي يمكنهم ابتكارها؟ وما الكلمات التي يمكنهم استخدامها لإجبار ملكهم المرعب على الإصغاء؟
وفي النهاية، استقرت أنظار كثيرين منهم على القديس الصامت الذي وقف بينهم متكئًا على رمحه. فقد كان معروفًا ببصيرته ورباطة جأشه تحت الضغط وحكمته في اختيار كلماته. لذلك، أملوا أن يرشدهم إلى الطريق.
وفعل ذلك.
ظل الجنرال الصامت يدرس أزاراكس بنظرة قلقة وثقيلة لبعض الوقت، وكأنه يزن أمرًا في ذهنه. ثم بدا أنه اتخذ قراره، فتقدم إلى الأمام. لكنه لم يستخدم الكلمات.
بل استخدم رمحه.
هل أعجبتكم الترجمة؟
إذا كانت لديكم أي ملاحظات يرجى كتابتها في التعليقات.