الفصل 3181: جالبة الضياء
تذكر الظل حياته كملك صالح التهمته الشكوك.
تذكر حياته كدودة الشك التي التهمت الملك أيضاً. تذكر أنه كان المخلوق البشع الذي أصبح عليه الملك…
والفراشة المتوهجة المشؤومة التي زحفت من جمجمة الملك المحطمة، كذلك. لا يمكن أن يكون الاثنان أكثر اختلافًا. لكن بالنسبة للظل، كانا واحدًا. فقد عاش حياتهما الطويلة والمرعبة، لذا كان يعلم.
كان يعلم أن الفراشة كانت تتوق إلى الحياة بنفس يأس الملك.
كانت جميع الكائنات الحية مفتونة بالحياة، وكانت جميع الكائنات الحية مرعوبة من الموت. إلا هو.
كان الظلّ قد سئم الحياة وأنكر الموت، فلم يكن هناك مفرّ من وجوده الأبدي. لم يكن هناك سوى سلام مملكته الجامدة وعذاب ذكرياته غير المرغوب فيه.
تذكّر أنه كان العثة…
كان المخلوق الغريب خبيثًا، لكنه كان صغيرًا وضعيفًا. بعد أن نبتت له أجنحته المظلمة في شرنقة عقل الملك المنهك، هرب إلى العالم الشاسع والقاسي في الخارج. أراد أن يعيش، فأراد أن يصبح أقوى… أن ينمو. وهكذا فعل، متنقلًا عبر عوالم لا حصر لها ككارثة.
إلى أن أصبح سامياً مدنساً، روح الشك الشريرة.
لو أراد الظل، لكان بإمكانه تذكر كل تفاصيل تقديسه المروع. لكنه صرف أفكاره عن تلك الذكريات – ليس فقط لأن هاوية مرعبة من الفساد كانت مخبأة فيها، بل أيضاً لأنه لم يكن بحاجة إلى مثل هذه المعرفة.
حتى لو أراد أن يصبح سامياََ، فلن يسلك نفس الطريق المروع الذي سلكته العثة.
‘مع ذلك، أتسائل…’
كانت هناك ذكرى أخرى كان يحذر منها. حدث قاوم كيانه نفسه تذكره.
كان ذلك اليوم الذي التقى فيه روح الشك بشيطان القدر.
امتد الظل عبر عالمه الخالي من الحياة، محيطاً به، وارتجف.
‘ويفر…’
حتى لو لم يكن يعرف السبب، فقد كان يخشى الشيطان الغامض أكثر مما كان يخشى السامين وجميع الكائنات الأخرى.
ربما كان ذلك لأن شيئاً ما كان يتحرك داخل روحه في كل مرة يفكر فيها في ويفر، كما لو أن عدداً لا نهائياً من الخيوط الذهبية قد اخترقها.
كانت السامين مرعبة، لكن القدر كان أكثر رعباً من السامين.
لقد عانى روح الشك بعد إبرام صفقة مع ويفر.
‘هل سبق لي أن التقيت بويفر مرة واحدة أيضاً؟’
هذا يفسر مصيره البائس. أثار الظل قلقه، فطهر عقله من كل الأفكار. كان التفكير في السامين بصوت عالٍ أمرًا خطيرًا، فماذا لو سمعوه؟
بدلاً من ذلك، استرجع الظل ذكريات حياة الملك التعيس.
شعر الظل وكأنه كان يعاني من الشك أيضاً، منذ زمن بعيد.
لكن في النهاية، بدا أنه تعلم الثقة.
كانت الثقة سلاحًا مكّنه من التغلب على الشك وأنقذه من مصير مشابه لمصير الملك.
لقد مكّنته من… فعل ماذا؟
ربما أن يلقي به شخص آخر.
لم يتذكر الظل.
تنهد ثم وجه انتباهه إلى الوجود البسيط والمسلي للأطياف التي تسكن مملكته.
مرّ الوقت.
كان وجود الظل هادئًا وخاليًا. لم يزعجه شيء – باستثناء المتجولين المرهقين الذين كانوا يأتون أحيانًا إلى أرضه المظلمة، ثم يفرون في رعب.
حسنًا، وشيء آخر أيضًا.
في مرحلة ما، تسللت دودة الشك إلى عقل الظل.
لم يكن الأمر يتعلق بكائن شرير فاسد، بل كان مجرد شك عادي.
لم يكن الظل متأكدًا من صحة كلامه، أو كيف يمكن أن يكون ذلك ممكنًا أصلًا…
لكنه بدأ يشك في أن هناك شيئًا ما لا يزال متشبثًا بالحياة، بطريقة ما، في الظلام الدامس لمملكته المسالمة.
في مكان بعيد، في مملكة نائية، امتدت مدينة رائعة تحت سماء واسعة. وفي قلب المدينة، كان هرم شاهق، سطحه مغطى بألواح كبيرة من الحجر المصقول الأملس. أما قمة الهرم فكانت مغلفة بألواح من أنقى الذهب، وفي ضوء الشمس الساطع، كانت تتألق ببريق أبيض مبهر.
كان الأمر كما لو أن الهرم محاط باللهب؛ كما لو أن هناك شمسًا أخرى تحترق عند قمته، تعكس مجد شقيقتها السماوية.
كان ذلك معبد وقصر الهاوية البيضاء، ومنه حكمت المملكة الأولى.
في تلك اللحظة، كان كاهن مسن يصعد درجات الهرم.
كان يتصبب عرقًا بغزارة، يتحمل حرارة لا تُطاق. كانت عيناه معصوبتين بعصابة – لولاها، لكان قد أُصيب بالعمى من شدة إشراق ساميته. كان الهرم شاهقًا، وكان الكاهن طاعنًا في السن… لولا رتبته، لهلك على درجاته التي لا تنتهي، كما هلك عدد لا يُحصى من المتضرعين قبله.
لكن في النهاية، وصل الكاهن العجوز إلى المنصة الواسعة في نهاية الدرج الكبير. أطلق تنهيدة ارتياح، ثم جثا أمام القصر الذهبي المختبئ داخل الجزء العلوي من الهرم.
كانت بوابات القصر الشاهقة مفتوحة، ولو كان المرء جريئًا بما يكفي، لكان بإمكانه محاولة إلقاء نظرة خاطفة على ما بداخله. لكنه لن يرى شيئًا، لأنه لم يكن هناك شيء داخل القصر سوى بحر من اللهب الأبيض المشتعل.
كان ذلك المحيط من اللهب الحي هو الشكل الحقيقي للهاوية البيضاء – الملكة الجميلة والمرعبة للمملكة الأولى.
بقي الكاهن جاثياً على ركبتيه لفترة طويلة، يلتقط أنفاسه. ثم ضغط جبهته على الحجارة المشتعلة.
“سيدتي، يا من تجلبين النور، ايتها اللهيب الأبدي، يا طاغية الرحمة، ايتها الهاوية البيضاء العظيمة… أتوسل إليكِ…”
ساد الصمت لفترة طويلة، ثم انقطع.
في البداية لم يكن هناك سوى حفيف ألسنة اللهب المتراقصة.
ثمّ تحوّل هدير اللهب الخافت إلى صوت واضح لا يمتّ للإنسانية بصلة.
“ما هي رغبتك؟”
ارتجف الكاهن، وقد غلبه الرهبة. وبقي بلا حراك لبضع لحظات، يستجمع قواه، ثم تحدث بنبرة وقورة:
“سيدتي، وردتنا أنباء من أرجاء مملكتك البعيدة. لقد ضعفت حدود المملكة، وانتشر نفوذ الفراغ عبر المناطق الحدودية. نخشى أن يكون مخلوق فساد جبار قد وضع نصب عينيه شعبكِ، وهو على وشك الوصول. أرجوكِ يا سيدتي! انزلي من عرشكِ وأفيضي ببركتكِ على من لا يستحقونها! أرينا عظمة غضبكِ المطهر!”
ساد الصمت مرة أخرى.
ثم شعر الكاهن بأن الحرارة التي لا تطاق تخف قليلاً، وأن هدير اللهب يهدأ تدريجياً.
سمع صوت خطوات خفيفة تقترب منه من بوابات القصر.
وبينما كانوا يفعلون ذلك، شعر بروحه تشتعل بشوق لا يُطاق. التقوى، والطمع، والإخلاص، والطموح، والحب، والشهوة – كل رغباته اشتعلت بشدة نارية، مما جعله يجز على أسنانه ويضغط على الحجر بقوة أكبر.
“انزع عصابة عينيك.”
تردد الكاهن، ثم امتثل للأمر الذي نُطق بصوتٍ واضحٍ وجميلٍ ويدٍ مرتعشة. مع ذلك، لم يجرؤ على رفع بصره، لعلمه أن ذلك أفضل. ففي شبابه، رأى ذات مرةٍ هيئة سيدته البشرية. شعرها الفضي، وعيناها البيضاوان المتألقتان، وقوامها الرشيق، ونعومة بشرتها العاجية المثالية…
لقد زادت الذكرى وحدها من حدة النار المشتعلة بداخله، مما جعل الكاهن العجوز يتحرك بشكل أخرق ويغمض عينيه خجلاً.
ثم تحدثت ملكته، الهاوية البيضاء، مرة أخرى:
“تقدموا للأمام.”
سرعان ما انطلق موكب مهيب من المدينة. في مقدمته، سار الكاهن العجوز حاملاً صولجاناً ذهبياً. وخلفه، امتطت الملكة الخالدة للمملكة الأولى، تجسيد اللهب البشري، وحشاً مهيباً متسامياً. وتبعها الجنود وأعضاء مختارون من الكهنة، لا للمشاركة في المعركة، بل ليشهدوا مجد ساميتهم.
كانت الهاوية البيضاء تحكم المملكة مباشرةً، وتظهر أمام شعبها كل يوم. لكن تلك الأيام ولّت منذ زمن بعيد. الآن، تقضي معظم وقتها في هيئتها الطبيعية، حيث يتوهج محيط كيانها النقي الشاسع في أعماق الهرم العظيم، فيملأه بالنور والحرارة الحارقة.
لذا، كانت مناسبة نادرة ومجيدة أن نرى الهاوية البيضاء العظيمة تنزل من عرشها الناري وتُزين العالم بحضورها الآسر.
كان الكاهن العجوز مليئاً بالكبرياء والغرور… والقلق أيضاً.
كان يريد أن تسير الأمور على أكمل وجه، حتى لا تُهان ساميته بسبب أي عيب.
حتى لا تجد فيه عيباً.
ولهذا السبب شعر بالغضب والذهول عندما ظهرت، بعد ساعات عديدة، امرأة بدت وكأنها متسولة بلا مأوى في طريق الموكب، تسد طريقهم.
كانت المرأة عجوزًا، تتجعد ملامح وجهها المتجعد بعمق. كان شعرها رماديًا، مضفورًا في ضفيرة فوضوية. كانت ملابسها مغطاة بغبار الطريق الأحمر، بالية وعادية، أطرافها مهترئة. أشعلت نارًا صغيرة وكانت تدفئ يديها أمامها، ورمح بسيط ملقى على الأرض بجانبها.
كانوا يعبرون الصحراء حينها، والشمس تغرب… كانت الصحراء شاسعة كالسماء. لماذا لم تشعل نارها في مكان آخر بدلاً من مسار الموكب؟
والأسوأ من ذلك، أن المرأة بدت وكأنها لم تلاحظ اقترابهم. تجاهلتهم تمامًا، تحدق في اللهب بلا مبالاة – لم يكن أمام الموكب خيار سوى الالتفاف حولها إن أرادوا التقدم… إلا إذا داسوها دون أن يبطئوا.
ملكتهم المجيدة تضطر لتغيير مسارها بسبب متسول مجهول؟
اشتعلت في صدر الكاهن العجوز رغبة جامحة في القتل.
وتقدم خطوة إلى الأمام، ورفع صولجانه، عازماً على ضرب المرأة الوقحة.
“كيف تجرؤين!”
لكن قبل أن يتمكن من إنزال الصولجان، اشتعل إشعاع ناعم تحت جلده.
كان هذا نور الهاوية البيضاء – بركتها.
بعد لحظة، فتح الكاهن العجوز فمه وأطلق صرخة مروعة. غلى جلده واسود، وتصاعدت ألسنة اللهب البيضاء من داخله، فغطته كالعاصفة. انقطعت صرخته المروعة فجأة كما بدأت، وفي ثانية، لم يبقَ منه سوى سحابة من الرماد.
تبددت الرماد بفعل الرياح.
جلست الهاوية البيضاء على قمة الوحش الشاهق، ونظرت إلى موته بتعبير غير مبالٍ على وجهها الجميل الرائع الذي يخطف الأنفاس.
ثم قفزت إلى الأرض وسارت نحو المرأة العجوز، وكان رداؤها الأبيض يتمايل بخفة مع كل خطوة من خطواتها الرشيقة.
عندما وصلت إلى النار الصغيرة، نظرت إلى الأسفل وتأملت الرجل المتجول المتعب. ثم سألت بصوت خالٍ تمامًا من المشاعر:
“هل أتيت لتقتليني؟”
أخيراً أبعدت العجوز نظرها عن النار ونظرت إليها بنظرة فيها شيء من الدهشة.
“لماذا أفعل ذلك؟”
ترددت الهاوية البيضاء للحظة، ثم تنهدت ونظرت إلى السماء.
هناك، كانت الشمس تغرب، وبدأت النجوم المتناثرة تظهر ببطء في عتمة الليل المخملية. وفي النها ية، هزت كتفيها.
“لقد افترضت ذلك فحسب. ففي النهاية، ليس كل يوم يأتي أحد السامين العظماء إلى مملكتي…”
الترجمة – كوكبة
وتفك؟؟؟
وش جاب احد السامين لهنا؟ الأخت لساتها سيادية.